عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Apr-2018

تشوهات العقل السياسي العربي!* رجا طلب

24 -

 
العقل السياسي العربي الرسمي والشعبي يعيش أزمة حقيقية، عنوانها "أين العرب وأين عقلهم وما هو دورهم، وهل هم قادرون على إحداث الفعل الذي يمكنهم اللحاق بركب الحضارة الإنسانية والتفاعل معها
كان للكاتب والفيلسوف محمد عابد الجابري الفضل في سبر غور "العقل السياسي العربي" ومحاولة تشريحه ووضع استنتاجاته الخاصة بهذا العقل، وكان لكتابه "نقد العقل السياسي العربي" الذي يعد البذرة الأولى التي زرعت في تربة الثقافة العربية المعاصرة، وأينعت ورعت جدلاً فكرياً مهماً في هذا المضمار وبخاصة بين الجابري نفسه والمفكر السوري جورج طرابيشي الذي ألف كتابه الشهير المعنون "نقد نقد العقل العربي" رداً على كتاب الجابري.
 
لقد ساهم هذا السجال الفكري والفلسفي النوعي في فتح المجال واسعا أمام تحطيم "تابوهات" كثيرة كان العقل العربي بشكل عام والسياسي بشكل خاص حذراً من الاقتراب منها، أو مسها وبخاصة البعد الديني منه المساهم في تكوين العقل السياسي العربي وما تسبب به من خلق أزمات سلوكية وأيديولوجية وتشوهات كبرى للعقيدة الإسلامية وتحديداً إنتاجه "للإسلام السياسي" الذي بات واحداً من أكبر التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية.
 
في تشريحه للعقل السياسي العربي يرى محمد عابد الجابري أن العقل السياسي العربي يملك ثلاثة محددات تنظم فعله السياسي، وهي العقيدة والعشيرة والغنيمة، أي أن الجابري وبتوصيفه هذا يكاد يقول وبالفم الملآن إن العقل السياسي العربي هو "عقل بدوي بامتياز" ولم ينتقل بعد إلى مرحلة المدنية والتفاعل الحضاري.
 
الجابري نشر كتابه "نقد العقل السياسي العربي" عام 1990، ولم يكن قد تفاعل بعد مع الصدمة الكبرى في الحياة العربية المعاصرة أي في القرن العشرين، والمتمثلة باحتلال العراق للكويت ومحاولة "شطبها" عن الخارطة السياسية وتحويلها إلى مجرد محافظة من محافظات العراق، وأجزم أنه أو غيره ممن تصدوا لتشريح بنية العقل السياسي العربي في القرن العشرين لم يلتفتوا إلى الكارثة الكبرى الأخرى واللصيقة باحتلال الكويت ألا وهي اتخاذ "القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين" شعاراً ومبرراً وغطاءً لهذا الاحتلال، حيث عمل الاحتلال العراقي للكويت ومن نظام حمل راية القومية العربية، على إحداث زلزال كبير في العقل السياسي العربي وأيضاً في العقل العربي بصورة عامة، وساهمت تلك الكارثة في خلط المفاهيم وأجهزت على القيم القومية وباتت دولة عربية كبرى كان يًنظر إليها على أنها سند للعرب وحارسة لبوابة الأمة العربية مع إيران، بات يُنظر إليها على أنها خطر على الأمن القومي العربي، واكتمل المشهد في "تعميق أزمة العقل العربي" بعد أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي هما وسيلة تحرير الكويت.
 
منذ الثامن من أغسطس (آب) عام 1990، بدأ العقل العربي يتشكل بصورة مناقضة للعقل السياسي التقليدي وتعمقت أزمته بصورة أكبر بكثير بعد أن أبرم الفلسطينيون أصحاب القضية وحراسها اتفاقاً سرياً مع إسرائيل ومن وراء ظهر العرب ( اتفاق أوسلو عام 1993 ) .
 
لقد شكل الحدثان السابقان (احتلال العراق للكويت واتفاق أوسلو بين المنظمة وإسرائيل) صدمة عصبية كبرى للعقل السياسي العربي، عملت تلك الصدمة وما تبعها لاحقاً على تكوين عقل سياسي مشوّه من أبرز سماته ما يلي:
 
أولاً: ضبابية المفاهيم القومية وعدم المقدرة والعجز على تحديد "العدو" و"الشقيق"، ويمكن وببساطة شديدة اليوم التقاط هذا الخلط القاتل وتأثيره على ما تبقى من مفهوم الأمن القومي العربي.
 
ثانياً: دفعت الأنظمة المنادية بالقومية العربية وتحديداً حزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه السوري والعراقي الثمن الأكبر من هذا الخلط، ولهذا الأمر ما يفسره، فالنظام العراقي ارتكب الخطيئة الكبرى باحتلال الكويت وفقد مصداقيته كحزب، وإن نجح صدام حسين شخصياً في تكريس اللحظات الأخيرة من حياته "كبطل وشهيد" في ذهن البعض، أما النظام السوري فقد ارتكب كوارث كبرى صمت العقل السياسي العربي عن مواجهتها والتصدي لها في أكبر حالة شيزوفرينيا فكرية – سياسية – وأخلاقية، فنظام حافظ الأسد ارتكب مجازر تل الزعتر ضد الشعب الفلسطيني، وتحالف مع القوى "الانعزالية اللبنانية" من "الكتائب" و"المردة" وغيرها من القوى الأخرى، ووفر الحماية لإيلي حبيقة قائد مجازر صبرا وشاتيلا، وقبل ذلك حيد ذاته عن معركة بيروت الكبرى مع القوات الإسرائيلية الغازية صيف عام 1982، أما نظام بشار الأسد فقد تحالف عملياً مع إرهاب داعش والنصرة وغيرها من تشكيلات مشبوهة من أجل إجهاض الثورة الشعبية السلمية في بدايات عام 2011 والتي استمرت حتى منتصف عام 2012 وها هو يستمر بإبادة شعبه بحجة ضرب الإرهاب ومازال البعض من الجماهير العربية يتعاطف معه على اعتبار أنه يواجه أمريكا وإسرائيل، في الوقت الذي تحولت فيه سوريا بسبب سياساته العسكرية والأمنية إلى مزرعة روسية – إيرانية.
 
ففي الحالتين السابقتين هُزمت فكرة القومية العربية والأنظمة الرافعة للوائها، وترسخت صورة بديلة لهذه الأنظمة في العقل السياسي العربي الجديد و"النقدي"، ألا وهي أن الشعار القومي هو شعار مضلّل ويستخدم لتغطية الأنظمة الشمولية والديكتاتورية.
 
العقل السياسي العربي في نسخته الحديثة أي في الألفية الجديدة، لا يملك بعد كل ما سبق من تحديات وتناقضات، القدرة على إنتاج فكر سياسي جديد يعيد الأمور إلى نصابها ويعيد تحديد الأولويات السياسية والاقتصادية الفكرية والتربوية وتحديد المفاهيم وبخاصة في موضوع الفكر القومي وطريقة إعادة إنتاجه وهو الذي دفع ويدفع الثمن الأكبر.
 
العقل السياسي العربي الرسمي والشعبي يعيش أزمة حقيقية، عنوانها "أين العرب وأين عقلهم وما هو دورهم، وهل هم قادرون على إحداث الفعل الذي يمكنهم اللحاق بركب الحضارة الإنسانية والتفاعل معها ويحررهم من عقلية "القبيلة والثأر".
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات