عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Feb-2017

مصير العولمة في طورها الراهن* وليد محمود عبدالناصر

الحياة-مصير العولمة في طورها الراهن كان في مقدم الموضوعات التي تناولتها الدورة الأخيرة لمنتدى دافوس، في ضوء معطيات مهمة. وحرصي على ربط العولمة بطورها الراهن هو أمر له دلالته على صعيد المفاهيم، لأنه يعيد تأكيد أن العولمة ليست وليدة هذا القرن أو الذي سبقه، بل هي نتاج طبيعي لتفاعلات تولَّدت وتطورت منذ فجر التاريخ الإنساني المعروف، خصوصاً مع تأسيس الإمبراطوريات العابرة للحدود. والطور الراهن للعولمة هو وليد تأثير تداعيات تسارع غير مسبوق للثورة العلمية والتكنولوجية، خصوصاً في مجالات المعلومات والاتصالات، وما أفرزته تلك الثورة من منتجات وما تضيفه يومياً من معطيات تنعكس على مختلف مناحي الحياة. وهنا نؤكد ضرورة إسقاط أي افتراضات توجب إصدار أحكام أو التوصل إلى استنتاجات أو الانتقال إلى تعميمات أو إسقاط منظومات قيمية لها تحيزاتها الأيديولوجية المعدة سلفاً، في شأن ما إذا كان الطور الحالي من العولمة قد غلب عليه طابع إيجابي أو سلبي، سواء في ما يتعلق بالنتائج التي قاد إليها حتى الآن أو في ما يتصل بمردود تلك النتائج. أي أنه يتعين ترك الحكم في هذا الصدد ليكون مرتكزاً إلى تحليل موضوعي متوازن للأحداث وتطوراتها والسياسات وتحولاتها والتفاعلات في ما بينها، وعلى تقييم يستند إلى وقائع. وصاحَبت المناقشات التي دارت، ولا تزال تدور حول العولمة في طورها الراهن ومآلها والتحديات التي تواجهها، تطورات مهمة، خصوصاً في الآونة الأخيرة، منها مثلاً تصويت غالبية البريطانيين لمصلحة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. ومنها فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، وما أدلى به من تصريحات توحي بعداء للكثير من أوجه العولمة، خصوصاً في ضوء انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية على الداخل الأميركي، وتصاعد قوة اليمين، المتشدد أو الشعبوي في دول أوروبية عدة، ما يرجح سيطرته على المشهد السياسي بدايةً من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة هذا الربيع. وعكست تلك التحولات مخاوف متزايدة لدى قطاعات لها وزنها من شعوب البلدان المتقدمة، من أن استمرار العولمة بوضعها الراهن يأتي على حساب أوضاع اقتصادية واجتماعية لتلك القطاعات، على رغم ما يؤدي إليه من أرباح لقطاعات أخرى داخل المجتمعات نفسها. وقد كشفت السجالات والحوارات التي جرت أخيراً، سواء تلك التي دارت في سياق فعاليات الدورة الأخيرة من منتدى دافوس أو خارجها، عن حقائق مهمة في شأن بعض النتائج التي أفضت إليها العولمة، سواء كانت مقصودة أصلاً أم لا. ومنها أن العولمة الراهنة أدت إلى إفقار الطبقات الدنيا والمتوسطة على صعيد عالمي في شكل أكثر مما كان عليه الحال من قبل، بينما أدت إلى إثراء الطبقات العليا في شكل مضطرد وبمعدلات متضاعفة، وما أدت إليه تلك النتيجة بدورها من تأثير سلبي على معايير العدالة والإنصاف والتوازن الاجتماعي والسلم الأهلي وأهداف مكافحة الفقر وتقريب الفوارق الاجتماعية. ومنها أيضاً أنها أدت إلى تعاظم مشكلة البطالة على الصعيد العالمي إلى مستويات غير مسبوقة بحيث بدت هذه المشكلة في العديد من المجتمعات الإنسانية تحدياً يستعصي إيجاد سبل لمعالجته. ومن هذه النتائج اندلاع الأزمة المالية العالمية في خريف 2008 وتحولها إلى أزمة اقتصادية أشمل، والعجز حتى الآن عن تجاوز إفرازاتها السلبية على مختلف فئات ومجموعات الدول والمجتمعات المشاركة في النظام الاقتصادي العالمي، الذي ارتبط عضوياً بالعولمة. إلا أن إخفاقات العولمة في طورها الراهن لا تقف عند هذا الحد، فقد عجزت عن تقديم الحلول الناجعة للكثير من التحديات التي تواجه الإنسانية، خصوصاً في الفترة الأخيرة. وهي تحديات لا تقف عند حدود الدول بل هي بالتأكيد عابرة للحدود ولا تفرق في العديد من الأحيان بين دول غنية أو فقيرة، كبيرة أو صغيرة. ونذكر هنا على سبيل المثال تضاعف عوامل تغير المناخ وتداعياته، واتساع أخطار انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتزايد الصراعات الداخلية وتلك التي بالوكالة وعدد ضحاياها، وما نتج منها من تضاعف معضلات ومآسي قضايا النزوح واللجوء والهجرة بأشكالها المختلفة، وانتشار التطرف والتشدد والتعصب، سواء القومي أو الديني أو العرقي أو الطائفي أو القبلي أو غير ذلك من أشكال، وما أفضى إليه ذلك في الكثير من الحالات من تعاظم دوائر العنف والإرهاب، أياً كانت دوافعها أو مبرراتها. وهنا لا ينبغي التقليل من تحديات انتشار الفقر وتسارع وتيرة ظهور أمراض وأوبئة، بعضها جديد وتوجد شكوك في شأن كونه ناتجاً من بعض جوانب العولمة، وكذلك اضمحلال العديد من القيم الثقافية والاجتماعية الإيجابية تحت وطأة بعض منتجات العولمة، بخاصة مكوناتها المنبثقة من الثورة العلمية والتكنولوجية في جيلها الأحدث. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما هو البديل عن العولمة في طورها الراهن؟ هو لا يكمن في التحول إلى النقيض، أي غلق الأبواب عن العالم من حول كل دولة أو مجتمع والانكفاء على الذات وفك الارتباط بما يجري حوله من تحولات وتطورات وما يشهده من تفاعلات وما يواجهه من تحديات وآفاق وفرص. وهناك أسباب لهذه الإجابة، أولها أن تجارب الماضي في التاريخ الإنساني القريب والبعيد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الانغلاق قد يستمر بعض الوقت ولكنه من المستحيل، طبقاً لمنطق التاريخ ومعطيات الواقع، أن يستمر طويلاً، كما أن خبرات وتجارب الماضي تظهر أن هذا الانغلاق، كلما حدث، أفضى إلى نتائج كارثية، لا تقتصر في كثير من الأحيان على الدولة التي مارسته وشعبها وإنما تمتد لتشمل وتؤثر في دول ومناطق أخرى من العالم، بل في بعض الأحيان تؤثر سلباً في العالم بأسره. أما السبب الثاني للإجابة بالنفي على كون خيار الانغلاق خياراً حقيقياً وفعالاً فهو أن جميع التحديات التي تواجه العالم اليوم لا يمكن لدولة واحدة، أياً كانت درجة قوتها وتفوقها، أو حتى لمجموعة محدودة من الدول، أن تواجهها بمفردها وبمعزل عن تضامن وتعاون إنساني عريض. وينبغي أن نذكر هنا أن الأطراف الأكثر تضرراً من غياب هذا التضامن الإنساني وما يقدمه من استراتيجيات عمل جماعي هي الدول الأقل قوة وقدرة على التأثير في النظام الدولي، إلا أن الضرر يشمل الجميع بلا شك، وإن بدرجات متفاوتة.
 
وبناءً على ما تقدم، فإن البديل عن العولمة في طورها الراهن يكمن في القيام بمراجعة شاملة ومكتملة الأبعاد من جانب الأطراف المعنية في المجتمع الدولي، بل وداخل كل مجتمع، بغرض بلورة ثم إطلاق بواكير مشروع عولمة جديدة، أو في طور جديد، تتعلم من دروس الماضي وتستوعبها، وتقوم على أسس جديدة تحرص على مراعاة اعتبارات العدل والإنصاف والتوازن، وتجسد روح الإقرار بالتعدد والتنوع واحترامه كعامل إثراء وكقيمة مضافة. وتنبغي كذلك مراعاة العوامل الكيفية بدرجة الاهتمام نفسها بالعوامل الكمية، والالتزام بقيمة التكامل والتوازن بين عناصر البيئة والبشر معاً، والأخذ في الاعتبار الاحتياجات البشرية المادية والروحية والمعنوية والثقافية على المستويين الفردي والجماعي، وتقوم على أسس المشاركة المتكافئة بين الجميع وتوظيف كل الطاقات الإنسانية في طريق البناء والإعمار والتعاون والسلام والأمن القائم على قيم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة بجميع أبعادها والتسامح. ويجب أن يقر كل طرف بأنه يحمل جزءاً من الحقيقة وأن لدى الأطراف الأخرى أيضاً أجزاءً أخرى من تلك الحقيقة، وذلك كله في سياق نبذ خيارات الكراهية والعدوان والتحريض على الآخر أو الاعتداء على حقوقه أو التقليل من شأنه.
 
قد يكون هذا البديل في رأي البعض مثالياً ومستحيل التحقيق على الأرض، ولكن المعيار للحكم على ما يتحقق على هذا الدرب ليس بالضرورة عبر التماثل مع البديل المطروح ولكن بقدر السعي لمحاولة الاقتراب منه.
 
 
 
 
 
* كاتب مصري

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات