عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Jun-2016

جريدة القبلة التي وثقت لنهضة العرب
 
الراي - ( تمرّ هذا العام المئوية الأولى لنهضة العرب والتي تعارفنا منذ قرن بأنها الثورة العربية الكبرى بقيادة شريف مكة الحسين بن علي وأبنائه، وقد حفظت جريدة القبلة التي صدرت في مكة المكرمة منذ قرن من الزمن ،خطاب  النهضة، ومبررات الثورة، وأدبياتها، واحتفاء من جريدة الرأي  الأردنية بهذه الذكرى النبيلة، تفرد للأديبة والمؤرخة الأردنية الدكتورة هند أبو الشعر صفحة أسبوعية تستعيد فيها أدبيات جريدة القبلة وخطابها النهضوي، ثقة من الرأي بحاجتنا في هذا الزمن وبعد قرن كامل، إلى استنهاض هذا الخطاب واستعادته من عمانّ  المدينة التي احتضنت رجالات النهضة وحافظت على فكر أحرار العرب) 
هذه النهضة العربية  : 
لأن  عرب اليوم الذين قامت الثورة العربية الكبرى قبل قرن من الزمن انتصارا لكرامتهم المهدورة، وغضبا لاغتيال أصحاب القلم والفكر والرؤية من شبابهم،  لأنهم لا يجدون الوقت لالتقاط أنفاسهم بين جنون التفجيرات ومواكب الموتى والجياع والمهجرين، ولأننا في الأردن  نقبض على سارية علم  (الدولة العربية الهاشمية) التي أطلقها شريف مكة قبل قرن من الزمن، و التي أعاد حفيده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين نشرها في عمان قبل أيام، لأننا ما زلنا نقبض على جمر الحرية والعروبة وننتصر للكرامة، ولأننا أطلقنا على جيشنا في أول عهدنا بالإمارة 
 (الجيش العربي) ونذرناه للعرب، فإن من حقنا الآن ونحن نستعيد زمن ثورة العرب قبل قرن من هذا الزمن، أن نقرأ مع العرب كل العرب (ذاكرة الثورة العربية الكبرى) التي احتفظت فيها جريدة  القبلة  التي صدرت في الحجاز يوم الاثنين 15 شوال 1334 هـ / 15 آب 1916 م، وهي مصدرنا الثمين لنقرأ مع قراء الرأي حيثما انتشر الحرف العربي فكر النهضة التي هزت ضمير العرب في مشارق بلاد العرب ووصلت عرب المهجر في الأمريكيتين وأوروبا بامتياز،  وتأثير لا يصدقان .. فلنبدأ أولا بالتعريف بالجريدة التي نحتفظ بأعدادها كاملة، لننشر من خلال هذه الزاوية الأسبوعية ما أثار إعجابنا ودفعنا إلى تعميم الخطاب العميق الذي يستحق الاستعادة والاستذكار والحفظ والتحليل .. ومن هنا نبدأ .
جريدة القبلة  (1916 – 1924 م) :
كنت وأنا طالبة في الجامعة الأردنية أحتفظ بأوراق مصورة من بعض أعداد الجريدة التي احتفظ فيها مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية، والتي صورها المركز على أفلام المايكرو فيلم من مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد وجدت على الصفحة الأولى وبخط اليد  كلمات عمرها قرن من الزمن تقول : (هدية  إلى مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت من عبد الله بلخير بديوان جلالة الملك / مكة المكرمة) ولحسن الحظ، فقد تمكنت من الحصول على الأعداد وافية واغتنمت بعض الوقت لقراءة مقتطفات منها، لانشغالي بدراسات مختلفة، إلى أن استعدتها هذا العام، وتبين لي  أن ما عرفته عن هذه الجريدة أقل من القليل، وأن من أراد أن يدرس فكر العرب وخطابهم قبل الثورة وأثنائها، عليه أن يقرأ الأعداد وافية، وقبل أن نتناول المحاور التي نراها جديرة بقراء اليوم من  عرب القرن الحادي والعشرين   نتوقف عند التعريف بالجريدة تعريفا أوليا :
صدرت الجريدة في مكة المكرمة  في عددها الأول يوم الاثنين 15 شوال سنة 1334 هـ / الموافق للخامس عشر من شهر أغسطس / آب عام 1916 م، وطبعت في المطبعة الأميرية بحارة جياد، وظلت تصدر حتى  يوم الاثنين 22 صفر عام 1343 هـ / 12 سبتمبر / أيلول 1924 م، وبلغ عدد ما صدر منها (823) عددا،  بواقع أربع صفحات للعدد الواحد، وكان صدورها يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ولو حسبنا عدد الصفحات التي نتحدث عنها والتي نتصفحها الآن، لوجدناها تتجاوز ال (3295) صفحة،  وقد حمل العدد الأول منها ترويسة  تقول :
العدد الأول     - السنة الأولى   (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) 
القبلة  جريدة دينية سياسية اجتماعية تصدر مرتين في الأسبوع لخدمة الإسلام والعرب
 
 
 
 
 
 
 
 
ابواب-د.هند ابو الشعر
استاذ علم التاريخ بجامعة آل البيت
 
عندما يتاح للقارئ العربي عام 2016 م قراءة الأعداد المتتالية من جريدة « القبلة « فإنه يحس بأن كنزا من المعرفة بين يديه ، ويجد نفسه أمام عالم من التنوير والوعي الذي لا يصدق اليوم ، وعرب القرن الحادي والعشرين يتبارون في القتل والتدمير والخراب والتهجير ، فهل يمكن أن يكون المشرق العربي قبل قرن من عمر الزمن بمثل هذا التفتح والمبادرة والمقدرة على التغيير ..؟ 
هذا هو السؤال الكبير الذي يظل يكبر ويكبر كلما توغلت في عالم جريدة « القبلة « وكلما وجدت أمامي فكر النهضة العربية بأقلام العرب وغير العرب ممن تنبهوا للفكر التجديدي الذي طرحته القبلة ، وترجمت فيه فكر الحسين بن علي والذي حققه الأمراء عليّ وعبد الله وفيصل وزيد في ميادين القتال دفاعا عن فكر النهضة ، وهو عينه الفكر الذي طبقوه في تأسيسهم لمداميك الدولة العربية الحديثة التي بنوها مع أحرار العرب في دمشق ومكة وبغداد وعمان  ، كما خطط لها الحسين بن علي ، دولة الاستقلال والوحدة بين عرب المشرق  ،  ومن هنا نبدأ ، ونحن نقرأ معا بواكير التشكل للدولة الحديثة كما حققها الحسين بن علي على أرض الحجاز ، في الوقت الذي كان فيه أبناؤه عليّ وعبد الله وفيصل وزيد يقودون المعارك في الحجاز .. فكيف كان تطبيق بناء الدولة العربية الحديثة في المشرق مع انطلاق الثورة العربية على أرض الحجاز ..؟ ماذا حقق « ملك العرب « من إدارة عربية مع بدايات إعلان الثورة ..؟ وما هو الفكر الذي طرحته جريدة القبلة لتجلية الفكر الذي أطلق هذه النهضة في الحجاز ، وانطلق بها من أرض الحجاز إلى بلاد الشام ومن بعد إلى العراق ..؟ 
 
إدارة الحجاز مع انطلاق الثورة العربية الكبرى
هذا هو السؤال الذي ظلّ يلحّ علي وأنا أقرأ الأعداد المبكرة في السنة الأولى من إصدار جريدة « القبلة « ، لقد اعتدنا على تداول معلومات قليلة عن إطلاق الرصاصة الأولى ، وما كتب في الدراسات التاريخية السابقة لم يرصد هذه البدايات من المصدر – النبع ، أي لم يتم رصد خطوات البناء من خلال جريدة القبلة ، لذا حاولنا في الحلقتين الماضيتين ( 14 و 15 ) رصد تشكيل الحسين بن علي لإدارته وبناء ( الدولة العربية الحجازية ) التي كان حلم الشريف « ملك العرب « بامتدادها لتجمع عرب المشرق في حدود الاستقلال العربي ، حيثما تسيدت اللغة العربية ، وتابعنا مع الحلقتين الماضيتين تشكيل مجلس الوكلاء ومجلس الشيوخ ودائرة قاضي القضاة ، وقرأنا من خلال القبلة كيف توسعت إدارة الشريف « ملك العرب « بتعيين القضاة من أهالي الحجاز ضمن الإدارة الجديدة حيثما ثبت الأمراء سيادة الحكومة الجديدة في رابغ والطائف  وجدة وهم ما زالوا يحاصرون المدينة المنورة ، وتوقفنا عند بدايات تعريب عناصر الإدارة وربطها بوسائل الاتصال الحديثة آنذاك ( البريد والبرق والهاتف )  ، ولاحظنا عناية الشريف المبكرة بدار الكتب المكية الموقوفة والتي أغفلتها الإدارة التركية السابقة ، خاصة بعد أن فقد الشريف مكتبته الثمينة من المخطوطات في قصره بالطائف والتي أقدم الوالي العثماني غالب باشا المتحصن بالطائف على إحراقها ، فيما يشكل جريمة حقيقية ، انتقاما من حصار جيش الأمير عبد الله للطائف وحاميتها ومعه رجالات العشائر الحجازية ..هذه القراءة التي رصدنا فيها عناصر الإدارة الحجازية المبكرة مع انطلاق الثورة العربية ، نعززها في هذه الحلقة ، بقراءة ما أوردته القبلة لإجراءات الشريف ووعيه لعناصر إدارته التي أرادها إدارة تحقق دور الحجاز المعنوي ، وتركز على خدمته للحجاج ، وعلى تسخير كل ما يمكن من إمكانات مادية ومعنوية لتأكيد الأمن في الحجاز خدمة للحجاج وتأكيدا على دور الأشراف عبر التاريخ في تأكيد هذا الدور ، دعونا نبحث في العداد المبكرة عن عناصر الإدارة في وعي الحسين بن علي الذي تصدى لمحاولات الاتحاديين لطمس العروبة وإحلال الطورانية بديلا للعربية والإسلام ، فما هي الأولويات التي عالجتها إدارة الشريف في مكة بعد أن تبنى ثورة العرب ، وبعد أن تبنى أهل الحجاز تحرير أرضهم من الجيوش العثمانية، لنشر راية العرب التي نشرها الحسين حيثما انتشر فكر الثورة العربية ..؟ ما هي الأمور الأمنية التي واجهت الشريف في مكة ..؟  وكيف عالجها ..؟ ما هي أدواته ..؟ 
 
متابعة النقود وضبط قيمتها
من الأمور التي واجهت الشريف الحسين مع بدايات تصديه للنظام التركي الطوراني ، ما نتج عن دخول تركيا في أتون الحرب العالمية الأولى ، وما جرته هذه الحرب على الدولة ورعاياها من الإجهاد في ميادين الاقتصاد ، والضغط على أرزاق الأهالي ، وكانت الرشوة هي المظهر السائد في أطراف الدولة وبين مراكز الإدارة فيها ، وكان تزييف النقود معروفا بين الأهالي لمحاولة سدّ النقص في العملة المعدنية التي واجهتها الدولة لسد متطلبات الحرب ، فكانت تصادر الذهب والفضة من التجار والمسافرين بحجة منع إخراج العملة من الدولة ، ولا تعيدها لأصحابها رغم الصكوك الشكلية التي كانت تمنحها للتجار المصادرين ، وكان الحل الثاني بيد الإدارة العثمانية إصدار عملة ورقية « بنكنونت « واعتمادها في صرف رواتب الموظفين « المأمورين « والتي توازي قيمتها ثلث الرواتب الحقيقية ، مما تسبب في نقص قيمة راتب الموظفين الذين لم يجدوا حرجا في سد عجز رواتبهم باللجوء إلى الرشوة ، وكان تزوير العملة من المخارج التي وجدها البعض للخروج من هذا المأزق ، وهذا الواقع واجهه الحجاز كما واجهته باقي أجزاء الدولة التي انتحرت بإلقاء نفسها وجيشها ومقدراتها في ميادين الحرب العالمية الأولى عام 1914 م ، فكيف واجه الشريف الحسين هذه المشكلة مع بدايات الثورة ..؟
 
القيمة الرسمية للنقود الذهبية والفضية 
أوردت القبلة في العدد العاشر الصادر يوم الخميس 17 ذو القعدة عام 1334 هـ / الموافق 14 سبتمبر عام 1916 م ،على صفحتها الثانية وتحت هذا العنوان الخبر الآتي :
( صدرت إرادة جلالة سيدنا أيده الله بأن تكون قيمة النقود الذهبية والفضية في الدوائر الرسمية  كما يأتي :
- 112 قرشا الجنيه الإفرنجي .
- 100 قرشا الجنيه العثماني .
- 87 قرشا ونصف قرش البنتو.
- 17 قرشا الريال المجيدي .
وأضاف الخبر بعد تحديد القيمة بأنه وبهذه القيمة سيجري التعامل في الدوائر الرسمية أخذا وعطاء ، ويقبل القرش وأجزاؤه في إدارة البريد والبرق وغيرهما ، فيما دون ربع الريال المجيدي وفيما زاد على ذلك ، يكون التعامل بالمجيدي وأجزائه والجنيهات وأجزائها  ) .
وكانت القبلة قد أوردت في العدد التاسع  ( كما أوردنا من قبل ) يوم الاثنين 14 ذو القعدة عام 1334 هـ / الموافق 11 سبتمبر عام 1916 م  وفي صفحتها الثالثة كيفية تعامل الإدارة الحجازية من « النقود الزائفة والممحوة « حيث أشارت إلى أنه ( لا يزال منتشرا في أسواق الحجاز من أيام الحكومة البائدة كثير من النقود الفضية الزائفة والممحوة ، وأجزاء القرش المعدنية السوداء ، وقد كان الناس يتضررون منها ويترددون في قبولها على كثرتها ، وكانت الحكومة السابقة كلما اجتمع لديها شيء من ذلك في صندوق الجمرك وغيره تعطيه لموظفيها من مرتباتهم فينتشر في أيدي الناس  )  وقد أوردت القبلة كيفية معالجة الشريف لهذه المشكلة التي وجدتها إدارته في الحجاز وورثتها عن الإدارة السابقة ، تقول القبلة بأن الشريف الحسين بن علي أصدر إرادته إلى إدارة الجمارك بأنها إذا وقع لها بين النقود التي تدفع لها رسوما على البضائع شيء من هذه النقود تقبله كالمعتاد وتكسر المعدني منه فتبيعه بثمن مثله معدنا ، وتكسر الفضي منه وتسكبه فضة حتى تقل بالتدريج هذه النقود الزائفة والممحوة ، إلى أن يرتاح الناس منها ومن التردد الواقع في قبولها بالتعامل التجاري  .. ) 
 
النقود ودائرة البلدية في مكة
وحتى يتم تطبيق هذا القرار ، فقد ساهمت دار البلدية في تعزيز هذا الموقف الذي يؤكد اهتمام الإدارة الجديدة في التخلص من هذه المشكلة ، وفي العدد  11 من جريدة القبلة الصادر يوم الاثنين 21 ذي القعدة سنة 1334 هـ / الموافق ليوم 18 سبتمبر من عام 1916 م ورد في الصفحة الثانية ما نصه : ( أعلنت دائرة البلدية كافة الصيارف والتجار وأصحاب الحوانيت والباعة أنه لا يجوز لأحد أن يمتنع عن التعامل بالنقود المعروفة الآن في مكة المكرمة كالريالات المجيدية وأرباعها والقروش الفضية  وأجزائها المعدنية ، إلا إذا كان الفضي منها نحاسا أو المعدني قصديرا ، أو إذا كان ممحوا من النقش الذي عليه ، بحيث لا يظهر أبدا ، أو إذا كان مخروقا بالمثقاب ، أما النقود الظاهر نقشها والتي لم تثقب والمعلوم أنها نقود غير زائفة ، فإن الذي يوقف حركة البيع والشراء بامتناعه عن التعامل بها يعاقب بالحبس شهرا  ) وأضافت القبلة على هذا الخبر الذي نشرته دار البلدية قائلة : ( وقد تكرم جلالة ولي النعم أدامه الله ، فأمر بفرز كلّ ما في خزينة بيت المال من النقود الفضية الممحوة والمخرقة ، فجعلت كلها سبائك ، وكذلك المعدني منها فإنه كسر وأبطل تداوله وقد تم ذلك بالفعل يوم السبت الماضي) .
متابعة الشرطة لتزييف النقود : 
وتأكيدا على تطبيق إرادة الشريف ملك العرب من متابعة للعملة الزائفة ، وما قامت به دائرة البلدية بمكة من متابعة وإجراء ، أوردت القبلة دور متابعة الشرطة المكية أيضا لعملية تزييف النقود ، ففي العدد 15 الصادر يوم الاثنين 5 ذي الحجة لعام 1334 ه ـ الموافق 12 أكتوبر من عام 1916 م ، وعلى صفحتها الثانية خبرا يقول : ( تمكن حضرة الغيور رئيس الشرطة من اكتشاف مكان يشتغل فيه أحد الجاويين بتزييف النقود واستخراج آلات لها كان خبأها في مكان خفي ، وقد قبض على المزيف للتحقيق معه ، وعلقت القبلة على هذا الخبر بشكر رئيس الشرطة على هذه الهمة .
مزيفو النقود
ويبدو أن موضوع النقود الممحوة والمزيفة أشغل الرأي العام ، وهو أمر طبيعي في مثل هذا التغيير الكبير الذي شهدته الحجاز ، ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارة العثمانية مشغولة بالحرب العالمية الأولى ، همها تدبير النقود لاستمرار المشاركة في ميادين القتال ، وفي الوقت الذي كانت فيه تعطي موظفيها ( ورق البنكنوت ) رواتب منقوصة بقيمة كبيرة ، لم يكن يعنيها متابعة التزييف في العملة أو متابعة المزيفين ، لذا فقد انتشرت هذه الظاهرة وشملت أيضا الحجاز ، لذا كان من أولويات إدارة الشريف الحسين بن علي القضاء على هذه الظاهرة التي سكتت عنها الإدارة العثمانية ، وفي العدد 16 من القبلة الصادر يوم الخميس 8 ذي الحجة من عام 1334 هـ / الموافق 5 أكتوبر من عام 1916 م وعلى الصفحة الثالثة ، ذكرت القبلة ما يأتي : (أشرنا في العدد الماضي إلى الهمة التي بذلتها دائرة الشرطة في مكة المكرمة لاكتشاف مكان تزييف النقود وقبضها على المزيف وأدواته ، وقد جاءنا أول من أمس من حضرة الشيخ إبراهيم رمل رئيس الشرطة التفصيل الآتي : « في يوم الأحد ثالث ذي الحجة الجاري جاء إلى إدارة الشرطة غلام يشكو أحد الباعة بأنه أبى أن يأخذ منه ربع مجيدي بقيمته الدارجة ، فأحضرت الدائرة ذلك البائع وأمرته بقبول ربع المجيدي ، ثم جاء الغلام مرة ثانية بشكوى أخرى من هذا القبيل فأزيلت شكواه ، وفي المرة الثالثة جاء الغلام نفسه بربع مجيدي من نوع الربعين الذين جاء بهما في المرتين السابقتين ، وهو مما لا يكاد يظهر زبونه ، إلا أـن الدائرة ارتابت في أمر الغلام والأرباع التي يأتي بها ، فأخذت في التحقيق معه إلى أن اعترف بأن له عما اسمه حسن أبو زيد في خان أبي الفرج بمحلة الشامية يصنع هذه الأرباع ، فاستعانت دائرة الشرطة بثلاثة من جنود حضرة قائم مقام الإمارة الجليلة ذهبوا مع رجال الشرطة وشيخ محلة الشامية ، واستخرجوا من ذلك المكان آلات تزييف أرباع المجيدي ، وجاء إلى دائرة الشرطة بلاغ من بعض موظفيها السريين بأن أحمد يماني الصائغ المقيم بمحلة الجودرية يضرب أرباع  المجيدي ضربا متقنا ، فذهب رجال الشرطة مع جنود قائم مقامية الإمارة الجليلة وشيخ محلة الشعب إلى ذلك المكان واستخرجوا آلات التزييف وكان هناك ربع مجيدي جديد لم يتم صنعه ، أما الجاويون فكانوا يزيفون الروبيات الهندية ، وقد قبضت دائرة الشرطة عليهم وهذه أسماؤهم : حاجي نصري من بلاد نيجر وشيخه السيد علي نحاس وسليمان من بلاد نيجر وشيخه محمد ظبان ورملي من بلاد نيجر وشيخه نور عيد  ) 
وعقبت القبلة على هذا الخبر بقولها : ( وقد سرنا أن دائرة الشرطة مع مراقبتها الشديدة لكل ما هو داخل في دائرة أعمالها من السهر على الأمن والانتباه لكل من يعبث بالراحة والنظام ، فإنها تحترم الحرية الشخصية وحرية المنازل ، فلا تتعرض للذين ترتاب فيهم إلا بعد أن تجتمع لديها كل القرائن والأدلة على جرائمهم  ) .
كما تابعت القبلة نشر أخبار هذه الحالة ، فتحت عنوان ( التزييف ) وفي العدد 18 الصادر يوم الاثنين 19 ذي الحجة سنة 1334 هـ / 16 أكتوبر 1916 م  نشرت ما يأتي : ( جاءنا من غدارة الشرطة ما يأتي :  عرض على إعدارة الشرطة يوم 13 ذي الحجة الجاري ريال مجيدي مزيف ، ثم بعد قليل عرض عليها ريال آخر مزيف مثل تزييف الريال الأول تماما ، فقام رجال الشرطة في البحث عن أمثاله في الأسواق إلى أن عثروا على خمسة ريالات من ذلك النوع ، ثم واصلوا البحث عن مصدر هذه الريالات ليعرفوا مزيفيها ، حتى وصل بهم البحث إلى أن صانعها يدعى عبد الرحمن سناري يشتغل بحرفة الصياغة في محلة القشاشية ، فأبلغت إدارة الشرطة قائم مقامية  الشرافة ، وطلبت منها بعض جنودها ، وكذلك أبلغت شيخ محلة القشاشية وذهب رجال الشرطة وجنود القائم مقامية وشيخ الحارة إلى منزل المتهم فكبسوه واستخرجوا منه آلات التزييف واعترف بجنايته بملء الحقيقة ، كذلك شعرت إدارة الشرطة باشتغال « احمد جان شاه « بالتزييف في محلة السليمانية ، فكبست منزله واستخرجت منه الآلات التي ضرب النقود بها ، وعلمت هذه الإدارة باشتغال « أحمد بدر « في محلة القشاشية بتزييف النقود فقبضت عليه ، وإن كل هؤلاء المزيفين موقوفون الآن في دائرة الشرطة وآلاتهم وأدواتهم والنقود التي يزيفونها محفوظة فيها ) وختمت القبلة الخبر بتعليقها عليه قائلة : والحق يقال بأن إدارة الشرطة لا تألو جهدا في القيام بوظائفها بكل كفاءة ومهارة تستحق عليها الثناء الحسن  .
لماذا تتبعنا كل هذه الأخبار في الحجاز مع بدايات قيام الثورة العربية الكبرى وفي الوقت الذي ما زال فيه الأمراء في ميادين القتال في الحجاز ..؟ 
اعتدنا أن نقرأ عن أخبار الثورة دون أن نعرف الأحوال التي كانت تسود الحجاز تحت الإدارة العثمانية ، وإذا أردنا أن نعرف كيف أدار الشريف الحسين بن علي الحجاز أولا قبل أن يفكر بالتحرك نحو بلاد الشام لتطبيق فكر الثورة ومرتكزات الفكر التي يقوم عليها جوانب إدارته ، فإن علينا أن نقرأ الواقع الفعلي ، ونتابع كيف عالج الحسين ما وجده على الأرض من موروثات النظام العثماني الذي بقي أربعة قرون وهو يحكم بلاد العرب ، ويبدو بوضوح أنه أولى موضوع الأمن والمتابعة الحثيثة لمزيفي النقود أولوية خاصة ، ويبدو انه نجح بذلك نجاحا حقيقيا منذ البدايات ، لأننا لا نعود لقراءة مثل هذه الأخبار المتتابعة لملاحقة الفساد الذي تركته الإدارة العثمانية .
 
طوابع البريد في عهد الشريف الحسين
وفي نفس العدد السابق  18 ورد وعلى نفس الصفحة الثانية خبر صدور طوابع حجازية ، تقول القبلة : ( نشرنا في العدد الماضي ما جاء من إدارة البريد إنجاز بعض طوابع البريد الحجازية التي صنعت حديثا ، وإن الوسائل قد اتخذت لاستكمال الأنواع الأخرى بقيم مختلفة ، أما طابع القرش وطابع نصف القرش اللذين نجز صنعهما ، وشرعت إدارة البريد الحجازي باستعمالهما ، فهما من أبدع ما رأيناه من الطوابع البريدية وأدقها صنعة وأجملها خطا ونقشا مع بساطة وإتقان ، زد على ذلك أنه قد لوحظ فيها الذوق الشرقي الذي يتمثل في الذهن عندما ينظر الإنسان إلى النقوش العربية في جلد مصحف ملوكي قديم ، أو في باب مزخرف من أبواب القصور العربية الفخيمة ، وإن طابع القرش ذو لون سماوي صاف طوله 4 سنتيمترات إلا قليلا وعرضه سنتيمتران وربع ، وقد كتب على طوله من الأعلى بخط النسخ « بريد حجازي « وتحتها في الوسط بخط الثلث المصفر « مكة المكرمة «  وسط مسدس مستطيل ،وفي الخط الأسفل بخط النسخ « قرش صاغ « وفي طرف هذه الكلمة عند الزاويتين رقم ( 1 ) وفي الطرفين عرضا رقم 1334 دلالة على سنة تأسيس البريد الحجازي المستقل ، وأما طوابع النصف قرش فهو بطول طابع القرش وعرضه ، إلا أنه من لون الراية العربية ، وكتب في وسطه ضمن دائرة « مكة المكرمة « بلون أصفر وتحتها في ضمن الدائرة أيضا رقم 1334 ، وفوقها في ثلث دائرة « بريد حجازي « بخط النسخ ، وتحتها في نصف دائرة أيضا « نصف قرش « بخط النسخ  وكل ذلك وسط نقش  ) .
وبعد ، فقد حاولنا في هذه الحلقة استكمال صورة الإدارة المبكرة في الحجاز من خلال الأعداد الأولى التي صدرت من جريدة القبلة ، التي كانت تمثل ما يشبه الجريدة الرسمية ، رغم أن القبلة لم تصف نفسها بأنها « جريدة رسمية « ، إلا أن أخبار الإدارة والحياة العسكرية والرأي العام المحلي والعربي والعلمي كان حاضرا في كل عدد من أعدادها ، لقد حاولنا في هذه الحلقة توضيح الصورة الواقعية لما ورثته إدارة الشريف الحسين بن علي على أرض الحجاز من بقايا الإدارة والسياسة العثمانية ، في محاولة لرسم أسس إدارة الحسين بن علي التي رسمها مبكرا منذ إعلانه للثورة العربية الكبرى ، فكانت الإدارة مدروسة وواضحة ، تعتمد على الروح الإسلامية لإصلاح ما وجده الشريف من نتائج للساسة العثمانية ، ويبدو بوضوح أن هناك نهجا إداريا يقوم على رفض الخلل وعلى ضرورة معالجته ، وعلى إقامة نظام عربي يسير على الروح الإسلامية التي يمثلها الشريف بمركزه المعنوي الذي لا يحيد عن الحق والإصلاح .
ننتقل في الحلقة القادمة إلى محور آخر بعد أن قربنا للقارئ الواقع الذي عاشه الحجاز قبل الثورة ، وما حققته الإدارة الهاشمية بعد إعلانها للثورة باسم العرب والإسلام .. فإلى اللقاء في الحلقة القادمة من مراجعتنا لأعداد القبلة التي وثقت لنهضة العرب ولدور الحسين بن علي وأبنائه في استقلال العرب ، والتأسيس للدولة العربية الحديثة .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات