عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2017

من التاريخ.. شاعر أردني في معركة بورسعيد !*د. زيد حمزة

الراي-يظل من الممتع والمفيد ان نستعيد ذكرياتنا حتى لو ناف عمرها على نصف قرن، وتزداد هذه الذكريات ألقاً ووهجاً حين تكون بين اصدقاء وزملاء ورفاق عاشوا مرحلة من العمر والدراسة والعمل السياسي تميزت بالحيوية والغليان كتلك التي مرت بمصر بعد ثورة يوليو 1952 وبلغت ذروتها في تأميم قناة السويس عام 1956 وما أعقبها من جنون الدول الكبرى التي كانت تسيطر على القناة وتنهب مواردها حتى قررت في نهاية المطاف أن تنفذ مخططها الغادر بشن الحرب التي عرفت بالعدوان الثلاثي على مصر عندما رفَضَ عبد الناصر التراجع عن قراره الوطني ولم يخضع لتهديداتها وابتزازها..
 
في ذلك الوقت كنا نحن الثلاثة د. جميل بدور ود. سليمان دحابرة وأنا ندرس الطب في مصر وقد التقينا في الاسبوع الماضي نتبادل الذكريات كآخر من تبقى من طلاب ذلك الجيل الذين كانوا قد تخرجوا للتو من الجامعة بعد أن شهدوا فرحة المصريين العارمة بقرار التأميم فرقصوا معهم في الشوارع والميادين، أو كانوا على وشك التخرج فانخرطوا كغيرهم من الطلاب العرب مع باقي فئات المجتمع المصري في اخذ دور ما في مقاومة العدوان الثلاثي بالمظاهرات والمسيرات والمهرجانات أو التطوع للقتال أو التبرع بالدم أو المال، وشاركوا الحركة الفكرية التي نشطت نشاطا فائقا فدخلت المعركةَ الى جانب القيادة السياسية قياداتٌ ثقافية كثيرة مرموقة وظهرت أعداد كبيرة من المبدعين في مختلف الحقول الفنية، اذ انطلقت الاغاني الحماسية من كل محطات الاذاعة تصدح باصوات كبار المطربين والمطربات كأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم، فمن منا يستطيع ان ينسى صلاح جاهين وقصيدته الرائعة (والله زمان يا سلاحي) التي لحنها كمال الطويل وغنتها ام كلثوم وظلت تتردد في الاذاعات المصرية والعربية على مدار أيام وليالي المعركة واستمرت لزمن طويل بعدها، ورددتها حناجر مئات الملايين من العرب في مناسباتهم الوطنية والحماسية على مدى النصف الثاني من القرن الماضي أو يزيد، وتجاوبت السينما المصرية سريعاً وانتجت افلاما سياسية تعزز من صمود الشعب في المعركة، وطفحت الصحافة بالمقالات التي تشد من ازر المقاومة وتعلي معنويات الشعب بأشكال فريدة من فن الكاريكاتير الذي لعب دوره في التعبير عن سخرية المواطنين من تواطؤ الدول الاستعمارية مع اسرائيل، واقيمت اللقاءات والندوات في المنابر وفي الساحات العامة وشارك فيها شعراء كبار وناشئون من جيل الشباب عبّروا بشعرهم عن نبض الشارع وآمال الجماهير.
 
والطريف الذي كشفت عنه ذكرياتنا حين التقينا في الاسبوع الماضي ان جميلاً خاطب سليماناً بأن ناداه: (يا شاعرنا الوطني) وهو اللقب الذي كنا نناديه به اثناء حراكنا السياسي في القاهرة ، وذلك ما جعله يقص علينا بتواضع شديد حكاية قصيدته التي نظمها اثناء العدوان الثلاثي ونشرتها له مجلة ( الادب ) المصرية تحت عنوان (يا بورسعيد / للشاعر الاردني سليمان دحابرة) الى جانب قصيدة صلاح جاهين ( والله زمان يا سلاحي) وذلك في عدد نوفمبر 1956 الذي مازال يحتفظ بنسخة منه، لكننا لم نسال صديقنا لماذا توقف بعد ذلك عن قرض الشعر(!) بل واصلنا تبادل ذكريات اخرى وكيف كنا قد شاركنا قبل ذلك بسنوات حاملين العلم الاردني في مظاهرات طلاب الجامعة احتجاجاً على اعتداء القوات البريطانية المقيمة في القاعدة العسكرية بقناة السويس في 25 يناير 1952 على البوليس المصري بالاسماعلية وما اعقبها من غضب ثوري صاخب في الشارع المصري أجهضته مؤامرة حريق القاهرة في مساء اليوم التالي (26 يناير) بهدف الاطاحة بحكومة الوفد التي كان الشعب في العام الفائت قد انتخبها باغلبية كاسحة، وكمبرر لحل البرلمان وفرض الاحكام العرفية وقمع اي تحرك سياسي شعبي معارض ، لكن النتيجة المفاجأة جاءت بعد ستة اشهر بانفجار ثورة 23 يوليو 1952..
 
وبعد.. فان هذه الذكريات ليست ضرباً من الثرثرة يتسلى بها كبار السن ، إنما هي جزء من الرواية المعاشة التي ينبغي ان تتاح لابناء وبنات الاجيال اللاحقة كي يتداولوها ومن حقهم إن لم يكن من واجبهم ، ان يضموا اليها ذكرياتهم الخاصة بمرحلتهم فهي بمجموعها تشكل على ارض الواقع.. التاريخ الحقيقي للوطن.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات