عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jun-2017

لا يجب السماح بأن تصبح بريطانيا منطقة تجنيد لـ"داعش"

الغد-باتريك كوبيرن - (كاونتربنتش) 30/5/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
تشكل المجزرة التي ارتكبت في مانشستر مؤخراً تطوراً مرعباً ولد من رحم العنف المستعر في منطقة شاسعة، تمتد من باكستان إلى نيجيريا، ومن سورية إلى جنوب السودان. ومع أن بريطانيا تقف على المحيط الخارجي لهذا المرجل من الحرب، فإنه سيكون من المفاجئ أن لا تصيبنا شرارات تُرمى علينا من هذه الصراعات الوحشية. ما تزال هذه الصراعات تتواصل منذ وقت طويل بحيث أصبحت تغطيتها نادرة، بينما يتصرف بقية العالم وكأن وجود الحرب الدائمة هو الوضع الطبيعي في ليبيا والصومال وسورية والعراق واليمن وجنوب السودان وشمال شرق نيجيريا وأفغانستان.
من المحتم في أعقاب مجزرة مانشستر أن ينصب الانتباه الشعبي في بريطانيا على الظروف التي أحاطت بحادثة القتل الجماعي، وفيما يمكن عمله لمنع تكرار هذه التجربة مرة أخرى. لكن التفسيرات التي أعطيت لما حدث والخطط الرامية إلى تعقب وتحييد رقم صغير جداً من المتشددين السلفيين الجهاديين في المملكة المتحدة، سوف تفتقر دائماً إلى الواقعية ما لم تكن مصممة ومنفذة طبقاً لفهم واسع للسياق الذي تقع فيه الأحداث.
من الضروري عند هذه النقطة التأكيد مرة أخرى أن التفسير ليس هو التبرير. بل على العكس، إنه اعتراف بأنها ليست هناك أي معركة -وبالتأكيد ليست المعركة لهزيمة تنظيمي القاعدة و"داعش"- والتي يمكن أن يتم خوضها وكسبها من دون معرفة المكونات السياسية والدينية والعسكرية التي تجتمع معاً لتنتج سلمان العبيدي وشبكة العمل السلفية الجهادية التي حوله.
غالباً ما تساء تغطية العنف الفوضوي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وغالباً ما لا يتم التطرق إليه في الإعلام الغربي أبداً. وقد  أصبح سفك دماء المدنيين في بغداد ومقاديشو يبدو طبيعياً وحتمياً مثل الأعاصير في الكاريبي وانهيار الكتل الثلجة الضخمة في الهملايا. فقبل أسبوعين، على سبيل المثال، قتل هجوم شنته إحدى الميليشيات العاملة في العاصمة الليبية طرابلس 28 شخصاً وجرح 130 آخرين على الأقل. وهذا العدد أكبر من عدد الذين قتلوا في مانشستر، ولكن كان هناك القليل جداً من التغطية الغربية للحدث. وتجدر ملاحظة أن أمراء الحرب الليبيين، الذين يدفعون لمقاتليهم من العائدات النفطية المتلاشية للبلد، هم مجرمون بالكامل ومنخرطون بقوة في عمليات الابتزاز، بدءاً من الخطف إلى إرسال مهاجرين من جنوب الصحراء الأفريقية إلى البحر في قوارب الغرق. لكن نشاطاتهم تلقى التجاهل عموماً وكأنهم ينشطون على سطح كوكب آخر.
كانت بريطانيا قد لعبت دوراً مركزياً في الإطاحة بمعمر القذافي في العام 2011 من دون توقع أنه لن يبقى شيء هناك سوى أمراء الحرب ليحلوا محل نظامه. وكنت في بنغازي وطرابلس في ذلك الوقت، واستطعت رؤية أن عصابات الثوار الممولة من جانب دول الخليج النفطية، والتي انتصرت بفضل الضربات الجوية لقوات "الناتو" لم تكن قادرة على ملء الفراغ. وكان من الواضح أيضاً في مرحلة مبكرة أن من بين أولئك المستفيدين من هذا الفراغ تنظيم القاعدة وما يتفرع عنه.
ولكن، منذ يوم الاثنين الماضي فقط شرع الناس في بريطانيا في إدراك أن ما حدث في ليبيا في العام 2011 يؤثر بشكل كبير على حياتهم في بريطانيا اليوم.
لم يكن الليبيون البريطانيون والمنفيون الليبيون، الذين رفعت عنهم "أوامر المراقبة" وأعيدت إليهم جوازات سفرهم من جانب جهاز "أم أي 5" بحيث يسطيعون العودة وقتال القذافي، لم يكونوا ليعودوا مواطنين صالحين أبداً بعد سقوطه. وتماماً مثلما لا يمكن إنكار الصلة بين مرتكبي هجمات 11/9 وبين الدعم الأميركي والخليجي للجهاديين الذين كانوا يقاتلون السوفيات في أفغانستان في الثمانينيات، ففكذلك أيضاً هي الصلة بين تفجير مانشستر وبين استخدام الحكومة البريطانية للجهاديين السلفيين من المملكة المتحدة للتخلص من القذافي.
تتظاهر الحكومة البريطانية بأن أي شخص يطرح هذه الفكرة الواضحة إنما يسعى إلى التقليل من مسؤولية قتلة 11/9 وهجوم مانشستر. وكان رد المحافظين على التصريح العقلاني لجيريمي كوربين عن وجود صلة واضحة بين السياسة الخارجية البريطانية التي سعت إلى تغيير النظام في العراق وسورية وليبيا وبين تمكين تنظيمي القاعدة و"داعش" في هذه الأماكن، كان ردهم رافضاً وديماغوجياً. وللسم والهستيريا اللذين اتهم من خلالهما السيد كوربين بالسماح للمفجرين بالإفلات أخلاقياً الكثير من الصلة بالانتخابات العامة، لكنهما قد توحيان أيضاً بشك مخفي جيداً بأن ما يقوله صحيح.
يشكل تفجير مانشستر جزءاً من إرث التدخلات العسكرية البريطانية في الخارج، ولكن هل يكون هذا التاريخ مفيداً في منع هذه الكوارث من نوع تفجير مانشستر من الحدوث مرة أخرى؟ سيكون تحليل هذه الأخطاء السابقة مهماً لإيضاح حقيقة أن من المستحيل محاربة الإرهابيين وإلحاق الهزيمة بهم طالما أنهم يتمتعون بملاذات آمنة في بلدان لا توجد فيها حكومات أو سلطة مركزية. ويجب عمل كل شيء لملء هذه الفراغات، وهو ما يعني أن التصدي للإرهاب يتطلب انتهاج سياسة خارجية معقلة مكرسة لتلك الغاية.
ليس من قبيل الدعاية للرئيس السوري بشار الأسد القول بأن أي تقييم مستنير لميزان القوى في سورية منذ العام 2012 وصاعداً -والحلفاء الأجانب الأقوياء الداعمين لكل جانب- أظهر أن من المرجح أن يمكث الأسد في السلطة. وكان صب الوقود على نار الحرب مع التوقع أنه سيذهب عملية غير عقلانية عملت كثيراً لصالح تنظيمي القاعدة و"داعش" وأولئك الذين ربما يستهدفون بريطانيا.
إن القضاء على الملاذات الآمنة للمفجرين هو شيء ضروري إذا ما أريدت إزالة التهديد بمزيد من الهجمات. ولن تكون الإجراءات الأمنية في داخل بريطانيا كافية أبداً لأن أهداف القاعدة و"داعش" هي الشعب البرطاني برمته. ولا تمكن حمايتهم كلهم، خاصة وأن الوسائل المستخدمة في قتلهم قد تكون سيارة أو سكين مطبخ. وبهذا المنطق، سيستطيع المنفذ المرور دائماً، ولو أن من الممكن جعل قيامه بذلك أكثر صعوبة عليه/ أو عليها.
الأخبار الأفضل هي أن عدد شبكات الجهاديين السلفيين ربما تكون صغيرة جداً، مع أن "داعش" والقاعدة يريدان تكوين الانطباع بأن مجساتهما موجودة في كل مكان. وغني عن البيان أن هدف الإرهاب هو، بعد كل شيء، إشاعة الخوف. وتشير التجربة في أوروبا على مدار الأعوام الثلاثة الماضية إلى أن عدد الخلايا محدود، لكن من الممكن إرسال الجهاديين الملتزمين من ليبيا أو العراق أو سورية عبر تفعيل وتنظيم متعاطفين محليين لارتكاب الفظائع.
ثمة هدف آخر للإرهاب هو التسبب في إثارة رد فعل مفرط، وفي هذه الحالة تتم ملاحقة أو معاقبة كل المسلمين في بريطانيا. والمصيدة هنا هي أن تصبح الدولة ضابط التجنيد لكل التنظيمات التي تحاول كبحها، وربما يفعل برنامج "المنع" هذا فقط. كما أن مثل هذا النهج يأتي بنتائج عكسية لأنه يجعل الكثيرين من الناس موضع اشتباه بحيث تكون هناك القليل جداً من الموارد للتركيز على العدد الأصغر بكثير من الناس الخطيرين فعلاً.
سوف تفضي الفظاعات مثل هجوم مانشستر حتماً إلى احتكاك بين المسلمين وغير المسلمين. وإذا وقعت المزيد من الهجمات، سوف تزداد مشاعر الغضب الطائفية والإثنية. وقد يكون للاستخفاف بالدافع الديني والقول إن القتلة "لا يمتون بصلة للإسلام الحقيقي" نوايا حميدة، لكنها تنطوي على عيب بكونها غير صحيحة بوضوح. لقد كان كل القتلة متشددين دينيين مسلمين.
قد يكون من المفيد أكثر قول أن معتقداتهم العنيفة تستقي جذورها من مذهب إسلامي متشدد واحد تعتنقه قلة جداً من سكان العالم الإسلامي. ويجب أن لا يكون هناك شيء غامض إزاء السبب والأثر اللذين أفضيا إلى تفجير مانشستر. ومع ذلك، فقد ارتكبت بريطانيا نفس الأخطاء في العراق في العام 2003، وفي أفغانستان في 2006، وفي ليبيا في 2011، وهي ترتكبها في سورية في الفترة نفسها.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
We Can’t Let Britain Become a Vast ISIS Recruiting Station

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات