عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jul-2018

كتابات الرحالة كمصدر تاريخي: السعي للاكتشاف والشوق للمغامرة

 القدس العربي-هبة كمال سعد

تهدي «المجلة العربية»، وهي مجلة ثقافية شهرية، قراءها كتاب العربية رقم (262)، والذي يوزع مجانًا مع المجلة العربية وهو بعنوان «كتابات الرحالة مصدر تاريخي»، للدكتور علي عفيفي علي غازي، مدير تحرير مجلة رواق التاريخ والتراث، يقع الكتاب في 116 صفحة، يُبيّن فيه المؤلف أهمية كتابات الرحالة، التي أضحت أدبًا مستقلا بذاته، باعتبارها مصدرا تاريخيا لعب دورًا مهمًا في تدوين مسيرة الإنسان الحضارية، وذلك من خلال منهج البحث التاريخي التحليلي مُتتبعًا مسيرة الرحلة والرحالة في العصور القديمة ثم الرحالة المسلمين، فالرحالة في العصور الوسطى والحديثة، ليختتم بالنقد التاريخي لكتابات الرحالة، وأهم الرحالة الغربيين الذين زاروا الشرق.
يقول المؤلف في مقدمته «ومنذ أن أدرك الإنسان، واكتشف أن العالم الذي يعيش فيه مترامي الأطراف، متنوع الأعراق، متباين الألسن واللغات، متعدد الثقافات، غني في تقاليد أقوامه وغرائب طبائع شعوبه، كان عليه أن يرتحل ليكشف ذلك كله، ويرى ذاته في مرآة الآخرين، يحدوه فضول المعرفة وطلب العلم حينًا، وشوق المغامرة والسفر لرؤية بقاع جديدة حينًا آخر، فارتحل للتعرف إلى بيئات مختلفة عن بيئته التي انطلق منها، ومن هذا الاختلاف وجد أفقًا جديدًا في النظر إلى الحياة، وسبيلا مختلفًا من سبل صقل روحه التواقة للكمال، الذي يبقى حُلمًا لا يُبلغ».
يبدأ الكتاب بالبحث في كتب المعاجم عن الجذر اللغوي (رحل) فيرى أنه نال اهتمامًا خاصًا باعتباره متداولا على نطاق واسع ونابعا من البيئة العربية، ليرى أن التعريفات تكاد تُجمع على أن الرحلة في جوهرها حركة وانتقال سعيًا وراء هدف قد يتحقق وقد لا، ولكنها في كلتا الحالتين تكسب خبرات، ومن ثم فهي سلوك إنساني حضاري يؤتي ثماره النافعة إلى الفرد وعلى الجماعة. وينطلق المؤلف من الرحلة إلى الرحالة، وأدب الرحلات، ليرى أنه يعتمد على أسس أهمها أنه يقوم على رحلة أو رحلات واقعية في زمان ومكان محددين، وأن الذي يقوم به رحال تمكن حب الرحلة منه، يصف انطباعاته ومشاهداته في الرحلة، ويوازي بين شخصه من ناحية، والرحلة كموضوع من ناحية أخرى. ويستخدم النثر المعبر عن ذاته والحامل لخصائصه دون تكلف أو إسراف. ويستطرد فيذكر أن مناهج تدوين أدب الرحلة هي التدوين الزمني، والتدوين المكاني، والتدوين الموضوعي، والتدوين الانتقائي. ويختتم بفوائد الارتحال. ثم يحاول الإجابة على تساؤل هل كانت الرحلة عبر التاريخ وقفًا على الرجال دون النساء؟ ويرى أن رحلات الرجل فاقت رحلات النساء في الكم والكيف والمدى الزمني، وذكر أن أصحاب الفكر الاجتماعي يرون أن تفضيل المرأة إلى الاستقرار هو السبب الرئيس لقلة الرحالات النساء، ولكن لا يعني هذا أن المرأة لم ترتحل أبدًا.
يتناول المؤلف بعد ذلك مراحل الرحلة بداية من العصور القديمة، وفي الأدب العربي قبل شروق شمس الإسلام، ويبين أن النشاط التجاري قبل الإسلام كان هو الباعث الأول للرحلة، ثم ينتقل لتناول الرحلة في التراث العربي الإسلامي، ويرى أن الرحلة إذا كانت قد مهدت للفتوح الإسلامية، فإنها بعد الفتح أصبحت عاملا لاكتشاف البلدان والمسالك والممالك. ويذكر أن دوافع الرحالة المسلمين لا تخرج عن أن تكون دوافع: دينية، علمية، سياسية، سياحية وثقافية، اقتصادية، صحية. ثم يستعرض أطوار الرحلة العربية بداية من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إلى أن بلغت الرحلة عند المسلمين أوج ازدهارها في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي. 
ويؤكد الكاتب على أن العصور الوسطى قد شهدت خروج العديد من الرحالة الأوروبيين صوب الشرق، تعدد دوافعهم وغاياتهم، ويمكن إجمالها في الحج، التجارة، الاستقرار، الفروسية، التبشير، سياسة، ثم ينتقل إلى تناول الرحالة الغربيين في العصور الحديثة، فيرى أنه خلال عصر النهضة ازداد الاهتمام الأوروبي بالشرق، ليصل إلى ذروته في القرن الثامن عشر، الذي يطلق عليه «قرن الرحالة الباحثين عن المعرفة»، ليشهد القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين سيلا من الإبداعات العالمية، ويقسم دوافعهم إلى: حب السفر والترحال، علمية، دينية، ترجمات معاني القرآن الكريم، الحروب الصليبية، ترجمات ألف ليلة وليلة، كتاب وصف مصر، اقتصادية، إجتماعية، سياسية، ثقافية، استشراق.
يتطرق الباحث بعد ذلك إلى أهمية كتابات الرحالة، فيرى أنها تأتي إليها بمعلومات عن أماكن لم يرتدها أحد من قراء الرحلة، وتجعلنا نرى بعيون هؤلاء الرحالة كيف كانت الحياة في حينها، لإكمال الصورة العامة للعرض التاريخي عن مجتمع ما في وقت ما، وفق رؤية الآخر، ومن ثم تكتسب الرحلات مكانة خاصة في المكتبة الثقافية عامة، والتاريخية خاصة، نظرًا لما تتضمنه من معلومات قيمة، ومن ثم فإنها تُعد مصدرًا مهمًا للمؤرخ، فهي تصور أماكن وأزمنة لم نكن لنحصل عليها دون مغامرات أولئك الرحالة وتعبهم، إلا أنه يجب اخضاعها للنقد التاريخي، إذ توجد ثمة أسباب تجعل كثير من هذه الكتابات غير دقيقة تمامًا: كجعل معظم الرحالة اللغة العربية، واحتواء معظم كتاباتهم على الخيال، وما تحمله من طابع فردي ذاتي، بالإضافة لقصر مدة إقامة الرحالة، وما يحملونه في مكنوناتهم من نظرة مسبقة، استقاها من كتب سابقيه، كما أن معظمهم سياسيون من الدرجة الأولى، وبالتالي جاءت كتاباتهم تحمل حسا سياسيا، كما أن اعتمادهم على السماع والملاحظة والمشاهدة والمشاركة والمعايشة يجعل أحيانا بعض ما أوروده من معلومات غير دقيقة، بالإضافة لتعدد اتجاهاتهم ومذاهبهم، ولهذا كان بعضهم غير محايد، وبعضهم حمل نظرة عدائية للعرب والإسلام، فاحتوت كتاباته على إشارات متحاملة، وهو ما يتطلب الحيطة والحذر في معالجة ما يوردون من روايات، وعدم الأخذ بها كحقيقة تاريخية مسلم بها، إذ إن بعضهم تنقصه الدقة والأمانة العلمية، بالإضافة إلى أن أكثرهم يحمل طابعا نقديا يجعله لا يكتفي بالمشاهدة والوصف، ولكنه يتعداهما إلى التفسير والنقد، وبعضهم الآخر لم يفرق بين مضمون مهم وآخر تافه، فجعل من أدب الرحلة وعاء لكل مضمون، وجعل من كتابات بعض الرحالة بطاقات بريدية، ومن ثم فإن «المحاذير السابقة تجعل الباحث يدرك أن لها إيجابياتها وعليها سلبياتها، ولذا تطلب الأمر التعامل معها من خلال الزاويتين معًا». وأخيرًا يُعرف بأهم الرحالة الذين زاروا الشرق منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين. ويختتم بقائمة ببلوغرافية للمصادر والمراجع التي اعتمد عليها.
 
٭ كاتبة من مصر
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات