عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Sep-2017

‘‘دقيقة من وقتك يمكن أن تغير حياة‘‘... دعوة للحد من حالات الانتحار

 

تغريد السعايدة
عمان-الغد-  أحيت منظمة الصحة العالمية، أول من أمس، الذكرى الخامسة عشرة لليوم العالمي لمنع الانتحار، وسط دعوات دولية من منظمات في مختلف دول العالم، إلى الحد من الأسباب المؤدية إلى الانتحار بين فئة كبيرة من الناس على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم ومستوى المعيشة لديهم.
وأظهرت المنظمة في بيانها عن "ظاهرة الانتحار" مجموعة من البيانات والإحصائيات التي تُظهر مدى خطورة تنامي هذه الظاهرة؛ حيث رصدت وفق دراساتها حول العالم أنه "في كل عام يضع ما يقارب 800000 شخص نهاية لحياتهم، هذا فضلا عن الكثيرين ممن يحاولون الانتحار، مشيرةً إلى أن حدوث حالات الانتحار في الأسر له تأثيراته السلبية على الأسرة نفسها والمجتمع المحيط والدولة بأكملها، خاصة وأن نسبة كبيرة من ضحايا الانتحار من فئة الشباب في متوسط عمرهم البالغ بين 15 و29 عاماً على الصعيد العالمي في العام 2015، في حين تُظهر الأرقام وجود حالة انتحار في العالم كل 40 ثانية.
وعلى الصعيد المحلي، وعلى مدار الأعوام المتعاقبة، يصدم المجتمع بخبر عن حالة انتحار أو محاولة انتحار، في حالة أشبه ما تكون يومية، والتي غالباً يكون أصحابها من فئة الشباب.
وفي تقرير للمركز الوطني لحقوق الإنسان، تم نشره في سابقاً، فإن "غالبية المنتحرين الأردنيين من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين (18-30 سنة)؛ إذ بلغت (41) حالة مقارنة بـ(28) حالة للفئات العمرية (28-37)، في حين أن الفئات العمرية أقل من (18 سنة) بلغت (10) حالات انتحار، وقد بلغت حالات التلويح بالانتحار ومحاولات الانتحار الفاشلة في العام 2013 (504) حالات، يرتكز ثلثها في العاصمة عمان، ومن ثم إربد والبلقاء والزرقاء".
وفي تقرير نُشر في الصحف المحلية في الثلث الأول من العام الحالي، وفق التقرير الإحصائي السنوي للعام 2015 الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية في الأردن، فإن هناك "ارتفاعا مستمرا في حالات الانتحار بالمملكة منذ العام 2011 حتى العام 2015؛ حيث وقعت 446 حالة، وكان عدد حالات الانتحار للعام 2011؛ 39 حالة، ثم بدأت بالارتفاع، و86 شخصا العام 2012، و108 العام 2013، ثم انخفض العدد إلى 100 العام 2014، ليعاود الارتفاع العام 2015 إذ بلغ 113 حالة، فيما سجل العام الماضي العدد الأعلى بـ117 حالة".
ووضعت منظمة الصحة العالمية شعاراً خاصاً لهذا العام لمكافحة الانتحار تحت عنوان "دقيقة من وقتك يمكن أن تغير حياة"، والتي تدعو فيها إلى "توحيد الجهود في الالتزام والعمل بغية ضمان منع عمليات الانتحار، وتوفير العلاج المناسب لأولئك الذين يعانون من أمراض نفسية تدفعهم للانتحار، وإتاحة خدمات الرعاية المجتمعية وخدمات المتابعة الوثيقة لأولئك الذين يحاولون الانتحار، وتقييد إمكانية الحصول على وسائل الانتحار التقليدية".
وتشير التقارير كذلك إلى أن أكثر الأشخاص المعرضين لخطر الانتحار هم الذين يعانون من الاضطرابات النفسية، وبخاصة الاكتئاب والاضطرابات الناجمة عن تعاطي الكحول.
إلا أن هناك العديد من حالات الانتحار التي تحدث فجأة في لحظات الأزمة نتيجة انهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، مثل المشاكل المالية، أو انهيار علاقة ما أو غيرها من الآلام والأمراض المزمنة، بالإضافة إلى وجود علاقة ما بين الانتحار والنزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو الفقدان والشعور بالعزلة بقوة بالسلوك الانتحاري، عدا عن ارتفاع حالات الانتحار بين "الفئات المستضعفة التي تعاني من التمييز".
فيما تظهر الأرقام، في التقرير ذاته في الأردن، أن "7 % فقط من المنتحرين من دون عمل"، وتعد هذه الأرقام الحالات المبلغ عنها فقط؛ وهناك من حالات الانتحار ومحاولات الانتحار التي لا يتم التبليغ عنها، لأن الانتحار يعد وصمة عار من الناحية الاجتماعية، كما أنه محرم شرعاً، لذا يلجأ الكثيرون إلى التستر على تلك المحاولات خوفاً من العار وتجنباً للمساءلة القانونية.
وفي ذلك، يؤكد أخصائي علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتور سري ناصر، أن الانتحار في مجتمعنا مرفوض شرعاً واجتماعياً، وهو بالفعل يصبح "وصمة عار" على العائلة بسبب النظرة المجتمعية للمنتحر وعائلته.
ويوضح أن حدوث أي حالة انتحار أمام الناس وعلى علم الجميع، خلفها قصة عائلية تُظهر أن هناك خللاً في الأسرة وفشل ذريع في احتواء هذا لشخص، عدا عن أن الأفراد قد يحللون ويطلقون الإشاعات التي تتناول العائلة بأكملها وليس فقط الشخص المنتحر، لذلك تعتبره العائلة وصمة عار كبيرة تمتد لأجيال، وهنا نجد أن الكثير من حالات الانتحار قد لا يتم التبليغ عنها، ويذهب الشخص تحت مسمى "حادث مؤسف" للخروج من مأزق "الوصمة".
وشرعاً، فجميع الشرائع السماوية تحرم الانتحار، وفي الشريعة الإسلامية هناك فتاوى خاصة مدعمة بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية تم رفدها للفتاوى الصادرة عن دائرة الإفتاء الأردنية؛ إذ أصدرت دائرة الإفتاء العامة منذ سنوات عدة بيانا توضح فيه موقف الإسلام من الانتحار، وجاء فيه "الانتحار حرام، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى، لأنه قتلُ نفسٍ حرمها الله عز وجل بقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)، ونفس الإنسان ملك لله تعالى وليس لصاحبها، قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، والانتحار أن يُقدِمَ الإنسان على قتل نفسه بأي وسيلة كانت، كإطلاق الرصاص على نفسه، أو بشربه السمّ، أو إحراق نفسه أو إلقائها في الماء ليغرق، أو بترك الطعام والشراب حتى يموت، كل هذا وأمثاله حرام بالاتفاق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)".
ويعتقد ناصر أن مجتمعنا العربي قد يتعامل مع حالة الانتحار بطريقة غير مناسبة، تلحق أضراراً نفسية ومجتمعية على الأسرة حتى بعد تبيان الأسباب لحالة المنتحر، والتي قد تكون حالة فردية وسط أسرة سليمة، بينما في الغرب تنتهي قصة الانتحار بموت المنتحر بدون "تحسس" من عائلته لأي ردود فعل مجتمعية، وهذا أمر من الصعب التخلص منه، داعياً إلى مساعدة الشخص الذي يُقدم على محاولة الانتحار لردعه عن ذلك بطرق مدروسة، عدا عن معالجة الأسرة التي يتعرض أحد أفرادها للانتحار وإخراجها من الضغوط التي قد تؤثر عليهم على المدى البعيد.
ولكون الدراسات تُظهر أن أكثر أسباب الانتحار هي "اضطرابات نفسية وحالات اكتئاب"، فقد أكد اختصاصي النفس والتربوي الدكتور موسى مطارنة، أن الانتحار ما هو إلا حالة من إيذاء النفس والاعتداء على الذات نتيجة ضعف القدرة الدفاعية في الجهاز العصبي والنفسي للتكيف مع المشكلات الحياتية والنفسية التي يتعرض لها الفرد، مبينا أنه يكون قد وصل إلى مرحلة قناعة بأن العلاج لتلك الضغوطات هو "الانتحار والتخلص من الحياة".
ولكن السبب الرئيس ليس الضغوط النفسية بقدر ما هو "عدم المساندة النفسية للشخص والتفكك المجتمعي لاحتواء هذه الحالات؛ حيث لا يتوفر لديها "دفء أسري ومجتمعي"، ويسهم ذلك في خلق حالة من فقدان الأمل والتفاؤل لهؤلاء الأشخاص، وتتراكم لديهم الضغوط الاقتصادية والأسرية والاجتماعية، فيتوجه الفرد للانتحار، كما يقول مطارنة.
ويعتقد أنه من الأجدى للمجتمعات والحكومات أن تجد حلولاً "جذرية" لاحتواء الشباب الذي يُقبل على الانتحار واستثمار الطاقة الكامنة لديهم، من خلال إيجاد مشاريع تنموية وبرامج توعية واستراتيجيات تحتضن الفرد في حالة تعرضه لأي نوع من الضغوط، وإخراجهم من كهف اليأس الذي يؤدي إلى الانتحار والتخلص من الحياة، وبخاصة أن هناك فئة كبيرة تعاني من الفراغ الديني والثقافي وتفتقد للأفق الواسع للخروج من أي مأزق.
ويؤكد مطارنة، أنه من الضرورة بمكان أن تتغير نظرة المجتمع "للمعالجة والمساندة النفسية للفرد" على أنها ضرورة طبيعية لأي شخص، وليس فقط لحالات مرضية، وأن يكون المرشد النفسي حاضراً في كل مراحل الحياة، حتى يستطيع الشخص أن يلائم حاجاته النفسية مع ما يحيط به من أحداث.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في تقريرها لهذا العام، إلى اعتبار الانتحار إحدى قضايا الصحة العمومية التي تحظى بالأولوية؛ حيث كان أول تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول الانتحار بعنوان "الوقاية من الانتحار: ضرورة عالمية"، والذي نشر في العام 2014، ويهدف إلى زيادة الوعي بأهمية مكافحة الانتحار ومحاولات الإقدام عليه من منظور الصحة العمومية، وإلى جعل الوقاية من الانتحار أولوية قصوى على جدول أعمال الصحة العمومية العالمي.
ويهدف التقرير إلى تشجيع البلدان ومساعدتها على تطوير أو تعزيز استراتيجيات شاملة للوقاية من الانتحار في سياق نهج متعدد القطاعات للصحة العمومية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات