عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-May-2017

ماذا يحدث حينما نتواصل مع الطبيعة؟!!

 

إسراء الردايدة
عمان-الغد-  العودة للطبيعة يعيد لنا الحيوية، والحرية وإراحة النفسية، ولطالما كان حدس بني البشر قويا فيما يتعلق بالخروج للحياة البرية بحثا عن الهدوء حيث أن بعض الطقوس للقبائل التي عاشت سابقا اشتملت الخروج للطبيعة كجزء من مرحلة البلوغ وإثبات المسؤولية والاستقلالية، فيما الثقافات الحديثة كما في شرق آسيا تأخذ سكانها في تجربة "حمامات الغابات" التي تضيف لهم الشفاء والنمو الشخصي التي تمنحها المناظر الطبيعية.
ولكن لماذا الطبيعة؟ لا أحد يعرف بالتأكيد؛ إلا أن فرضية مستمدة من عالم الأحياء الأميركي إدوارد أوسبورن ويلسون ونظريته عن البيولوجيا التطورية "الهيموفيليا"؛ وهي نظرية توحي بوجود أسباب التطور لدى الناس الباحثين عن تجارب في الطبيعة، ولماذا نفضل الأماكن الجميلة فيها، وبخاصة أن الطبيعة غنية بتلك المناظر التي تخطف الأنفاس وهي بيئة غنية بالموارد  وتوفر الغذاء الأمثل والمأوى والراحة.
 وهذه الاحتياجات التطورية تفسر سبب رسم الأطفال للبيئات الطبيعية دائما بالفطرة، وتبرز تفضيلنا كبشر للطبيعة وكونها جزءا من العمارة التي تحيط بنا.
وهذه النظرية التي قدمها ادوارد ويلسون في كتابه الذي صدر في العام 1984، تغوص في عمق ميل البشر للتواصل مع الطبيعة وأشكال الحياة الأخرى، وهي تعني حب الحياة أو نظم المعيشة، واستخدمت لأول مرة من قبل اريك فروم لوصف التوجه السيكولوجي لكل ما هو على قيد الحياة. 
وهي تفسر الانتماءات العميقة في الحياة والطبيعة متجذرة في طبيعة البشر البيولوجية، ما يعزز تلك المشاعر الايجابية التي ترى لدى الناس حين يتفاعلون مع الطبيعة والحيوانات والكائنات في محيطها وأيضا تفسر رهاب البعض منها أيضا. وكان ارسطو أيضا ممن أثاروا مفهوم "حب الحياة" أو الغوص في العلاقات أو الصداقات، وأثار أيضا كيف أن الصداقات بالمثل مفيدة لكلا الطرفين، وهنالك أكثر من طريقة واحدة لبلوغ السعادة.
 وبحسب موقع greatergood، فإن هنالك العديد من الأبحاث التي توثق الآثار الايجابية للطبيعة على الازدهار البشري،  والحياة الاجتماعية والنفسية والعاطفية، من بينها المشي والجري في الطبيعة والعيش في محيط مليء بالأشجار وحتى مشاهدة لوحات ومناظر طبيعية خلابة، وأشرطة تنعكس ايجابيتها على الدماغ، والمشاعر والقدرة على التركيز والتفاعلات والراحة. كما أن التواصل مع الطبيعة ينظم التفاعلات الاجتماعية، فهي تهدىء الأنظمة العصبية وتساعدنا على الإبداع والتواصل والشعور بالمودة والانفتاح لأفكار مختلفة. وبعبارة أخرى، فإن العلم يوحي لنا بأننا نسعى للطبيعة من أجل الحفاظ على كيوننتنا وبقائنا المادي، لأنها جيدة لرفاهيتنا الاجتماعية والشخصية.
كيف تساعدنا الطبيعة على فعل الخير والشعور بالراحة؟
في عدة دراسات نظر إلى الآثار الهائلة للطبيعة الخلابة التي تبعد عن الحضارة والتلوث بين الجبال والغابات، التي تؤجج الحماس وتملأ كل مسامات الخلايا لدينا بشعور غريب لا يخلو من الانتعاش والتحرر والصفاء، وتلك تلهم التجارب العاطفية وتنعكس على السلوك. 
ففي دراسة نشرت في العام 2016 بموقع الرابطة الأميركية لعلم النفس عن السلوكيات الاجتماعية في الطبيعة وأثرها،  فإن تفاعل الناس مع المحيط الطبيعي يختلف من فرد لآخر،  البعض تنتابه ردة فعل بالفرح والغبطة وآخرون بالهبة  وبين الإثتين هنالك الامتنان والإعجاب وتقديس تلك الطبيعة برونقها وهيبتها، والعديد من العواطف الايجابية التي تنعكس على الرفاه والصحة البدنية.
ومن بين آثار العواطف الايجابية وانعكاسها على التفاعل الاجتماعي هي زيادة الثقة والتعاون والتقارب من الاخرين، وبخاصة أولئك الذين عرضت لهم مناظر طبيعية خلال الدراسة، لأنها حركت عواطفهم الإيجابية ما يعني أن للطبيعة الفعلية أثرا أعمق على تفاعلهم ورفاههم الاجتماعي.
وفي دراسة أخرى أجراها عالمان يهتمان بالبيئة في جامعة الينوي وجد أن أثر الأشجار الفعلي وتوفير الظل على  تخفيض نسبة الجريمة وتحسين الصحة العقلية  للمقيمين في تلك الأجواء في مختبر بحوث البيئة البشري التابع للجامعة، وجدا أن للأماكن الخضراء علاقة مباشرة مع الرفاه الاجتماعي وانعكس الأمر من خلال المشاريع الإسكانية التي أقيمت في مشاريع الإسكان العام التي أقيمت في شيكاغو والتي كانت جزءا من أرض الاختبار.
 وبدأ الباحثان دراستهما في منتصف التسعينيات، حيث كانت ويلز واحدة من أفقر الأحياء في الولايات المتحدة الأميركية وفيها نحو 5.700 فرد ومعظمهم كانوا ضمن الرعاية الاجتماعية وبلغت البطالة أكثر من 90 %، وحين بنيت ويلز في منتصف الاربعينيات زرعت الأشجار في محيط المدينة حول المباني، ولكن كثيرة منها اختفت بسبب الصيانة والتوسع العمراني تاركة أمتارا قليلة من الاشجار. 
وبحلول العام 2001 وجد الباحثان أن نسبة ضحايا العنف والجرائم ارتفعت للنصف، مقارنة بتلك التي تقع في المباني المحاطة بالاشجار، وكمية الغطاء الاخضر التي تم حسابها حيث كان هناك من سبعة الى ثمانية فروق في الجريمة بين المباني التي خلت من الأشجار والغطاء الاخضر مقارنة بتلك التي احتوت محيطا من الاشجار والمساحات الخضراء حولها. ووجدا أيضا أن المساحات الخضراء تخلق شعورا بالهدوء وفيها تقل نسب الجريمة والعنف.
ودراسة اخرى اجريت في العام 2014 في جامعة كاليفورنيا في قسم الصحة النفسية ونشرت في مجلة الصحة البيئية  وجدت أن مشاهدة مناظر طبيعية لو بمقاطع للفيديو انعكست على المشاركين بالدراسة بأثر عميق تمحور حول شعورهم بالاسترخاء وتقبل ما يدور معهم من ظروف ومشاكل وباتوا أكثر هدوءا وشعورا بأهميتهم الذاتية، وأنهم جزء من شيء أكبر وهو الكون والطبيعة، مقابل اولئك الذين شاهدوا مقاطع مضحكة.
كيف تساعد الطبيعة صحتنا؟
ومع اختلاف الدراسات التي اجريت عن أثر الطبيعة وعلاقتها بالتقليل من التوتر والاجهاد واستعادة التركيز، فإن اولئك الذين يعيشون في محيط تكثر فيه الأشجار والمساحات الواسعة أقل عرضة للتوتر والاجهاد، مقارنة بأولئك الذين يعيشون في مناطق مزدحمة لا مساحة فيها للأشجار بشكل كبير، واولئك ترتفع لديهم نسبة الكورتيزول بنسب أعلى من الذين يعيشون في محيط أخضر. 
ومثل هذه المناظر أيضا من يشاهدها أي الطبيعة ووعيهم بجمالها أظهرت أنظمتهم الحيوية راحة وتفاعلا وانعكس على نشاطهم الذهني والقلبي ويترجم بتقليل التوتر الذي يخفض احتمالات الاصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. والمشي في الطبيعة يخفف من التوتر الذهني ويشرع في عملية الشفاء من الأمراض وتحسين السلامة البدنية للمسنين.
لماذا نحتاج الطبيعة؟
الاقتراب من الطبيعة يحسن من الرفاه البدني، وهي تقلل من أعراض الإجهاد الفسيولوجي في أجسادنا. وهذا يعني أننا أقل احتمالا بأن نكون خائفين منها،  وبالتالي أكثر انفتاحا على الآخرين ولأنماط التفكير الخلاقة.
وبنفس الوقت الذي تمنح فيه الطبيعة الرهبة فإنها تدفعنا للتساؤل عن تلك العواطف التي تشمل الإيثار والخشوع  والتقدير، وهي كلها تعزز الصحة، وحين نشاهد لوحات طبيعية ومناظر طبيعية ترتفع نسبة الدوبامين في الدماغ التي تعطي الشعور بالرضا والفرح والطاقة لتحقيق أهدافنا.
وأولئك الذين يقضون وقتا أقل في الهواء الطلق وأقل تفاعلا مع الطبيعة هم أكثر من يعاني من مستويات مرتفعة من الاجهاد والعصبية والحساسية والانشغال بأمور الآخرين، والتي تعرف باضطراب العجز البيئي بحسب الكاتب البيئي ريتشارد لوي، وهو شكل من أشكال المعاناة التي تتبع الشعور بالانفصال عن الطبيعة وسلطاتها.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات