عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jan-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )
 
دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر
الحلقة الثامنة
الراي - بلاد الشام والأتراك : - هذه فترة فاجعة ودموية في تاريخ الدولة العثمانية ، لم تكن سياسة الدولة العثمانية واحدة في كل مراحل حكمها للبلاد العربية ، ولا نستطيع أن نطلق حكما واحدا على كل المراحل ، ولا على سياستهم في كل الولايات ، رغم أن الإدارة تنطلق من منطلقات واحدة ، تنطلق من اسطنبول ، لكن لبلاد الشام حالة خاصة ، ولدمشق حضورها كمركز لولاية سورية ، ولحلب مثلا حالة مختلفة ، فحلب كانت دائما هي المعبر من تركيا إلى بلاد العرب كلهم ، فهي الممرّ الذي يعتبره الأتراك موطئ قدم لهم .. هنا تداخلت الحالة العربية – التركية ، الموسيقى تتقارب ، المطبخ التركي يدخل في أطعمة أهالي حلب ، ومطبخ بلاد الشام يتسربّ إلى المطبخ التركي .. المذاق متقارب ، والأسر التركية تستقرّ في حلب ، في حين تستقرّ أسر حلبية على أطراف الأراضي التركية ، هنا في حلب يتملك الأتراك الأراضي ، ويتزاوجون مع أهالي حلب ، وهنا تسمع في البيوت الحلبية الكلمات التركية في البيوت ، بفعل هذه المصاهرات والعلاقات المتداخلة ، هذا فقط في حلب ، أما دمشق فأمر آخر ، أما التجارة في حلب فهي السرّ الأبدي الذي لم تستطع كل المتغيرات السياسية أن تؤثر فيه ، وحلب تحديدا هي أرض التجارة .. هنا الخانات التي تلتقي فيها تجارة العالم ، وتمرّ من بلاد الشام إلى أوروبا .. هنا يتجمعّ الحرير والبهارات وكلّ أطايب الشرق التي يحلم بها أهالي الشمال الأوروبي الذي تتجمد فيه الحياة شتاء ، ومن خلال بضائع الشرق ينتقل دفء الشرق إلى دمائهم ، فيبعث فيها الحرارة ..وهنا في حلب يستقر قناصل الغرب ، ولهم سطوة على تجار الجاليات الغربية من فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والبرتغال والمدن الإيطالية وتجار بيزنطة الذين يعرفون سرّ الحرير .. وهنا في حلب في « خان الحرير « تجتمع اللغات والثقافات والجنيهات الذهبية والعملات من كلّ أنحاء العالم ..هذه هي حلب عبر تاريخ الدولة العثمانية الطويل في بلاد الشام ، لهذا كانت الدولة العثمانية ( وما زالت تركيا اليوم ) تعتبر حلب هي موطئ القدم التركية ، وما زال الحلبي الذي تسري ذاكرة التجارة في شرايينه ، يعتبر تركيا هي موطئ قدمه ، والحلبي بالفعل تسري التجارة في دمائه ، وقديما كان يقال ، في كل مكان في العالم تجد تاجرا حلبيا حتى لو كان أعرجا ..! .
 
هذه هي بلاد الشام ، أما دمشق فحالة لا مثيل لها ، هي مركز الإدارة لبلاد الشام عبر التاريخ ، منذ القدم ودمشق هي المركز ، هكذا عرفها السريان وشعوب سوريا عبر حضارة الشرق العريقة ، وهكذا عرفها الغرباء من الحكام من اليونان والهللينيين والرومان والبيزنطيين ، وأخيرا مع العرب وانتقال كرسي العرب من جزيرة العرب مع بني أمية إلى دمشق ..هنا مركز الكون النابض بالمعابد القديمة والأسواق والغوطة المخضرة منذ الأبد .. لقد عرف الأتراك هذا السرّ منذ أن جاءوا إلى بلاد الشام حكاما ، عام 1516 م ، وهزموا دولة المماليك التي كانت نيابة دمشق مركزهم في بلاد الشام ، وعينهم الثانية بعد القاهرة ، ومنذ عام 1516 م والأتراك يعرفون أن دمشق هي مركز العروبة النابض الذي ما زالت نكهة بني أمية تفوح فيها ، وتغمر بساتينها وتعطر ياسمينها الشامي ، وتغمر أسواقها برائحة البهارات والعطور .. لا أظنني ابتعدت عن الحديث عن دمشق ، فهي مفتاح السلطة لكل كيان يحاول السيطرة على بلاد العرب .. نعم ، إنها كلمة السرّ التي تعرفها كلّ القوى السياسية الطامعة بالسيطرة على العرب ..ومن هنا نبدأ بالحديث عن زمن جمال باشا السفاح في دمشق ، الذي أحسّ منذ بدايات سلطته في دمشق ، بأن نبض العروبة فيه أقوى من كلّ المحاولات ، وأن سياسة الاتحاد والترقي تبدأ من كسر شوكة أحرار العرب في دمشق .
 
زمن جمال باشا السفاحّ في دمشق :
كان مقرّ عمل تحسين قدري في حلب ، وهو الدمشقي الذي سكنت أسرته في القنوات ، وكانت دمشق آنذاك مركز النشاط الفكري الذي ينبض بالروح القومية ، كان أهل الفكر والرأي والسياسة في المشرق العربي ، يتطلعون إلى دمشق ، وكان الولاة الأتراك من حزب الاتحاد والترقي يعرفون هذه الحقيقة ، فكانوا يحاولون كسر شوكة العرب بكسر أنف دمشق ، لا كسر االله أنفك يا دمشق ، لا بيد الترك ولا بيد غيرهم ..! فأنفك الشامخ كان عبر التاريخ أنف العروبة الشامخ دائما ، مهما كان حكامك .. أنت قلب العروبة، ومن هنا نبدأ .
 
في مطلع شهر كانون الأول من عام 1914 م ، غادر زكي باشا الحلبي الأصل دمشق ، من موقعه الكبير قائدا عاما للجيش الرابع المرابط في الشام ، ليشغل منصب الممثل للجيش التركي لدى إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني ، وقد ترك دمشق يوم 5 / 12 / 1914 م ، ليصلها في اليوم نفسه سيء الذكر جمال باشا الذي عرفه أهالي الشام ب ( السفاح ّ ) لسوء سيرته وقسوته وبطشه .
 
يقول تحسين قدري في مذكراته : ( لم يظهر على جمال باشا في بادئ الأمر ما ينمّ عن العداوة تجاه العرب وشعورهم القومي ، بل العكس ، فقد ألقى خطابا في دمشق يدعو فيه للتآخي بين العرب والأتراك ، مماّ شجعّ العرب الحاضرين على إنشاد الأناشيد القومية في حضوره ، ولكن ما حصل بعد ذلك بددّ الآمال العربية ، فقد كانت الاستعدادات على أشدها للتحضير للهجوم على قناة السويس التي كانت تحت السيطرة البريطانية ، وبدل أن يستعين بالفصائل العربية في حربه ضد الإنجليز ، فقد حلّ جمال السفاحّ كتيبة ضباط الاحتياط العرب ، وكانت هذه من أوائل أعماله التعسفية ضد العرب ..) وقد نقل الدكتور أحمد قدري في مذكراته في الصفحة 39 خطبة جمال باشا الأولى في دمشق ، ومنها : ( أؤكد لكم أن الأماني التركية والأماني العربية لا تتعارضان مطلقا ، فالترك والعرب ليسوا سوى إخوان في غايتهم الوطنية ، وإن هذين الشعبين مقضي عليهما بالفناء في اللحظة التي يتخاذلان فيها ..) ( ويبدو أن جمال باشا أحسّ بخطورة تجمعّ ضباط العرب الشباب في دمشق ، وتأكد له أن هذه خطوة غير حكيمة قد تؤثر على سياسة الاتحاد والترقي ، وأن تشتيت شمل هؤلاء الضباط الشباب العرب ، وعدم تجميعهم في دمشق تحديدا ، يضعف من احتمالية توحيد صفوف العرب ، ووضع قوة عسكرية بيدهم في المركز القوي دمشق ، ويبدو أن تحسين قدري وهو العضو السريّ في جمعية العربية الفتاة ، أحسّ في أعماقه أن هذا هو الزمن الذي يجب عليه أن يكون في دمشق ، فهو دمشقي أولا وأخيرا ، وشقيقه الأكبر زكي يشغل منصبا إداريا معتبرا بعد عودته من اسطنبول ، أما شقيقه الثاني الطبيب الدمشقي أحمد ، مؤسس ومهندس جمعية العربية الفتاة ، فقد عاد من باريس طبيبا مختصا في الأمراض الجلدية والزهري ، وله عيادته المعروفة في حي القنوات في الشابكلية قرب منزل العائلة ، حيث ما زال الوالد العسكري المخضرم يعيش ، في حين كانت والدتهم قد انتقلت إلى الرفيق الأعلى بعد إصابتها بمرض الكوليرا الذي كان ينتشر بين الحين والآخر في البلاد العثمانية ويحصد الأرواح ، إذن ، كانت هذه هي فرصة تحسين للالتقاء بالعائلة التي لم تكن تتجمع كعائلة من قبل ، بسبب ظروف الوالد في عمله العسكري ، وخروج الأبناء للدراسة في اسطنبول وباريس ، ولا يذكر تحسين قدري الكثير عن شقيقته الوحيدة عصمت ، وبالتأكيد فإنها أيضا كانت تعيش في دمشق .. إذن ، دمشق هي الحضن الذي يحلم تحسين قدري بأن يجمعه بعائلته ، وهكذا كان ..!
 
يقول : ( قررت طلب الانتقال إلى سوريا لأقوم بواجبي تجاه الوطن والقومية العربية ، فطلبت الإجازة للذهاب إلى دمشق لزيارة الأهل ، وبعد الوصول ، طلبت الانتقال إلى الجيش الرابع الذي يقوده جمال باشا ) ويقدمّ تحسين قدري تفاصيل لرحلة العودة إلى دمشق ، وهي تفاصيل طيبة لأنها تقدم صورة للحياة العامة والعسكرية معا ، وسننقل ما أورده بالتفصيل :
( مررنا من سيواس إلى اسطنبول ، وهناك رافقت زوجة أخي زكي « أم منذر « ، وأخذنا القطار العسكري من محطة حيدر باشا ، وبما أني كنت ضابطا ، فقد كنت في عربة الدرجة الأولى في القطار ، وصلنا « بوزانتي « وذهبت إلى مقرّ المنزل لزيارة الضباط الذين كانوا زملائي في المدرسة الحربية ، احتفلوا بي وشربنا الشاي ، وكان الجوّ شديد البرودة ، وهناك في القطار وجدت شخصا اسمه « فالح رفقي « في عربة الحمل والحيوانات ، وهو يرتجف من شدة البرد ، وكان نائب ضابط احتياط فخلعت عليه « اليامش « وذكرت له إن هذا الرداء عزيز عليّ لأنه ذكرى من جبهة أرضروم ، وأريده حين وصولك دمشق ، وهكذا حميته من البرد ، وأنقذته من المرض المحتمّ ، وهو بدوره شكرني كثيرا ، ودعا لي وما إلى ذلك ، فأخذت عنوانه في الجيش الرابع والقطعة العسكرية المرسل إليها ، وانتظرته لفترة تزيد على الاسبوعين في دمشق ، لكنه لم يرجع لي اليامش ، فكتبت إليه رسالة شديدة اللهجة ، وطلبت منه إعادة « اليامش « فورا ، والذي اشتريته من أرضروم بثلاث جنيهات ذهبية ، وذكرت له أنني سوف أشكوه لقائد الفوج إذا لم يرسله ..)
وللتذكير ، ففالح رفقي هو عينه الرجل الحقوقي الذي أرسله جمال باشا للتحقيق في مسألة إبادة الأرمن والتي قام فيها فخري باشا في أورفه ، ورآها تحسين قدري رأي العين ، وكان شاهدا على الموت والوحشية التي ارتكبها فخري باشا بحق المدنيين الأرمن ، وقد أشار يومها تحسين قدري إلى تواطؤ فالح رفقي مع فخري باشا ، وإخفاء الحقائق الفاجعة في هذه المسألة الإنسانية ، التي جعلت تحسين قدري ينقذ طفلتين من أطفال هذه المذبحة ، ويأخذهما معه إلى دمشق ، ويودعهما ببيت شقيقته عصمت ثلاث سنوات ، كانتا فيه مثل الأخوات حتى استردهما من بقي من عائلتيهما ، وقد تبرع تحسين قدري لاحقا ، وأوصل أكثر من مائتي عائلة أرمنية في قافلة متجهة إلى مصر ، حيث أنفق الشريف الحسين بن علي على نقلهم إلى مصر من جيبه الخاص .. هذا هو فالح رفقي الذي رآه تحسين قدري في القطار مقرورا من شدة البرد ، وأعطاه معطفه ليتقي فيه شرّ البرد القارص ، وأخذ منه وعدا بإعادته إليه ، لأنه ذكرى لديه من ميدان أرضروم ، ويبدو أن تحسين قدري أراد من ذكر هذه الحادثة وربطها مع رؤيته لفالح رفقي في أورفه ومساندته البشعة لفخري باشا الذي ارتكب أعمالا وحشية لا تصدق بحق الأرمن ، أراد إدانة الفساد الذي رآه من جديد ، بمتابعة مسيرة فالح رفقي العسكرية ، فقد أكدّ انه بعد نكثه بالوعد ، وعدم إعادة المعطف ، رآه تحسين قدري في موقع السكرتير الخاص لجمال باشا السفاح ..!
 
يقول باستغراب وألم : ( ذهبت إلى مقرّ قيادة جمال باشا السفاح بالقدس في الطور ( السناتوريوم الألماني ) لكي أنهي معاملة نقلي إلى دمشق ، وأيضا لكي أقابل زملاء الدراسة ، وهناك فوجئت بما رأيت ..! النائب الضابط فالح رفقي معززا مكرما بالدائرة الحقوقية ، وسكرتيرا خاصا لدى جمال السفاحّ ، لكونه يجيد اللغة التركية ويتكلم فيها بطلاقة ..وعندما رأيته نظر إليّ نظرة كلها لؤم .. وطبعا لم أطلب منه « اليامش « ...! ) ، هذه هي الشهادة الحية التي أراد تحسين قدري في مذكراته أن يقدمها لمظاهر الفساد التي عاينها بأم عينه ، واعتبر فالح رفقي هو النموذج المؤسف الذي يمثل حالة فساد صارخة شاهدها بعينه ، وعندما رآه لم يطلب منه معطفه الذي تعهد بإعادته إليه حالما يصل دمشق .. وبذلك تكون شهادة تحسين قدري على فساد العصر كله يختصر بحالة فالح رفقي ..!.
 
تحسين قدري عضوا في جمعية العربية الفتاة ومرحلة جديدة في حياته :
عند زيارته لمقرّ قيادة جمال باشا السفاحّ في الطور بالقدس ، رأى تحسين قدري العديد من زملائه في المدرسة الحربية وقد عينوا ضباطا في المقراتّ ، وقد ساعده هذا الواقع على الوصول إلى منصب « ضابط أركان في مركز قيادة فخر الدين باشا المعروف « ببطل المدينة المنورة « ، ويعللّ تحسين قدري أهمية الموقع الذي تسلمه عند فخري باشا إلى أن كتاب تعيينه صدر مباشرة من جمال باشا ، فاعتقد فخري باشا انه مدعوم منه ، ومن « رجالاته ..» أو كما قال « من محاسيبه « أي محسوب على جمال باشا ، لدرجة أنه يقول بأنه كان يشعر بأن فخري باشا « كان يخشاني ...! « وقد ساعده إتقانه التامّ للغة التركية ، ويبدو أن هذه الثقة كانت مفتاح المرحلة الجديدة في حياة تحسين قدري ، لأنها مكنته من خدمة جمعية العربية الفتاة بسريةّ وإخلاص دون ان يثير الشبهات حوله ، يقول : ( استطعت الإطلاع على تفاصيل ما كانت تعلمه السلطات من تشكيل تنظيمات جمعية العربية الفتاة ، ومن ناحية أخرى فقد أدخلني أخي أحمد في الجمعية حسب التنظيم السريّ ، وأنيط بي أخطر واجب آنذاك وهو التخفي والإطلاع على نوايا حزب جمعية الاتحاد والترقي ، وقيادة جمال السفاحّ وغيره . ( وابتداء من هذه المرحلة التي بدأت في حياة تحسين قدري بانضمامه إلى جمعية العربية الفتاة ، واقترابه من شقيقه الدكتور أحمد قدري ، بدأت مرحلة جديدة في حياته ، وأصبح هاجسه هو العمل بخط هذه الجمعية القومية السرية التي لم تستطع القيادة الصارمة والقاهرة لجمال باشا السفاح أن تصل إلى رؤوسها ببساطة ، وذلك بسب السرية التامة التي كانت تتم فيها عملية قبول الأعضاء ، إذ كان يتم إدخال العضو الجديد بسرية تامة على يد عضوين فقط من الجمعية دون أن يعرف غيرهما ، ومن الطريف أن يكون تحسين قدري شقيق مهندس الجمعية ويدخل عضوا فيها على يد شقيقه دون أن يعرف باقي الأعضاء ، والأعجب من هذا أن يعتبر « من محاسيب « جمال باشا وأن يكون من المقربين من فخري باشا ، وهو من أعضاء الجمعية العربية الفتاة التي كان جمال باشا يغتال رؤوسها من أهل الفكر والقلم .. !
 
هذا هو زمن جمال باشا الذي كان يقوم على الملاحقة والسجن والتعذيب والشنق ونفي الأسر الشامية والعراقية إلى بلاد الأناضول ، وفي الوقت نفسه ، يعجز عن معرفة الدور السريّ لأعضاء الجمعية ومنهم العاملين في الجيش وبالقرب من قياداته .. أليس هذا هو سرّ نجاح المرحلة القادمة ، والتي شهدت قدوم الأمير فيصل بن الحسين مندوبا عن والده الشريف الحسين بن علي شريف مكة 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات