عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-May-2017

النص حين يفقد الارتياب… الإنتاج والتلقي

القدس العربي-رامي أبو شهاب
 
كل نص ينطوي بداخله على تكوينات عميقة من المقولات والمقاصد، التي يحاول أن ينقلها بطريقة أو بأخرى إلى المتلقي/ القارئ/ الجمهور، بغض النظر عن تعدد المصطلحات وزوايا النظر للدور الوظيفي أو الجمالي لتلقي النص، وإعادة إنتاجه، أو حتى اختبار مقولاته. غير أن هذه العملية تعدّ من أهم الإشكاليات التي أفرزت مناهج أو مقاربات لامتناهية لقراءة النص، وقبل ذلك خلقه.
ولعل هذا ينقلنا إلى مفاهيم تتعلق برؤيتين تتصلان بالنص الأدبي هما، أولا الإحالة إلى عالمه الداخلي. ثانياً: الارتهان للبعد الخارجي. غير أن أهداف الكتابة، كما النص المتجسد بوصفه نتاجا إبداعيا يحتفي بالعالم، كما هي الفلسفة التي ذكر أحد الدارسين بأن هدفها العميق يتمثل بأن تجعل من حياة الإنسان حياة طيبة أو هانئة، على حد تعبير لوك فيري. وإذا كانت الفلسفة في سعيها للبحث عن خلاص معرفي وإنساني قد أدركت حدودها في متواليات، غير أن الأدب يخضع هو الآخر لمراميه الخاصة التي يتنازعها جانبان، ذاتي يتعلق بالمبدع، وآخر يخضع لسلطة المتلقي الباحث في الأدب عن رؤى متعددة المستويات لتفسير العالم، واكتشاف كنهه.
لا شك أن قراءة النص الأدبي وإنتاجه – في عمقها- تعدّ عملية ذات طابع ارتيابي، هذا الطابع نقلناه عن المشكل الفلسفي الذي حاول أن يصوغ العالم تبعاً لمدارك العقل، متجاوزا التفسيرات العليا، كي يصل بالإنسان إلى الرضى التام، غير أن هذا النهج كان ذا نسق تتابعي، حيث تتوالى المدارس الفلسفية التي حاولت أن تفسّر العالم، غير أنها لم تسعَ إلى أن تلغي السابق منها، أو القديم، إذ بقيت جميعها في وضع متزامن، وبهذا فإن ثمة نسقا من التجاور ساد هذا المسعى الفلسفي، للبحث عن نموذج لتفسير الحياة، غير أن معظم تلك التيارات اشتركت في رؤيتها الارتيابية أو المتشككة من الحياة، وبوجه خاص تجاه الكثير من الحقائق، فهي لم تعثر على إجابات، على الرغم من أنها مرت في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى اتسمت بالتفسير البدائي الغيبي، ومن ثم الديني، وأخير الفهم العقلي، وهنا الإحالة إلى تطبيق مركزي أوروبي بالتحديد. وبهذا فإن قيمتها- أي الفلسفة – تكمن في تلك الارتيابية التي تمارسها، وهذا ما يجعلني أعتقد بأن الكتابة المعاصرة تبدو أقرب إلى افتقاد هذا النسق، فالكتابة تنطوي في كثير منها على نبرات الوصاية على المعنى، ولكنه ليس المعنى الحقيقي، إنه وصاية على فهم العالم وتأويله. لقد بدأت نبرات الارتياب من إدراك حقيقة الأشياء تتلاشى شيئا فشيئا، لتحل بدلاً عنها رؤية ذات طابع وثوقي، وهذا يأتي تطابقاً مع عالم لم يعد فيه ثمة شيء يحفل بالأسئلة، بمقدار ما بتنا مجتمعين نجد إجابات عن كل شيء.
فالعالم لدى البعض بدا غير حافل بالكثير من الأسرار، فالطبيعة أصبحت في طور الانصياع، والكثير من دهاليز النفس البشرية، باتت مفتوحة على الملأ، والهندسة الجينية قادرة على تجاوز بعض الأخطاء في إنتاج كائنات لتغدو أكثر صحة، وتماسكاً، والذكاء الاصطناعي بات جــــزءاً من حياتنا اليومية، إلى حد أننا لم نعد نرتكب بعض الأخطاء الإنسانية، كون التقنيــــة قـــــادرة على التدخل والتنبـــيه، وهذا بالمجمل يقود إلى عالم مدروس بعناية ومخطط له، ما يعني أن مساحة من العفوية والترقب، كما الألم والفرح باتت جميعها في طور الإعداد والسيطرة، وهذا لا بد أن ينعكس على صوغ النص الأدبي بكافة معطياته وحيثياته.
فبمجرد الولوج إلى الإنترنت، فستجد إجابة عن أي أسئلة ذات طابع متشكك، وبالتالي فإن فعل الشك الذي يحيل إلى وجود ديكارتي يعنى بالوجود، أو الوعي بالحضور، بات في حالة إرجاء، لقد ماتت قيمة الأسئلة، ولم تعد ثمة حاجة للارتياب، أو لنقل قيمة الحكمة كما نادت الفلسفة من قبل، أي أن نكون متشككين، ولا أعتقد أن ثمة أحداً الآن يستشعر شيئاً من الشك، كون الإجابات باتت محفوظة، والعالم أُعيد تفسيره ليطابق منظورا واحداً؛ ولهذا بدأت النصوص تفقد ارتيابها في عالم التوصيف، عالم الحقيقة، فلا يقين سوى في ذهن منتجه، لقد صودرت كافة الأنساق الارتيابية، والعوالم المتشككة من النصوص، وسقطت في الشرح والتفسير، ونتيجة لهذا فإن عدداً كبيراً من النصوص والقصائد والروايات ما هي إلا شروحات لا تعبأ برؤية، فالعالم الذي نتقاطع معه جلب معه كافة التفسيرات، ولم يترك لنا مساحة من التأمل.
لا شك في أن أعظم الأعمال الأدبية نشأت من رحم ذلك الارتياب، ولاسيما تجاه قضايا أقلقت مضاجع المبدع، بأثر من سياقات عصره، فرواية «دون كيخوته» ما هي إلا أسئلة سرفانتس تجاه عالم قيمي غامض أدركه المؤلف وهو في السجن، فالرواية يتنازعها عالمان: الارتياب والحقيقية، وبينهما مساحات من الأسئلة التي شكلت مثار بحث متخيل في عالم سردي اتكأ على اللغة بحيرتها، وقيمها التأويلية، بينما في مجال النقد، فإنه لم يشغل رولان بارت في كتابه النقدي s/z سوى العالم الارتيابي الكامن لإشارات نصية تحيل إلى عالم مرجأ.
ليست الدعوة هنا إلى تبني قيم التفكيك بمظهرها الفج، إنما نقصد محفزات الكتابة في تكوينها الجنيني العميق. إن الروايات كما الأعمال النقدية والفنية وغيرها، ونعني تلك الأكثر انتماء إلى التوصيفات العظيمة، أو تلك التي انطلقت من لحظات تشكك وحيرة، إذ لا يمكن لها أن تنجز أو تنتهي حتى مع انتهاء العمل الروائي.
فروايات نجيب محفوظ، ولاسيما «أولاد حارتنا» وغيرها من أعمال، لم تكن سوى نتاج لحظة سؤال عميق لم يمارس وصاية، إنما مارس الارتياب بأقصى صوره تطرفاً وحيرة، لهذا مارست نفوذا على مخيلة القارئ الذي كان ارتيابيا هو الآخر، ونستدعي هنا تلك العوالم الارتيابية التي صبغت قطاعات كثيرة من الشعر الجاهلي لكل من عنترة وامرئ القيس وغيرهما، ومن هنا يكمن السؤال، هل يعود هذا العقم في طرح الأسئلة لتكوين الثقافة في عالم اليوم؟ أم أن العالم لم يعد يثير دهشتنا؟ أم أننا وصلنا لإجابات عن جميع الأسئلة التي كانت تؤرقنا؟ أم أن الكاتب فقد القدرة على أن يحمل نظرة ارتيابية متسائلة نتيجة عقم فكري وعاطفي؟ وأخيرا هل القارئ لم يعد يبحث عن القيم المتشككة، لأنه لم يعد هناك من شيء يعني له؟ فهو غير قيمي، نتيجة هيمنة عالم مادي استهلاكي مبّسط، أم هل فقدنا قلقنا من توصيف العالم بمنظور قيمي؟ أم بتنا نملك الإجابة عن جمع أسئلتنا من خلال المسارعة للبحث عن ركام المعلومات، كما المشاعر وكافة الاحتياجات التي كانت تستعصي عنها مداركنا، فبات يجيبنا عنها محرك البحث «غوغل»؟
إن العالم الذي بات يمتلك جاهزية لكل شيء أمسى ملمحا واضحاً، وسمة هذا العصر، ومن ذلك على سبيل المثال الترجمة التي كانت تستلزم معرفة عميقة، ووعيا لغويا، بيد أنها أصبحت مهددة من خلال الذكاء الاجتماعي، حيث أعلنت شركة «غوغل» مؤخرا عن تقنيتها الجديدة في الترجمة، التي باتت تحقق درجات عالية من الدقة عبر الترجمة الآلية «الذكاء الاجتماعي»، وهو ما بات يعرف بالترجمة من خلال الشبكة العصبية الرقيمة أو الخلايا العصبية الرقمية التي بدأت تطبيقها على عدد من اللغات، حيث استعانت غوغل بمنظومة هائلة من المرجعيات والتقنيات اللغوية التي يمكن أن تحقق صحة ترجمة عالية، وبذلك فقد تخلصت من الترجمة القائمة على العبارة، وبذلك فإن قيم الثبوت بدأت تقترب من التخلص من أثر الإنسان على تطبيع اللغة، لقد بات الخطأ مجالا غير وارد، فكل شيء قابل للتيقن، ومحسوب بدرجة كبيرة، حتى مشاعرنا وشخصياتنا، وتوجهاتنا، وأحلامنا التي أصبحت قابلة للتحليل من خلال نماذج من الأجهزة الرقمية، ولعل هذا يقودني إلى نموذج بسيط يتمثل بمدرسة التحليل النفسي، التي شكلت أهم روافد التحليل الأدبي لتوصيف عملية خليق العمل الأدبي، ولعلها كانت في الزمن الذي شرع فيه فرويد بتحليلاته كانت تعد مجالا متقدما في سبر أغوار النص، والنفس الكامنة خلفه، كونها كشفت عن نظرة عميقة لتحليل حيرة الإنسان تجاه بعض الظواهر.
إن أفعال اليقين هي مجال دائم لمجال تفكيكي بدأ مع نيتشه الذي يعدّه البعض التفكيكي الأول، والذي لم يكن يرغب بالاستكانة لعالم مثالي، ولم يكن يؤمن بقطعية الأشياء، فناقد المطرقة أحدث تخريباً في مجال الاطمئنان الذي ساد، في حين أننا الآن لم نعد نمتلك هذا القدر من الأسئلة، فمعظمنا يمتلك الإجابات، أو أن الإجابات لا تشكل مثار جدل، ولا أحد أصبح معنياً بطرح الأسئلة.
 
٭ كاتب فلسطيني أردني

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات