عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Dec-2016

النحو والسعادة… هل تتسرَّب البهجة إلى اللغة؟

القدس العربي-عبدالدائم السلامي
 
أصدر الروائي والأكاديمي التونسي توفيق العلوي كتابا جديدا موسومًا بـ«النحو والسعادة» (دار زينب في تونس 2016)، ناقش فيه العلاقة بين النحو والسعادة ضمن فصول أربعة، انصبّ فيها جهدُه على دراسة قضايا لسانيّة لغويّة ذات مداخل معرفيّة مختلفة، مداراتها لسانيّة ثقافيّة أنثروبولوجيّة، وهي فصول مهّد لها الباحث بمقدّمة وتمهيد فيه تأصيل لعلاقة النحو بالسعادة في الفكر البشريّ، ابتداءً بالفلسفة اليونانيّة، ومرورا بالفكر العربي الإسلامي، وانتهاءً باللسانيات الحديثة في تقاطعها مع العلوم الإنسانيّة.
تأسّس الفصل الأوّل الذي عنونه توفيق العلوي بـ»في السعادة المُثيرة لتشومسكي» على قراءة كتاب «اللغة: الأداة الثقافيّة» للباحث اللساني دانيال إيفرت، خاصة منه خاتمته المعنونة بـ»أنحاء السعادة»، حيث ربط هذا الباحث بين النحو والسعادة وناقض بذلك نظرية تشومسكي من خلال طرحه مقاربة لسانيّة تناقش اعتقاد تشومسكي في «النحو الكونيّ (الكلّيّ)»، واعتباره اللغة مصدرا وراثيّا جينيّا تشترك فيه البشريّة جمعاء، وقد اعترض إيفرت على هذه الرؤية اعتمادا على تجربته اللغويّة التي عاشها لمدّة ثلاثين سنة في الأدغال البرازيليّة مع قبيلة البيرها، إذ اعتبر أنّ ثقافة هذه القبيلة تؤثّر في نحوها بطرق مختلفة، فأفرادها يعيشون السعادة زمن الحاضر، لا يعنيهم الماضي، ولا المستقبل (مستقبل أبنائهم)، وقد تسرّبت هذه الثقافة إلى لغتهم، إذ لا يوجد فيها إلاّ الفعل المعبّر عن زمن الحاضر لا غير، فلا أفعال متعلّقة بزمني الماضي والمستقبل. ويلخّص إيفرت هذا التصوّر بـ»أنّ أنحاءنا تتبع قيمنا» في تأكيد منه للزاوية الثقافيّة الأنثروبولوجيّة. وبناء على هذه الخلفيّة يرى إيفرت أنّ «سعادة أفراد البيرها تسرّبت إلى لغتهم، فأصبحت نحوَ السعادة، كما أن كلّ لغة تجلب السعادة للمتحدّثين بها. فكلّنا يملك أنحاء السعادة، هُويّاتنا وعباءات ثقافتنا».
ونجد في الفصل الثاني المعنون بـ«مسروديّة النحو السعيد» عنصرين، جمعهما السرد، وربط بينهما المتخيّل، تأسّس الأوّل على رواية «النحو أغنية عذبة» للمؤلف إريك أورسنا، والثاني في جنّة عمقها التخييل، مصدرها أساسا رسالتا المعرّي: «رسالة الغفران» و»رسالة الملائكة». وحكاية إريك أورسنا متخيّل طريف، فمن الشخصيات عناصر لغوية، كالحرف والكلمة والجملة، تسلك سلوك البشر وتماثله في المشاعر والعواطف، فقد سارت الرواية على ربط النحو بالسعادة، إذ العناصر اللغويّة تسعد ببعضها، وتتفاعل مع متكلّميها، وتستجيب لهم، وفي هذا موقف من المؤلّف رافض للنحو المؤسّس على القواعد الجافّة، فالرواية محاولة منه لإخراج النحو الفرنسيّ من القوالب الجاهزة والتقعيد المعقّد، ولا شكّ أنّ في ذلك أهدافا تعليميّة، وغايات بيداغوجيّة تقرّب هذا العلم لمتعلّميه بمتعة وسعادة.
وعن رسالتي المعرّي، فقد جمعهما توفيق العلوي في فصل تحت تسمية «نحو الجنّة السعيد»، وقد أسّسه على فكرتين، أساس الأولى التلازم بين الحسّيّ والنحويّ، إذ «ما يجمل بالرجل من الصالحين أن يصيب من سفرجل الجنّة في النعيم الدائم وهو لا يدري كيفية تصغيره وجمعه، ولا يشعر أيجوز أن يشتقّ منه فعل أم لا، والأفعال لا تشتقّ من الخماسيّة لأنّهم نقصوها عن مزيّة الأسماء، فلم يبلغوا بها بنات الخمسة، وليس في كلامهم مثل اسفرجل يسفرجل اسفرجالا» وَفْق قول المعرّي، فلا تكتمل المتعة الحسّية إلاّ بالمتعة العقليّة. أمّا الفكرة الثانية فتقوم على أنّ نحو الجنّة، على عكس نحو الدنيا «نحو نقيّ صاف» خالٍ من التعقيد والتكلّف، فالناس في الجنّة المتخيّلة يتكلّمون على الجبلّة كما لغة يعرب بن قحطان، فقد رُفع عن أهل الجنّة «الزللُ والزيغ والخطأ والوهم».
وفي الفصل الثالث «نحو القلوب السعيدة» ناقش الباحث كتاب «نحو القلوب» للصوفيّ عبد الكريم القشيريّ، وهو صاحب مؤلَّفيْ «نحو القلوب الصغير» و»نحو القلوب الكبير»، ومنطلق القشيري الذي أسّس به نحوه منطلق اصطلاحيّ، فقد استند إلى مصطلحات نحويّة موجودة استقرّت مفاهيمها مشرقا ومغربا وثبتت جهازا اصطلاحيّا ليعدل بها إلى معنى صوفيّ يحدّده حسب المقامات والأحوال الصوفيّة، ومن هذا الأحكام الإعرابيّة أنّ «وجوه الإعراب أربعة: الرفع والنصب والخفض والجزم. وللقلوب هذه الأقسام، فرفع القلوب بأن ترفع قلبك عن الدنيا، وهو نعت الزهّاد، وقد يكون بأن ترفع قلبك عن اتّباع الشهوات والمنى، وهو نعت العباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. وقد يكون العبد منصوبا لجريان حكم المقادير من غير أن يكون له اختيار، ولا له فيما هو به إيثار، أو منه فيه اشتغال.. وأمّا خفض القلوب فيكون باستشعار الخجل، واستدامة الوجل، ولزوم الذل، وإيثار الخمول». والقصد من نحو القلوب حسب القشيري مخاطبة الحق، والحق بالمفهوم الصوفي هو الخالق المعبود ومخاطبته هي السعادة الكبرى، فنحو القلوب مؤدٍّ إلى هذه السعادة المنشودة.
و»مِن النحو ما أسعد» هو عنوان الفصل الرابع، وقد ناقش فيه توفيق العلوي فكرة أساسيّة سمّاها «نحو المارقين»، والمارقون هم مستعملو اللغة العربيّة من المتكلّمين الذين يخرجون عن القواعد النحويّة بصفة متعمّدة في مناسبة مّا، أو المتكلّمون الخارج كلامهم عن المقام وإن صحّت لغتهم من اللحن، وتتمثّل الغاية من هذا المروق في تحقيق مظاهر من السعادة في زمن سرور، ولحظة فرح، أو تجسيد متعةٍ عقليّة اقتضتها مناسبة ظرفيّة ما.
وقد عبّرت عن هذا المروق بعضُ النوادر، فـ»من المجانينِ الأشراف‏:‏ ابن ضَحيان الأزديّ، وكان يقرأ‏:‏ قلْ «يا أيُّها الكافرين»، فقيل له في ذلك فقال‏:‏ قد عرفتُ القراءة في ذلك، ولكنِّي لا أجِلُّ أمر الكفَرة» على حدّ ما ذكر الجاحظ في «البيان والتبيين»، فقد ارتأى ابن ضحيان في هذا المروق عن القاعدة النحويّة في آية قرآنيّة، تعبيرا عن موقف عقديّ يرضيه ويُسعده، فقد رأى «الرفع»، لا على أنّه معنى نحويّ، بل على أنّه معنى معجميّ يفيد الرفعة والإجلال، فهو، على حدّ عبارته، لا يرغب في أن يرفع من قيمة الكفّار، ففضّل نصبهم أو جرّهم « الكافرين»، تناسبا مع المعنى المعجميّ للنّصب أو الجرّ.
ولا شكّ في أنّ كتاب توفيق العلوي أطروحة للنقاش، كما ذكر المؤلّف نفسه، إذ لم يقدّم العلاقة بين النحو والسعادة مسلّمة، بل ارتآها فكرة للتطارح الفكري اللسانيّ، خصوصا أنّ مداخل تنسيب هذه العلاقة عديدة أشار إليها في ذكره العلاقةَ بين النحو والشقاوة، وهو ما سعى إلى تفصيله في هذا الكتاب.
 
٭ كاتب تونسي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات