عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Mar-2017

إيقاف فوضى المفاهيم وتقليل منابت سوء الفهم*لطفي العبيدي

القدس العربي-لقد أتاح لنا الفلاسفة بلوغ درجة الوعي بشرط وجودنا وبالعالم وبالكون وبالألوهية، وأناروا درب حياتنا باتجاه «الكلّ» فيما وراء جميع الأهداف الجزئية، وإنهم يختنقون في «المسائل المـحـــــدودة» ويطلبــــون «الرحابة القصوى» حين يصــــوغ الفيلسوف تصوّرا عقليا عن بنية الكيان الإنساني وأبعاده وقواه ونزوعه لتحديد ما يستطيع أن يناله الإنسان من السعادة في الحياة الدنيا.
تؤكّد حينئذ الفلسفة على معنى الحياة وقيمة التفكير الإنساني في الوجود، وهي لذلك تحاول الوصول إلى وضع أسس وقواعد للنظريات التي تؤثر في حياة الأمم والأفراد، وتكشف الحجب عن أسرار الكون وما فيه من إبداع، وهو ضرب من وعي الفيلســـوف المســـلم الذي عالج الصلة بين الله ومخلوقاته، وعنى بمشكلة الوجود والوحدة والكثرة، وتكلّم عن العقل والنفس والمادّة والحياة والمكان والحركة والسكون، وفصّل القول في الفضيلة والسعادة، وحاول التوفيق بين العقيدة والحكــمة، بين الوحي والعقل، بين الدّين والفلسفة، إلى حدّ جواز الحديث عن ترسيم مسلكية العقل مرجعا أساسيا في سلّم التنظيم والشرح والتفسير والتعليل والافتراض والاستدلال والاستنتاج.
ولئن ظهرت الفلسفة الإسلامية في ظلّ عقيدة جديدة متطوّرة ومتنامية تعي الفرد ومستلزماته والجماعة وحاجاتها سواء بسواء، فإنّ فلاسفة الإسلام لم يدّخـروا جهدا في أداء وظيفة الفهم والإفهام، باستخدام ملكات الفكر البشري في الدفاع عن جوهر الإسلام العقلاني، وفي تثبيت الوحدانية المطلقة بمختلف سبل المعرفة الإنسانية التي سلكوها ترسيما لضروب الحكمة العملية، والعلم المدني والسياسة المدنية الباحثة في «منازل السّير الفاضلة» وأشراط الأخلاق الحميدة، و»الكمالات الإنسانية» «الإرادية والاختيارية واللازمة» لتحصيل السعادة» أو التنبيه على سبل تحصيلها.
وقد أدرك فلاسفة الإسلام وعلماؤه فيما يبدو أنّ العقل النظري لوحده غير كاف لبناء العلم، من جهة أنّ التجريد لا يقود حتما إلى نتائج عملية في التطبيق، وفي إدراكهم لهذه الصورة أثبتوا أصالتهم وتطوّر نظرتهم الفلسفية بالنسبة للحضارات السابقة عليهم، ففهم أغلبهم العقل على أنّه «منظومة التجارب الإنسانية، وكلّما كانت تجارب العقل أكثر، كانت النفس أتمّ عقلا» .
هكذا، تفصح البيئة الثقافية العربية الإسلامية عن الشخصية الثقافية والحضارية للمفكر العربي المسلم، الذي هو صورة حيّة مُعبّرة عن النموذج العقلي لهذه الشخصية، التي أنارت للإنسانية الطريق في المجالات العلمية المختلفة، وينشأ عن هذا الفهم لطبيعة الممارسة العلمية أنّ الحقيقة الكاملة عسيرة المنال وإنّها لا تنال إلاّ تدريجيّا بتعاون الجهود، ذلك أنّ إنتاج كلّ واحد من الفلاسفة يكاد لا يذكر، ولكن مجموع جهودهم يؤتي نتائج خصبة في إنتاج المعرفة تحصيلا وتكوينا وتوظيفا، وليس من العدل أن نقتصر على مدح المفكرين الذين نشاطرهم آراءهم ونثني على أعمالهم ومنهجهم ونتائجهم العلمية دون غيرهم، ولكن من العدل كذلك أن نمدح الذين لم يعرضوا علينا إلاّ تفسيرات سطحية، لأنّهم هم أيضا شاركوا في إقامة صرح العلم وساعدوا على تنمية قوتنا الفكرية كما أكّد أرسطو. ولمّا كان العلم بالشيء هو بمعرفة علله وأسبابه بما يُمكّن من نيل الحقيقة، فإن التواصل الفلسفي والمعرفي ضروري في نظر الكندي وطلب الاستعانة بعلم الأقدمين، أو الأمم المباينة لنا ليس عيبا بأيّ حال من الأحوال ما دام يساعد في الرقيّ المعرفي، تقدّما بالإنسان وتتميما لنوعه، ولا يكون ذلك إلاّ بتراكم الأنساق والمـعارف، وجـــــهود الأجيال عبر التاريخ، إذ أنّ الفرد الواحد مهما بلــــغ علمه ودرجات إلمامه لن يخلص له ما اجتمع للإنسانـــية في تاريخها المتعاقـــب، وغــــير ممكن أن تجتمع في زمن المرء الواحد وإن اتّسعت مدّته، واشتدّ بحثه، ولطف نظره، وآثر دأبه، ما اجتمع بمثل ذلك من شدة البحث وإلطاف النظر وايثار الدأب في أضعاف ذلك من الزمان الأضعاف الكثيرة. إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من التمسّك بحق القول وحق النقض في دائرة التخطئة الصريحة والتصويب الحاسم، وعيا بقيمة الإضافة العلمية، وشعورا بلذة الغنم المعرفي، وارتياحا إلى فضل السبق العلمي.
والواجب على الناظر في كتب العلوم إذا كان غرضه معرفة الحقائق أن يجعل نفسه «خصما لكلّ ما ينظر فيه ويحيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه»، ويتّهم أيضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه، ولا يتسامح فيه فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدّمه من التقصير والشبه» .
تأسّست حينئذ أركان ذهنيّة علمية وجّهت الفهم إلى تعميق النظر في المباحث والمسائل ومطالب المعرفة وأشراطها المعرفية والمنهجية واللغوية، من أجل إيقاف فوضى المفاهيم والخلط بين المصطلحات، ومن أجل إعادة التوازن إلى المعجمية اللغوية، وتقريب المسافات بين العقول وتوطيد التعايش بين المجموعات، وتقليل منابت سوء الفهم والالتباس في العلاقات. فالنظرية أو الفلسفة إذا كانت مبلورة، فإنّها لا تقتصر على التعبير عن مضمون التجربة بطريقة مباشرة، ولا تجري تطابقا عنيفا بين مفهوم وحدث أو بين حكم ومعطى، بل التطابق الذي تجريه هو بين حكم وحكم آخر، أي بين «نسبتين للمفاهيم». وبهذا الاعتبار يمكن القول إن معطيات الخبرة المعيشة تخضع لتوسّط توجد أدواته دائما عند أصحاب النظر الفلسفي والطرح الحكمي والمتانة المنطقية رغبة في تحرير الإنسان وفي ترسيخ منزلة التفكير في الوجود بذهنية منطقية تفترض التحصيل والتكوين والفهم والتوظيف والإبداع والتجاوز. وقد ساعدت تلك العقلية العلمية والإبداعية بوجهها الفلسفي في عقلنة فهم الظاهرة البشرية بمناحيها المادية والمعنوية، سعيا لتثبيت الرأي السديد لبناء العلم النافع، وإلى تحقيق الاتصاف بالسلوك القويم ترسيما لتلك المعاني العلمية والأخلاقية، النظرية والعملية، الموضوعية والذاتية، الفردية والجماعية من داخل مركزية الثقافة العربية الإسلامية.
وإنّ في ذلك بعض التفسير بما يُحيل عليه متصوّر العقل من حيث هو آليّة من آليات إنتاج المعرفة موصول بالسؤال عن الأسباب والعلل، وبالرغبة في الفهم والتدبر والبيان والبصيرة والتقدير والنظام والملائمة والصّواب والحكمة.
كاتب تونسي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات