عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Jun-2017

الحصن الأخير للصحافة المربحة

الغد-شاشي ثارور
 
نيودلهي- يبدو أن الصحف تواجه الانقراض الوشيك في مختلف أنحاء العالم، مع تسبب الهجرة الجماعية إلى الإنترنت في ركود أرقام توزيعها وانهيار إيراداتها من الإعلانات. ولكن هذا ليس واقع الحال في الهند.
في الغرب، استغنى الشباب إلى حد كبير عن الصحيفة الصباحية الورقية التي تصل إلى المنازل. وبدلاً من ذلك، سعوا إلى الأخبار كلما اختاروا ذلك، باستخدام أجهزة الحاسوب اللوحية أو المحمولة أو الهواتف النقالة. ومع تراجع إيرادات الإعلان بفِعل عمالقة الإنترنت مثل فيسبوك وغوغل، انخفضت أرباح الصحف إلى مستويات متدنية للغاية. وواجهت الصناعة العديد من حالات الإفلاس في السنوات الأخيرة، واستغنت الصحف التي استمرت في العمل عن أعداد كبيرة من العاملين، وخاصة في مكاتبها الخارجية. وفي الولايات المتحدة، انخفض عدد الصحفيين المتفرغين بنحو 20 % منذ العام 2001.
وحتى العديد من الصحف الكبرى إما أغلقت أو اكتفت بالنشر على الإنترنت. وأصبح الفضاء السيبراني في الطليعة. ومع ذلك، وفي حين نجحت بعض الصحف المعروفة -مثل نيويورك تايمز، والواشنطن بوست، والغارديان في المملكة المتحدة- في فرض حضور قوي على الإنترنت، فإن هذا لا يكفي.
في حالة الغارديان، يستقبل موقع الصحيفة على الإنترنت نحو 38 مليون زائر يومياً، مقارنة بتوزيع 200 ألف نسخة فقط من العدد المطبوع. لكن زوار الإنترنت يطالعون الصحيفة بالمجان، الأمر الذي يجعل صحيفة الغارديان تنزف المال. ولا تفيد حقيقة أن عائدات الإعلان على الإنترنت -التي تمثل بالنسبة لأغلب الصحف نحو 10 % إلى 15 % فقط من إجمالي العائدات- لا يمكنها أن تنافس عائدات الإعلانات المطبوعة في الماضي.
وَلَّد كل هذا شعوراً واضحاً بعدم اليقين في مدارس الصحافة. ففي العام الماضي، وللسنة الثالثة على التوالي، اعتبرت دراسة "كارير كاست" الاستقصائية وظيفة "مراسل صحفي" أسواً مهنة على الإطلاق يمكن أن يسعى إليها أي شاب في الولايات المتحدة. (من باب الإفصاح الكامل والمحزن إلى حد ما: يعمل أحد أبنائي صحفياً في الواشنطن بوست).
مع ذلك، ما تزال الصحف المطبوعة في الهند صناعة موفورة الصحة إلى حد مذهل. فالهند الآن موطن لأكبر عدد من الصحف المدفوعة على مستوى العالم، والعدد مستمر في النمو، من 5767 في العام 2013 إلى 7871 في العام 2015. وعلى مدار الفترة نفسها، توقفت 50 صحيفة عن النشر في الولايات المتحدة، التي لديها أقل من ربع عدد الصحف المطبوعة في الهند.
وعلاوة على ذلك، تُظهِر أرقام قراءة الصحف الصادرة عن مكتب مراجعة التوزيع هذا الشهر أن توزيع الصحف على مدار العقد الماضي سجل نمواً كبيراً في الهند، من 39.1 مليون نسخة في العام 2006 إلى 62.8 مليون نسخة في العام 2016 -بزيادة قدرها 60 %، وهي زيادة لا نظير لها في العالَم. وتشير البيانات المقارنة للعام المتاح الأقرب، 2015، إلى انخفاض أرقام التوزيع في كل الأسواق الإعلامية الكبرى تقريباً: بنحو 12 % في المملكة المتحدة، و7 % في الولايات المتحدة، و3 % في ألمانيا وفرنسا، في حين ارتفعت أرقام توزيع الصحف بنحو 12 % في الهند.
لا يمكننا أن نعزو قوة صناعة الصحف المطبوعة في الهند إلى الافتقار إلى نمو القدرة على الوصول إلى الإنترنت: ففي العقد الماضي، ارتفعت نسبة سكان الهند الذين لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت من أقل من 10 % إلى نحو 30 %.  فما الذي يفسر ازدهار سوق الصحف في الهند إذن؟
يتلخص أحد العوامل الأساسية في ارتفاع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في الهند، والذي قفز إلى 79 %، وهو ما يرجع بشكل كبير إلى التحسن الذي طرأ على منطقة "حزام الأبقار" في الولايات الشمالية -قلب المنطقة الناطقة باللغة الهندية. ففي ستينيات القرن العشرين، عندما كانت مهارات القراءة والكتابة لدى الناطقين باللغة الهندية أقل من مثيلاتها بين الناطقين باللغات الإنجليزية والمالايالامية والبنغالية بدرجة هائلة، كانت أرقام توزيع الصحف المطبوعة باللغة الهندية منخفضة. أما اليوم، فقد أصبحت على القمة: للعقد الثاني على التوالي، شهدت الصحف الهندية أسرع نمو، مع ارتفاع متوسط التوزيع بمعدل نمو مركب سنوي بلغ 8.78 % منذ العام 2006.
كما ساعدت التنمية الاقتصادية صناعة الصحف في الهند. وفي واقع الأمر، يستمد العديد من الهنود الذين أصابوا الثراء حديثا الأخبار الوطنية والدولية من قنوات التلفزيون. ولكن الأحداث الأقرب إلى الديار تغطيها الصحف المحلية على أفضل وجه. بل إن العديد من الصحف تظل أفضل وسيلة للوصول إلى هذه الشريحة من المجتمع الهندي.
من المؤكد أن أغلب وكالات الأنباء الرائدة في الهند كانت حريصة على تطوير وسائلها الرقمية. وقد أنشأت تطبيقات جوالة لتنزيل الأخبار من مواقعها، كما تهدي قراءها على نحو متزايد ملخصات قصيرة للأنباء البسيطة المصممة لشاشات الأجهزة المحولة الصغيرة.
غير أن العديد من القراء الجادين يرون أن مثل هذه الخيارات ليست بديلاً لمظهر وطبيعة المقالات المطبوعة في الصحف الورقية؛ إذ تقدم الصحف المطبوعة الميزة الإضافية المتمثلة في الموثوقية، في بلد حيث لا يمكن فيه ضمان الوصول إلى الإنترنت طوال الوقت، نظراً لعدم استقرار التيار الكهربائي الذي ينقطع بشكل متكرر حتى في العاصمة. ويظل مدمنو الأخبار في احتياج إلى صحيفة ملموسة يمكنهم قراءتها تحت ضوء الشمس من دون الحاجة إلى بطارية مشحونة بالكامل.
بالنظر إلى كل هذا، قد لا يكون من المستغرب كثيراً أن يظل المعلنون في الهند مخلصين لجاذبية أحبار الصحف وليس المؤشر الوامض على شاشة. وفي تناقض حاد مع التجربة الغربية، ما يزال الإعلان يشكل المصدر الرئيسي لإيرادات صناعة الصحف الهندية.
بطبيعة الحال، قد لا يستمر هذا الاتجاه إلى الأبد. ولكن الصحف الهندية ليست عُرضة لخطر العجز عن الاستمرار مالياً في الوقت الحالي. وفي حين ينمو الإنفاق الإعلاني الرقمي بقوة، بمعدل سنوي يقرب من 30 %، فإنه ما يزال يشكل 8 % فقط من إجمالي الإنفاق الإعلاني في الهند. ومن ناحية أخرى، ينمو الإعلان التلفزيوني بمعدل 8 % والمطبوع بمعدل 4.5 %.
ويتوقع مكتب مراجعة التوزيع أن يتعادل هذا الفارق بحلول العام 2021، مع بلوغ عائدات الإعلان للوسائط المطبوعة والرقمية مرحلة التكافؤ. ولكن، حتى في ذلك الوقت، سوف تتمتع الوسائط المطبوعة بتيار صحي من عائدات الإعلان الذي لا تملك نظيراتها الغربية إلا أن تحلم بمثله.
وهكذا، ما تزال قصة الإعلام المطبوع في الهند قصة سعيدة. وسوف تبقى الهند النامية بقوة جنة للموهوبين في عالم الصحف لفترة من الوقت. وما يزال هناك نحو 280 مليون شخص لم يتعلموا القراءة والكتابة بعد. وسوف يرغبون في الحصول على صحفهم أيضاً عندما يتعلمون القراءة والكتابة.
 
*وزير الدولة لتنمية الموارد البشرية في الهند، كتابه الأخير هو "باكس إنديكا: الهند والعالم في القرن 21"

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات