عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2018

الجزائر: كتاب وفنانون يَجرُّون عربة الانتخابات

 القدس العربي-سعيد خطيبي

أقل من عام يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية في الجزائر، ومعركة الولاءات والحسابات والاصطفافات بدأت من الآن. لن نخوض في الشق السياسي من الانتخابات المقبلة، ولا في الخطابات المبتذلة التي تصاعدت من أيام، بدعوة الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة للترشح إلى عهدة خامسة، ولا في ظهور مرشحين في ثوب أرانب، لا يملكون قاعدة شعبية، ويحلمون بالوصول إلى قصر المرادية، بل يهمنا التوقف عند الشق الثقافي من الموضوع، وبدأ توظيف فنانين وكتاب، بشكل مباشر أو غير مباشر، في جر عربة الانتخابات، التي من المؤكد أن نتائجها، مهما كانت، لن تحمل جديداً، مقارنة بما تعرفه البلاد منذ عقدين ماضيين. 
تجنيد فنانين وكتاب لإقناع الناس بالمشاركة في الانتخابات، وتغليب كفة مرشح ما على الآخر، هي ممارسة جديدة في الجزائر، ظهرت مع سنوات بوتفليقة ووزراء ثقافته المتعاقبين، وكان الديوان الوطني للثقافة والإعلام، يقوم بهذه المهمة، فهو المؤسسة المتحكمة في أكبر المهرجانات في البلد (تيمقاد، جميلة، الكازيف)، واستطاع ديوان الثقـــافة والإعلام أن يحول المهرجانات من غرضها الفني، الذي أنشئت لأجله، إلى التوظيف السياسي الناعم، حيث يجد الفنانون حرجاً من رفض دعوته لهم للغناء، في القوافل الانتخابية، خشية أن يجدوا أسماءهم قد شطبت من حفلات الصيف، وبالتالي يقطعون عنهم أرزاقهم. 
لكن ديوان الثقافة والإعلام تراجع في السنوات الأخيرة، لم يعد بالحضور نفسه كما كان، وراحت السلطة تجول بنظرها في اتجاهات أخرى، تعتمد على وسائط جديدة، لدفع الفنانين لخدمة أغراضها الانتخابية من بين الوسائط النشيطة، التي تعتمد عليها، سنجد القنوات الفضائية الخاصة، التي لعبت دوراً مهماً في التعبئة الشعبية وفي ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة عام 2014، ثم فوزه بها. 
قبل حوالي الشهر، عاد مغني الراي الشاب نصرو (1969) من منفاه الاختياري في أمريكا، ووجد على غير المتوقع، كل وسائل الإعلام المقربة من الحكم، بما في ذلك التلفزيون العمومي في انتظاره للاحتفاء بعودته. لقد قضى نصرو (أو نصر الدين سْويدي، اسمه الحقيقي) عشرين عاماً غائباً أو مُغيباً عن بلده، واعتقد أنه لن يعود إلى الجزائر مجدداً. سافر إلى بوسطن بغرض الاستقرار فيها، ولاحقته لعنة عدم تسوية وضعيته القانونية. عانى كثيراً وفشل في إيجاد مكانة له هناك، مع ذلك بقي محافظاً على سمعته وشعبيته في بلده الأصلي، فهو واحد من مُجايلي الشاب حسني، ومن رموز الأغنية العاطفية في البلد. قبل ثماني سنوات، تحدث نصرو، في حوار صحافي، عن رغبته في العودة إلى الجزائر، لكن الأمور زادت تعقيداً ولم يتمكن من تحقيق رغبته، والآن، في وقت قياسي ـ المغني نفسه لم يكن يتوقعه ـ حلت كل مشاكله دفعة واحدة، وعاد إلى الجزائر كبطل منتظر أو كمسيح مخلص، فتحت له أبواب الإعلام الثقيل، وقع عقد رعاية فنية، ويجري التحضير لحفل كبير، سيكون نجمه الوحيد، في القاعة البيضاوية، واحدة من أكبر قاعات العروض في الجزائر. تسارع الأحداث وتطورات وضعية نصرو، بشكل سينمائي، يطرح علامة استفهام كبرى. هل يقومون بتحضيره وإعادة بعثه، لجر عربة الانتخابات المقبلة؟ ويخلف بذلك الشاب خالد، الذي قاد حملة العهدة الرابعة لبوتفليقة. فاسم الشاب خالد لم يعد مقنعاً في الجزائر، لقد استهلك، ثم اهتزت شهرته في الأوساط الرسمية، بعد حصوله على الجنسية المغربية، بمرسوم ملكي. الشاب نصرو فهم ما أُوكل إليه، التقط الإشارات بسرعة، فعندما سُئل، من أسبوع، عن الشاب خالد في برنامج تلفزيوني رد بجملة صارمة: «لا علاقة لي به». مع أنهما كانا صديقين يسجلان أغانيهما في الأستديو نفسه في وهران، نهاية الثمانينيات. 
عودة نصرو إلى الجزائر، لم تكن فقط تسوية لوضعية غير قانونية، دامت عقدين، بل رفعته، بطريقة مثيرة، إلى الواجهة، ويجد نفسه ـ حالياً ـ نجم الراي الوحيد في البلد، المقبول من طرف الشباب والمرضي عنه من طرف السلطة. وستجيبنا الأسابيع المقبلة عن الدور الذي سيوكل إليه في تنشيط انتخابات العام المقبل. 
إلى جانب نصرو سنجد مغنيا آخر لا يقل أهمية عنه، هو إيدير (1949) الذي امتنع، في الأربعين سنة الماضية عن الغناء في الجزائر، مشترطاً ترسيم اللغة الأمازيغية للعودة. لكنه عاد هذا العام، أحيا حفلتين، مع أن الأمازيغية، بقيت لغة مُدسترة لا أكثر محدودة الانتشار، كما كانت عليه في السابق. عودة إيدير لم تكن عودة فنية فقط، بل سياسية أيضاً، وسيكون، ربما، من الأسماء التي ستُراهن عليها السلطة، في كسب معركة صناديق الانتخاب. 
الشاب نصرو وإيدير ستركز عليهما الأنظار، ولا يستبعد أن تلتحق بهما أسماء أخرى كثيرة، من فنانين محليين، كما حصل قبل أربع سنوات، حين اجتمعوا في فيديو كليب، بعنوان «عاهدنا الجزائر»، بقيادة الشاب خالد. هذا على الصعيد الفني، ولا يختلف الأمر كثيراً على الصعيد الأدبي، حيث بدأت آلة الانتخابات الرئاسية تشتغل بوتيرة متسارعة، في الأسابيع الماضية، إذ يبدو أن الخلاف بين وزير الثقافة الحالي عزالدين ميهوبي واتحاد الكتاب الجزائريين، قد تعمق، ما أدى إلى تقزيم دور هذا التنظيم، وبات التركيز موجهاً لجمعيات ثقافية، بعض منها وُلد حديثاً واستفاد ـ بشكل غير منطقي ـ من دعم رسمي وفتحت لهم الأبواب، لإقامة نشاطات، ليس في مكان واحد، بل في مختلف مدن الجزائر، ما يوحي بأن استبعاد اتحاد الكتاب الجزائريين سيترتب عنه تحريك تلك الجمعيات الثقافية الجديدة، لتقوم بالمهمة السياسية، وملء الوعاء الانتخابي. وكما كان متوقعاً، بدأت تظهر مواقع إلكترونية، ذات طابع إخباري، في ظاهرها، تماماً كما حصل عام 2014، لتتحول، مع اقتراب الانتخابات، لخدمة مرشح السلطة، والترويج له. 
في سابقة هي الأولى من نوعها، تم، قبل أسابيع، وقف تصوير مسلسلين، كانت واحدة من القنوات الخاصة بصدد تحضيرهــــما لشهر رمضان. 
وهما مسلسل «الرايس قورصـــو«، الذي كان من المفترض أن يلعب فيه دور البطولة صالح أوقروت، الذي سبب العام الماضي بعض الحرج للسلطة، في سلسلته الفكاهية «عاشور العاشر»، التي لم تخل من التلميحات ومن السخرية السياسية. ومسلسل «تلك الأيام»، الذي كان يشرف عليه فريق تقني تركي، ويدور حول سنوات الإرهاب في الجزائر في التسعينيات، مع ما تحمله تلك المرحلة من قضايا ما تزال عالقة لحد الساعة. 
القناة التلفزيونية، التي صرفت أموالاً طائلة على تصوير هذين المسلسلين، أعلنت في البدء عنهما، وشرعت في الترويج لهما، باعتبارهما يضمان خيرة الممثلين في البلد، ثم فجأة أعلنت عن وقف تصويرهما، بدون تقديم شروحات كافية، مكتفية بالإشار إلى «أسباب مادية».
مع أن الموضوع واضح، للعيان، والوقت الحالي غير مناسب لمزيد من «النقد السياسي»، ومن المتوقع أن يتم الإفراج عنهما العام المقبل، بعد أن تنتهي العملية الانتخابية، وينتهي فنانون ومثقفون من أداء دورهم في تعبئة الجماهير، وفي كسب منتخبين، فأكثر شيء يؤرق السلطة في الجزائر هو «معركة» نسبة المشاركة، لا شيء آخر.
 
٭ كاتب من الجزائر
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات