عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Jun-2017

التداعيات العالمية لعدم المساواة: من بورتلاند إلى لندن إلى الموصل

الغد-ديفيد روفكس - (كاونتربنتش) 6/6/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
أجلس في دارة مقهى في شمال انجلترا. كنت قد وصلت إلى مطار مانشستر في الليلة التالية للتفجير الانتحاري هناك. وكان المطار الذي عادة ما يعج بالحركة هادئاً تقريباً -الحياة أي شيء عدا أن تكون طبيعية هنا. ومباشرة بعد ذلك الحادث، تلقيت الأخبار عن عمليات الطعن المتعددة التي نفذها شخص يعتقد بتفوق الجنس الأبيض على متن قطار في مسقط رأسي، بورتلاند، أوريغون. ثم في الليلة الماضية، وبينما كنت أهم بأن آوي إلى النوم في غرفة فندقية في ليدز، أدرت المذياع على هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فقط لأسمع عن الأخبار العاجلة عن الهجمات بالعربة والسكين التي كانت جارية في ذلك الوقت. (في الحقيقة كانت منتهية بحلول ذلك الوقت، حيث قتلت الشرطة ثلاثة مهاجمين، لكن لم يكن أحد قد علم عندما استمعت للأخبار ما إذا كان هناك المزيد أم لا).
تمثل هذه التطورات جزءاً ضئيلاً وحسب من الموت الذي ما يزال يتسبب به المفجرون الانتحاريون وعمليات القصف الجوي وعمليات الطعن وإطلاق العيارات النارية، على يد لاعبين من الدول وغير الدول في العديد من البلدان على مدار أسبوع واحد؛ حيث قتل العشرات في أفغانستان واليمن والعراق وسورية والكاميرون والمكسيك وغيرها. وهذا بالطبع بدون ذكر أي شيء عن العديدين الآخرين الذين ماتوا خلال الأسبوع الماضي بسبب سوء التغذية وحوادث السيارات.
مع الطبيعة سريعة الحركة لهذه الحوادث العنيفة المتعددة، من السهل أن يشعر المرء بالضياع في خضم التفاصيل، وأن يغفل الحقيقة الساطعة الواضحة: أن كل هذه الأشياء متصلة ببعضها بشكل وثيق جداً، وأن كل هذا العنف المتواصل هو على نحو مطلق -ومباشر غالباً- نتيجة لعدم المساواة المتنامية بطريقة وبائية، سواء داخل أو بين المجتمعات.
اليوم في بورتلاند، من المقرر أن يلتئم شمل حشد من الذين يعتقدون بتفوق الجنس الأبيض في وسط البلدة، والذي سيقابله حشد مضاد معادٍ للفاشية، وحيث يتواجد الكثير من عناصر شرطة مكافحة الشغب الذين يفترض أن يفصلوا بين المجموعتين. وسوف يحطم الشباب الأبيض المقنعون بشكل رئيسي الممتلكات، ويتلقون الضربات من الشرطة التي سوف تعتقلهم، وسوف يسيطر هذا التطور على دورة الأخبار.
جلست في المقهى لأكتب ما تقرأون الآن، لأنني كنت طوال اليوم أفكر في هجمات الطعن في بورتلاند والهجمات في لندن والتشابهات بين هذين الحادثين. وقد ساعدت حقيقة أنهما اشتملا على استخدام السكاكين، ووقعا خلال أسبوع أو نحو ذلك، في عثوري على الصلات. لكن ثمة العديد من الصلات العديدة الأخرى الأقل سطحية، والتي يجب تعقبها.
ثم فكرت في الاحتجاج المعادي للفاشية في بورتلاند اليوم، وفيما ما إذا كنت لأنضم إليه لو كنت هناك. وبينما لا توجد لدي أي مشكلة أخلاقية في اتباع نصيحة تروتسكي حول ما يتوجب عمله مع الفاشيين، فقد كان هو الأول في التفسير، حين تحدث عن التكتيكات المناسبة في المكان والزمان المناسبين -وإذا قرأت باقي المقال المستقاة منه الجزئية المقتطفة غالباً أعلاه فإنه يجعل ذلك السياق واضحاً بشكل كبير.
سواء اتفق تروتسكي أم لم يتفق مع جيسي جاكسون على ما إذا كان الحشد المعادي للفاشية يجب أن يحتج أيضاً على "اليمين المتطرف" في بورتلاند اليوم، وما هي أنواع التكتيكات التي يجب أن يحاولوا توظيفها إذا فعلوا، فإن فكرة حضور ذلك التجمع جعلتني أفكر أيضاً بما إذا كنت سأذهب إلى حشد في لندن أو مانشستر ضد "داعش"، إذا نظم أحد مثل هذه المناسبة.
ما كنت لأذهب. ولكن، لماذا؟ أوليس "داعش" عصابة مروعة من القتلة الذين يمارسون الإبادة الجماعية؟ حسناً، نعم. لكن الشاب الإنجليزي الذي فجر نفسه في ساحة مانشستر في الشهر الماضي كان، تماماً مثل العنصري الإشكالي في القطار في بورتلاند، مجرد بيدق. الناس من شاكلتهم هم النتيجة التي يمكن التنبؤ بها للمجتمعات المقسمة التي لا تراعي المساواة، والتي تتوافر على مفكرين وساسة عنصريين وهستيريين -ساسة لهم ميل طويل الأمد إلى "حل" العديد من المشاكل من خلال العنف العدواني.
من الواضح أن أي أحد في أي مجتمع يواجَه بمهاجم يشهر سكينه من أي لون أو عقيدة أو دين، يجب أن يدافع عن نفسه وعن الآخرين بشكل مثالي أمام هؤلاء الناس. ومن الصحيح تماماً الإطراء على أي جهود من هذا القبيل باعتبارها بطولية؛ كما أنه من الصحيح نعي الموتى واستذكارهم. لكن هذا لا يعني أن يسقط المرء ضحية لتكتيكات فرق تسد التي تنتهجها الطبقة الحاكمة.
ليس معظم الساسة معتوهين ومتلعثمين كما يبدون. (أما إذا كان ترامب يشكل استثناءا لهذا الحكم، فهي ليست النقطة هنا). وبغض النظر عن بعض الأحزاب السياسية، وبالنسبة لمعظم التاريخ الأميركي ومعظم التاريخ البريطاني الحديث أيضاً، تكون القوى القائمة مكونة من حزبين سياسيين رئيسيين، واللذين يحكم كل منهما لمصلحة رأس المال والإمبريالية. وفي كلا البلدين (والكثير جداً من البلدان الأخرى) خلقت هذه الطبقات الحاكمة على نحو منهجي وفاقمت الانقسامات في المجتمع، من إدامة هذه الانقسامات بحيث يتقاتل الناس من أجل الفتات بدلاً من السعي إلى الحصول على الرغيف كاملاً.
كما أن هذه القوى الكولونيالية الجديدة استخدمت على نحو منهجي تكتيكات فرق تسد هذه من أجل خلق و/أو مفاقمة النزاع في داخل مجموعات مختلفة في المجتمعات التي تسيطر عليها (أو تسعى إلى السيطرة عليها)، مثل الانقسام السني-الشيعي في العديد من البلدان ذات الأغلبيات المسلمة.
في الوقت نفسه، تستخدم الحروب وأزمات اللجوء الحقيقية جداً في الشرق الأوسط وما تدعى أزمات اللجوء في أوروبا والولايات المتحدة -وكلها من إفراز السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية على مدار القرن الماضي أو نحو ذلك- تستخدم أيضاً لتكريس العنصرية والانقسام في المجتمعات الغربية أيضاً.
يقودني فهمي للتاريخ وتجربتي، وقد سافرت بكثافة إلى 25 بلداً أو نحو ذلك، لأستنتج أنه، على الأقل بين الأمم الأكثر ازدهاراً في العالم، لا يوجد أي بلد مقسم ومحتل بنجاح أكثر من الولايات المتحدة.
بينما هناك العديد من البلدان الأخرى التي يحكمها حزبان رئيسيان بينهما القليل من الاختلافات البسيطة، فإن كلا الحزبين وسياساتهما هما أبعد كثيراً نحو اليمين ذي النزعة العسكرية في الولايات المتحدة مما هو الحال في أي مكان آخر في أوروبا. والطريقة التي يتجلى بها هذا في حياة الناس هو أن لدينا معدل أعمار أقصر، والمزيد من المشاكل الأكبر، مع الفقر والتشرد والمضاربة بالممتلكات وتكاليف الإسكان ووحشية الشرطة والعنف الوبائي من كل الأنواع -أكبر عدد من نزلاء سجن في العالم، وكذلك العديد جداً من المشاكل الأخرى التي خلقها إجماع الحزبين.
يبدو واضحاً بالنسبة لي أن الطريقة الرئيسية التي جعلت الطبقة الحاكمة الأميركية أكثر نجاحاً من نظيراتها في أوروبا في استغلال مواطنيها، كقاعدة، كانت قدرة الحكام على الاستفادة من العنصرية التي خلقوها بشكل منهجي على مدار القرون الماضية. ولوقت طويل، كانت هذه القسمة بين أسود/ أبيض في معظم أنحاء البلاد. وبينما أخلت سياسات الهجرة القائمة على مبدأ البيض فقط مكانها ببطء شديد للسماح لمهاجرين بالهجرة من أماكن غير أوروبا، فإن دينامية العنصرية في الولايات المتحدة تطورت لتشمل مجموعات مهمشة أخرى.
لو استطعت أنا أو أي مفكر فوضوي آخر أن نقول لك كيف تنتقل من (أ) إلى (ب)، لفعلتُ. أنا لا أعرف، ولا يبدو أن أحداً آخر يعرف أيضاً، وبغير ذلك، ربما نحقق بعض النجاح هنا بدلاً من مجرد مراقبة سلسلة تزداد باطراد من الحروب الإمبريالية والهجمات الإرهابية، إلى جانب الموازنات التقشفية -وحتى المزيد من الخصخصة وبيانات "التجارة الحرة" وكفالات البنوك والتراكمات المتزايدة بسرعة للثروة والتشرد المنتشر كالفطر. لكن موقع النقطة (ب) واضح بشكل كبير. ولا شك أن معرفة المكان الذي يجب أن نصل إليه هي شيء مهم للغاية، لأن هذا يشكل جزءاً كبيراً من المعادلة فيما يتعلق بمن هو الذي يسيطر على السرد.
يجب أن نتذكر أن "أقصى اليمين" هو مشكلتنا الرئيسية، تماماً مثل تنظيم القاعدة أو "داعش". وهذه الحركات حقيقية ومرعبة وعنيفة بشكل مخيف، لكنها مجرد أعراض لسلسلة أكبر بكثير من المشاكل. وتبقى هذه المشاكل -المشاكل التي أوجدت هذه الحركات- هي المشاكل نفسها. وإذا كان لي أن أحاول اختصار تلك المشاكل بكلمة واحدة، فستكون: اللامساواة. وكيف يمكن أن تستغل الطبقات الحاكمة، والعنصريون والإرهابيون على حد سواء مسألة اللامساواة.
لهذه الحالة من عدم المساواة المتزايدة باطراد في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والكثير من باقي العالم تداعيات حتمية. ولن تبتلع الغالبية العظمى في معظم المجتمعات الطعم، لكن عدداً لا بأس به سوف يبتلعونه. وسوف ينمو هذا العدد ما لم نستطع تغيير مسار المستقبل في هذا المجال المعين. وإذا استطعنا القيام بذلك، فإن تداعيات عدم المساواة يمكن أن تبدأ في التلاشي إلى أن تصبح غير مهمة. لكننا إذا فشلنا، فسوف يكون أمامنا المزيد من الأسابيع السيئة مثل هذا الأسبوع الأخي، والأسوأ منه بكثير.
بمجرد أن تكون" الخيارات السياسية" في أماكن مثل فرنسا والولايات المتحدة بين الرأسمالي والفاشي، فإن دعم الرأسمالي ضد الفاشي سوف يؤجل ما هو حتمي فحسب. وأنا هنا لا أتخذ موقفاً قطعياً وجافاً حيال ما إذا كان يتوجب على المرء أو لا يتوجب عليه القلق من دعم الرأسمالي في مقابل الفاشي، وما إذا كان يتوجب أو لا يتوجب على المرء الذهاب للاحتجاج ضد "أقصى اليمين" عندما يستطيع أن يجمع بضع عشرات من الشباب المتسممين بالتستوسترون في مكان واحد... الخ. يمكن لهذه الأنواع من الخيارات التكتيكية أن تتفاوت اعتماداً على الوضع، وأنا لا أعرف الإجابات عن هذه الأسئلة. لكن ما أعرفه فعلاً هو أن المشاكل والانقسامات والعنف...الخ، سوف تنمو طالما استمرت اللامساواة، وطالما استمر الفقر.
كما أنني أعرف أن الحل يكمن في تحقيق المساواة. ولا رأسمالية ماي أو ماكرون الكلينتونية، ولا سياسات ترامب الفاشية الجديدة القائمة على الخداع، ستحملنا إلى الأمام -بل على العكس من ذلك، سوف تضمن هذه الأنواع من الحكام أن يسوء كل شيء أكثر فأكثر وسريعاً جداً فقط. وإذا شغلنا أنفسنا بشكل رئيسي بالمجادلة مع بيادق اللعبة، فيبدوا واضحاً لي أننا سوف ننجز ما هو أقل من لا شيء.
الآن أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى أن نبقى مركزين على الهدف بدلاً من التركيز على تداعيات عدم تحقيق ذلك الهدف. ولا أدعي معرفة الكيفية التي يمكن من خلالها الوصول إلى هناك، كما قلت آنفاً- لكنني متأكد أن هناك طرقاً عديدة مختلفة تستطيع من خلالها المجتمعات التحرك في ذلك الاتجاه، من خلال الحركات الاجتماعية الضخمة، المتشددة، الرؤيوية والمنظمة جيداً، سواء كانت هذه الحركات إقليمية، أو قومية أو عالمية.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Global Consequences of Inequality: From Portland to London to Mosul

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات