عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-May-2017

السينما في السعودية بين خطابي النص والسجادة الحمراء

القدس العربي-محمد العباس
 
كل الجهود التي يبذلها العاملون في الحقل السينمائي في السعودية محل تقدير وفخر واعتزاز، فهم يتحركون في المكان العدو، حيث الفضاء القاحل المعادي لكل ما هو جمالي، دون أي رعاية مؤسساتية ذات قيمة تذكر، وبجهود ذاتية تغلب عليها الاجتهادات الفردية والتجريب، ومحاولة التعلّم واكتساب الخبرات من خارج المعاهد والجامعات، ومن دون أي خبرات تراكمية مسبقة أو تاريخ فني يمكن الاتكاء عليه.
وقد تأتى لهذه المراودات فصيل من عشاق السينما، المتحمسين لتوطينها في السياق الاجتماعي، وبالفعل ظهرت متوالية من الأسماء على مستوى الأداء التقني والتمثيلي والإخراجي، متمكنة من الصنعة الفنية ومتطلباتها، بحيث صار من الصعب الحديث عن صناعة الأفلام في السعودية، دون الإشارة إليهم، فقد استطاعوا أن يجعلوا من السينما قضية القضايا في المشهد الحياتي وليس الثقافي حسب، لأنها على المستوى الموضوعي بمثابة خزان المسائل العالقة اجتماعياً، وعلى المستوى الفني، هي الأداة الأكثر حداثة لسرد الذات ومخاطبة الآخر.
المفارقة أن كل ذلك الاهتمام والتصعيد بما يمكن تسميته خطاب السجادة الحمراء، لا يقابله أي تطوير يذكر على مستوى خطاب النص السينمائي، وهنا مكمن الاختلال الأبرز في صناعة الفيلم في السعودية، حيث يدور الحديث اجتماعياً وإعلامياً، وحتى ثقافياً، عن غياب الدعم المادي من قبل المؤسسات، وعن عدم وجود صالات للعرض، وعن عراقيل اجتماعية محتّمة بالنزعة المحافظة المعاندة لأي عمل فني، وكل ذلك يتم تعويضه في تظاهرات سينمائية متفرقة يحتشد فيها معظم العاملين في المجال السينمائي، لاستعراض وجودهم الفني، والإعلان عن حضورهم كتيار مغاير ومضاد للحالة السكونية، من خلال المحاكاة الشكلية لمهرجانات الأوسكار، حيث تتراكم كل تلك الهواجس والتطلعات على السجادة الحمراء وملحقاتها الاستعراضية، التي تستولد الوهم، أو تضخّمه بمعنى أدق، بحيث تبدو التجربة وكأنها قد اقتربت من حالة الاكتمال، أو أن الصناعة السينمائية، بمعناها الفني باتت أمراً مسلماً به، بالنظر إلى وجود الهيكل التنظيمي أو المؤسساتي، الذي يعكس ظلال الصورة لا حقيقتها.
وإذ يتصاعد الكلام بانبهار عن المنجز والجوائز والأجواء المهرجانية ونجومية الفنانين، الذين تمثلوا بسرعة خاطفة استعراضية نجوم هوليوود، يغيب الحديث تماماً عن المعضلات الفنية، سواء أثناء التظاهرات، أو في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فيما تبدو حالة من التواطؤ على عدم مساءلة التجربة، إذ لا يبدو للحوار حول الأفلام أي فرصة، الأمر الذي يؤخر التماس مع المشاكل الفنية لصناعة الفيلم في السعودية، وتتمثل بشكل أساسي في غياب النص، نعم، النص الذي يشد كل عناصر السرد البصري، النص الذي يستفز قدرات الممثلين ويختبرها، النص الذي يجعل من كل التقنيات المتوفرة في خدمة الفكرة، النص الذي يحرض المخرجين على الإبداع، النص الذي يؤهل المتفرج للامتلاء بالمعرفة الحسّية، النص الذي يجوهر الفيلم ولا يجعله مجرد مفاصل كلامية ومقاطع بصرية، النص الذي يعكس وعي المنتجين والمخرجين والممثلين بمعنى السينما، النص المتخفف من الوعظية والنقدية الاجتماعية، المراهن على الجماليات. النص الذي لا يكون مجرد خطاب تعقيمي لا مسافة بينه وبين المقالة الصحافية، النص المكتوب بكل الحواس ليُشاهد بكل الحواس.
السينما في السعودية خطاب ناشئ مقارنة بخطابات الشعر والقص والرواية والمسرح، وإن كانت اللحظة المعولمة بنوازعها البصرية، تهب للسينمائيين فرصة أكبر للتماس بالجمهور، وتوظيف المكتسبات التقنية والتأثير في المتلقي، من خلال تمثيلها النصّي للحداثة الاجتماعية، ولذلك يتحتم على صناعة السينما في السعودية أن تكون
سينما نضالية بالمعنى الفني للكلمة، أي أن تنجز خطابها الجمالي ضد كل ما يعاند وجودها ويحد من تأثيرها، لا أن تكون خطاباً رافلاً في الاحتفالية والتبرير واختلاق الأعداء، وتخليق النجوم وتأخير لحظة الاستحقاق الفني باستجلاب الذرائع اللافنية، والاستلحاق بكل الظواهر الاستعراضية الخالية من الفاعلية والمعنى، وهذا لن يتحقق إلا بوجود نص يراهن على الجماليات، ويجعل من كل الملتحقين بحقل صناعة الأفلام جزءاً فاعلاً من حركة اجتماعية تاريخية، ليكتسب ذلك التدافع نحو الصناعة السينمائية فاعليته.
هناك فرق شاسع بين أن تكون السينما مصبًّا للحداثة الاجتماعية، وبين أن تتحول إلى مكبٍّ كبير وعميق للسجال الاجتماعي اليومي، فتعيد إنتاج القضايا المستهلكة في قالب سينمائي بالطريقة ذاتها التي قاربتها الدراما التهريجية، والوظيفة التي تؤدي المقالات الصحافية فروضها، بمعنى أن تحقق الصناعة السينمائية نصابها الفني بمقدار ما تبشر به من تحولات، وأن تتمكن من تقديم سيرة الوعي الفردي والجمعي، من خلال مرويات فنية مغايرة للمرويات المكرّسة، أو هذا ما تفترضه صناعة الفيلم في السعودية، خلال هذه الحقبة التأسيسية، أي تخليق الفيلم في مدار الأسئلة التاريخية والاجتماعية المعلقة، فالمجتمعات لا تستجمع هوياتها وتعبر عنها إلا في السرد، وهذا ما يمكن أن يحققه الفيلم، بالنظر إلى المنزلة التي يحتلها جماهيرياً وثقافياً واجتماعياً، وعلى اعتبار أنه صار الآن يتحرك في خط مواز لكل الخطابات على أرضية الحداثة.
النقدية الاجتماعية جزء من الاشتغال الإبداعي، وليست هي المنطلق لكل عملية فنية كما يُلاحظ على الأنساق السينمائية الفاعلة التي يطغى عليها هذا البعد، وهو تراكم لا يعمل في صالح الوعي السينمائي، ويحتم بعد كل ذلك التطواف في السائد والمكرور، وبعد تلك الاستحقاقات من المشاركات الخارجية والجوائز، مساءلة حفريات الأفلام في السعودية، أي ماذا سألت التجربة وبماذا اصطدمت، لأن السينما يُفترض أن تؤفلم الحياة ولا تتعالى على التجربة اليومية، وهو فرض فني لن يتأتى إلا بالنص الملتزم، النص الذي لا يراهن على مقاربة الموضوعات الحساسة، بل النص الذي يلتزم بالكتابة الفنية الجيدة، التي ينبجس منها الجمال، القادر بالفعل على توطين الفيلم في الحياة اليومية، لا أن يكون مبرراً لعزلة مضاعفة للعاملين في الحقل السينمائي، وهذا هو أحد أهم الأبعاد التي يمكن أن تضع تجربة صناعة الأفلام في السعودية على الخريطة خارج محدودية البهجة المؤقتة للسجادة الحمراء.
 
٭ كاتب سعودي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات