عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jun-2017

ستارة غير مرئية تنسدل بين روسيا والغرب

الغد-جون ساثر* - (ستراتفور) 26/5/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
انتهت الحرب الباردة قبل أكثر من 25 عاماً، لكن طيف الاتحاد السوفياتي الجاثم ما يزال يلازم العالم الغربي. ومنذ انتخاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آذار (مارس) من العام 2000، ثمة صراع جديد ما يزال يتخمر -هذه المرة في الفضاء السيبراني. وفي ميدان معركة تحتكره الولايات المتحدة وروسيا، ربما لا تكون التهديدات التاريخية بحرب نووية، والطموحات إلى الهيمنة العالمية، والتطلعات إلى احتواء العدو، ربما لا تكون بقايا الماضي التي نتخيل أنها كذلك.
السلاح التالي للدمار الشامل
ما تزال الحرب النووية تشكل تهديداً حقيقياً جداً وضاغطاً. لكن التهديد السيبراني الذي يتصاعد باطراد حاسم بالمقدار نفسه، بل وأصعب على التصدي له. وبعد أن استقرت فوق التوترات التي برزت خلال الحرب الباردة، أضافت الحرب السيبرانية أبعاداً جديدة إلى التهديدات ذات الأساس السياسي، وقابلية توسيع التكتيكات، وإمكانية إنكار العمل واستراتيجيات الاحتواء -وكلها أمور أصبحت ممكنة وقابلة للتنفيذ عن بعد بسلاح جديد: الحاسوب. وكما وصفها السيد واباش بشكل مناسب جداً في كتابه "ثلاثة أيام من الكوندور"، فإن من الصعب عدم "تفويت ذلك النوع من الوضوح" الذي وفرته الحرب الباردة القديمة.
بطبيعة الحال، ما تزال صورة ونستون تشرتشل المسهبة عن "ستار حديدي" ينسدل حول التكتل السوفياتي ملتصقة بنا حتى هذا اليوم. ولكن، بدلاً من ستارة حمراء داكنة وأنيقة تفصل الشرق عن الغرب، أصبح لدينا الآن صيغة رقمية، واقع افتراضي من فقدان الوجهة على المسرح الدولي. ووراء هذه الستارة غير المرئية، ثمة أعداء واضحون، على الأقل من منظور الولايات المتحدة: روسيا والصين وإيران. لكن خطوط اللوم أصبحت ضبابية بدخول لاعبين من الدول وغير الدول إليها، وجماعات مارقة ووكيلة، ومجرمين وناشطين -وكل من هؤلاء مسلح بطائفة من الأدوات الرقمية المفصلة بحيث توافق طموحاته. ولم تكن الحواجز أمام الدخول في صراع عالمي متبرعم بها القدر من الانخفاض أبداً. فكل تحتاجه هو عقل، وحافز، وجهاز حاسوب.
هذه هي الصورة التي تبدو عليها الحرب السيبرانية الجديدة، حقبة تصبح فيها الأفكار هي الواقع. وإذا كانت القرصنة الروسية للجنة القومية الديمقراطية في العام الماضي تلمح إلى شيء، فسوف تكون أقوى الأدوات في متناول كل أمة هي التشويش، والإنكار، والتضليل.
تأجيج اللهب من الداخل
تقع هذه الأدوات في عالم "عمليات المعلومات السرية"، وهو بناء إدراكي حسي سيقوم بتحديد الكيفية التي تتجلى بها الحرب الباردة السيبرانية. وكحقل يعج بتاريخ غني من القصص التاريخية والأساطير، تدخل تكتيكات عمليات المعلومات السرية إلى داخل المشاعر الشعبية الموجودة لتزويد لوكالات الاستخبارات العالمية بطائفة من الطرق والوسائل، التسلل، وإمكانية أن لا تكون مرئياً، وأثر قابل للقياس (وإن تأخر غالباً). وعلى سبيل المثال، في الحرب العالمية الثانية أخفى البريطانيون ونفذوا عملية "مينسميت" التي قصّرت أمد الحرب بشكل كبير، من خلال استخدام التضليل لإخفاء طرق الهجوم المخطط للحلفاء عبر البحر الأبيض المتوسط عن النازيين. ثم، خلال الحرب الباردة، ساعدت وكالة المخابرات الأميركية (سي. آي. إيه) على تشجيع الاستهلاك الجماهيري لرواية بوريس باسترناك "دكتور زيفاغو" في داخل الاتحاد السوفياتي، مما حفز بطريقة ماهرة حركات المعارضة للحكومة مع مرور الوقت.
من الممكن أن تكون آثار عمليات العمل السري صعبة على القياس، لكنها على الرغم من ذلك تبقى واضحة غالباً. ويكون الشيء نفسه صحيحاً إذا جرت هذه العمليات في الفضاء السيبراني كنظرة سطحية خاطفة، كما يظهر تدخل روسيا الأخير في الانتخابات الغربية. وفي الأعوام المقبلة، سوف تصبح الأدوات السيبرانية بمثابة "الإجراءات النشيطة" الجديدة -المصطلح السوفياتي لأعمال الحرب السياسية التي ترمي إلى قولبة التطورات العالمية- حيث يستخدمها مرتكبوها للاختفاء في رابعة النهار، وخلق خدعة، والحفاظ على قابلية إنكار حميدة، ونقل اللوم إلى أكباش فداء مناسبين.
ربما لم يثبت أي أحد أنه أكثر مهارة في هذا الحقل خلال الأعوام القليلة الماضية من الروس. فعلى أمل تحقيق هيمنة سياسية وإقليمية، وتنفيذ تفكيك أوروبا وتقويض صورة الولايات المتحدة في أنحاء العالم، شرعت الأجهزة المخابراتية للكرملين في الجمع بمهارة بين العمل العسكري السري وبين هجمات عمليات المعلومات السرية السيبرانية على مستوى كبير- وإلى أبعاد كبيرة. ففي سورية، استهدفت روسيا الثوار الذين يحاولون الإطاحة بالرئيس بشار الأسد بالضربات الجوية وبحملات التضليل على حد سواء. وفي مكان أقرب إلى الوطن، جرى تمهيد ميدان المعركة في القرم وأوكرانيا بهجمات من قبيل عمليات المعلومات السرية قبل بدء الغزو على الأرض. بل إن بوتين ترك الباب مفتوحاً بشكل أكثر علنية أمام القيام بعمل عسكري مفتوح، مدعيا بأنه سيستخدم فقط كـ"ملاذ أخير". فهناك أولاً القوة الناعمة؛ وثانياً القوة الصلبة؛ وثالثاً الاحتلال- ببساطة واحد، اثنان، ثلاثة. (ولإضافة الملح على الجرح، تم ترشيح بوتين لنيل جائزة نوبل للسلام غداة يوم تحريك قواته إلى داخل القرم).
في العام الماضي، استغلت موسكو ظروفاً مماثلة في أميركا لصنع طرق داخلية في السياسة الأميركية. فقد عمد الكرملين، المدرك لتصاعد السخط الشعبي الناشئ من الساسة في واشنطن، إلى عمليات القرصنة على اللجنة القومية الديمقراطية، وسرب معلومات بطريقة مصممة لإرباك وتسميم الجو الانتخابي. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، فقد استخدم وكلاء للقيام بعمله القذر، ناثراً بذور الشكوك وداقاً إسفيناً بين اليمين واليسار بطريقة أكثر عمقاً. وكل ما ترتب على بوتين فعله كان وضع العربة قيد التحرك ومراقبة زخم الدراما الناشئة وهو يقودها إلى الأمام، ناشراً الفوضى والاضطراب على طول الطريق.
حرب بأي اسم آخر
وهكذا، هل انتهت الحرب الباردة فعلاً، أم أن خط الجبهة تحرك ببساطة من المشهد الفسيولوجي المفتوح إلى واحد افتراضي خفي؟ بعد كل شيء، لا تحدث عمليات المعلومات السرية وفق نزوة. إنها تستخدم بقصد، وهو ما تتوافر عليه روسيا بالتأكيد عندما يتعلق الأمر بتقسيم أعدائها وإضعافهم. هذا القدر على الأقل لم يتغير، حتى وإن كانت التكتيكات التي تستخدمها لإنجاز ذلك الهدف قد تغيرت.
غير اعتماد روسيا المكتشف حديثاً على الأعمال الحربية السيبرانية وجه الجيوسياسات، جاعلاً العالم الذي نعرفه ينكمش إلى مجموعة من الأصفار والآحاد التي لا تعرف أياً من القيود التي تفرضها المسافة أو الأرض. وفي الأثناء، لا يخفي الخصوم أيديهم بغطاء الظلام، وإنما بالتخفي في رابعة النهار. ومسلحين ببرامج الإكترونية لا يمكن تعقبها إلى مصدرها، يستخدم هؤلاء الخصوم عبقرية التضليل وإعطاء المعلومات المغلوطة في استهداف الأنظمة المتروكة من دون حماية، فيخلقون التصورات التي يرغبونها، وقابلية الإنكار التي يحتاجونها لتحقيق غاياتهم، على حد سواء.
لا غرابة والحالة هذه أن نجد القادة والمؤسسات الغربية منذهلين من هذه الحرب الباردة السيبرانية الجديدة. وبدلاً من معالجتها على الفور، اختار العديدون طريقة قتل الشقيق بالإشارة بأصابع الاتهام إلى أي أحد إلا الجاني الحقيقي. كل هذا بينما كان رؤساء المخابرات الأميركية يحثون الرئيس دونالد ترامب على اتخاذ إجراء ضد النشاط السيبراني الذي تشرف عليه الدولة، والذي ينبثق من روسيا. وثمة مكان سهل للبدء، وهو الشروع بتسمية الأمور بصراحة بما هي عليه.
ربما حان الوقت لأن تعترف القوى الكبرى في العالم بأن الحرب الباردة أبعد ما تكون عن الانتهاء. وبأن الأحداث التي تتكشف أمامنا هي واقع افتراضي خلقه التضليل والمعلومات الزائفة والاستغلال، مدفوعاً بدوافع لم نعرها الانتباه المناسب. وقد قوضت عمليات بوتين السيبرانية مؤسسات أميركا، لكنها لم تضعف عزيمتها. فنظام الحكم الأميركي مرن ومعزز بديمقراطية قوية وبحكم القانون. لكن روسيا في المقابل تبقى أكثر هشاشة، وهي حقيقة يعرفها بوتين حق المعرفة.
مظهر بوتين الزائف
لا شك أن مشهد روسيا هائل ومليء بالألوان، وشعبها مكرس لثقافة من الفنون والعلوم والموسيقى. لكن صادرات الطاقة والأسلحة لم تعد كافية لاستدامة اقتصاد البلد الضعيف. وفي قمة هذا البيت المتعب من الورق، يجلس بوتين الذي يأمل بأن يشتري له التضليل الوقت من شعبه. ولكن، ماذا سيحدث عندما يتعب الروس من لازمة بوتين بأن العالم بقيادة الولايات المتحدة يستعد للانقضاض عليهم؟ لقد استخدم معلم التكتيك الأكبر مغامرات موسكو في أوكرانيا وسورية لتشتيت انتباه شعبه عن المشاكل التي يواجهها في الوطن. ولكن، إلى أي مدى تستطيع هذه الإستراتيجية أن تدوم.
إن بوتين يعيش في بيت زجاجي في مركز قرية دعائية عصرية. ولدى روسيا اليوم ذلك السطح الممتلئ والشعور الأجوف اللذين سادا أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات -وهي حقبة من المؤكد أن شعبه لا يريد العودة إليها لأنهم لم ينسوا كيف انتهت.
 
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: An Invisible Curtain Falls Between Russia and the West.
*عمل كبيراً لضباط استخبارات مركز "ستراتفور" في العامين 2015 و2016. أسهم بشكل كبير في تطور المركز وعملياته.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات