عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Apr-2018

الهند وصحف الفضائح

 الغد-شاشي ثارور

نيودلهي- عندما غرقت نجمة السينما الهندية سيرديفي كابور في حوض الاستحمام في أحد الفنادق في دبي عن عمر يناهز 54 عاما، أبرزت التغطية الإعلامية لوفاتها المأساوية كل ما هو خاطئ في الإعلام الهندي. فسيرديفي -التي عادت إلى السينما بعد توقف لمدة 15 عاما بنجاح منقطع النظير من خلال فيلمين ناجحين للغاية خلال السنوات الست الماضية- كانت تعيش حياة متواضعة وتقليلدية مع زوجها المنتج بوني كابور، وبناتهما المراهقات. ولم تكن تلبس أو تتصرف بطريقة يمكن أن تخدم صحف الفضائح أو تشعل تكهنات صادمة.
لكن وفاة سيرديفي أصبحت موضوعا للقصص الفظيعة، خاصة على التلفزيون، عن ما يمكن أن يكون قد حصل خلف الباب المغلق لحمامها، لدرجة أن أحد مقدمي البرامج التلفزيونية حاول أن يمثل كيفية الغرق في حوض الاستحمام. كما تبنى أحد السياسيين المشهورين جميع نظريات المؤامرة، وذهب بعيدا في تحليلاته لدرجة أنه قال أن هناك مؤامرة مقصودة فيما يتعلق بموتها.
مرحباً بكم في المشهد الإعلامي الاستثنائي في الهند، حيث تتولى السلطة الرابعة مهام الشاهد وممثل الادعاء والقاضي وهيئة المحلفين والجلاد. ومع وجود أعداد كبيرة من القنوات التلفزيونية التي تتنافس على مدار الساعة على نفس المشاهدين، وتستهدف زيادة نسب المشاهدة، تخلت الاخبار التلفزيونية منذ أمد بعيد عن التظاهر بتقديم خدمة عامة، وقامت عوضاً عن ذلك -وبشكل صارخ- بتفضيل الإثاره على المحتوى.
وليس الوضع أفضل كثيرا عندما يتعلق الأمر بالصحافة المطبوعة؛ فالصحف تتنافس اليوم في مشهد إعلامي مزدحم ومتغير بسرعة، حيث شاشات التلفزيون -وليس الصحف- هي التي تحدد الايقاع. ففي كل صباح، يترتب على الصحف أن تصل إلى القراء الذين شاهدوا التلفزيون في اليوم السابق. وعوضا عن تقديم السياق والعمق والتحليل، تقوم الصحف بنشر عناوين براقة مثيره للغرائز أو مستفزة.
وكانت النتائج مقلقة إلى حد كبير. فإذاعة الآراء هي أرخص طريقة لملء ساعة البث، وعادة ما يحقق مقدمو البرامج الذين يميلون إلى الصراخ أعلى نسب المشاهدة. وهو ما يعزز الحافز للانخراط في التكهنات المثيرة، بغض النظر عما إذا كان لها أساس من الصحة من عدمه، كما حصل في قضية سيرديفي.
لكن الأهم من ذلك هو أن الاندفاع من أجل التغلب على التلفاز من خلال نشر سبق صحفي أضعف الحافز لدى الصحفي للتحقق من الخبر والادعاءات المرتبطة به، علما بأن هذا الانحدار في المعايير المهنية جعل الصحف عادة ما تتواطأ مع مروجي "التسريبات" والمزاعم الخبيثة التي يتم التلاعب بها. وقد أصبحت الفروقات بين الحقيقة والرأي والتكهنات وبين التقارير الإخبارية والشائعات وبين المعلومات ذات المصادر المعروفه والمزاعم التي لا أساس لها من الصحة –وهي الأمور التي يتعلمها طلبة الصحافة والإعلام في طول العالم وعرضه- أصبحت غير ذات صلة في وسائل الإعلام الهندية اليوم.
يشوب الوضع الحالي المتعلق بالحقائق تردد كبير في إصدار التصحيحات والتنويهات، مما يعني أن تؤدي الأخبار الصادمة التي لم يتم التحقق من صحتها إلى أضرار كبيرة. وعندما يتم نشر التصحيح أو التنويه، فعادة ما يكون ضعيفا جدا ومتأخرا جدا بحيث لا يستطيع الأشخاص الأبرياء إنقاذ سمعتهم.
عايشت بنفسي مساوئ الصحافة الهندية بعد أن تعرضت لسيل من التكهنات والإشاعات والإتهامات وما هو أسوأ من ذلك خلال السنوات الأربع الماضية التي تلت الوفاة المأسوية لزوجتي. وعوضا عن إظهار الانضباط والحذر اللذين يتوقعهما المرء من الصحافة المسؤولة التي تغطي مسائل الحياه والموت، قامت الصحافة بتوزيع إتهامات لا أساس لها من الصحة، والتي تتعلق بالقتل والانتحار.
استمرت تلك المحاكمة الإعلامية المتعلقة بوفاة زوجتي والتي أشعلتها تسريبات ذات دوافع سياسية وبشكل مقصود لأطول فترة ممكنة، وتحولت إلى مسرحية هزلية مع برامج حوارية تلفزيونية متلصصة تناقش اتهامات وافتراضات غير مستندة إلى أي دليل أو بحث أولي. وتم نشر ادعاءات خبيثة من دون إخضاعها للنقد، كما فشل مدراء التحرير في توجيه حتى أبسط الأسئلة عن مدى صحة تلك الادعاءات، علما بأن تجربتي لم تكن فريدة من نوعها.
من غير المفاجئ أن الثقة في الصحافة الهندية تتآكل، حيث لخص لي صديق المشكلة لي باقتضاب عندما قال: "عندما كنت شابا، كان أبي لا يصدق أي شيء ما لم يتم نشره في جريدة تايمز أوف إنديا. واليوم لم يعد يصدق أي شيء تنشره جريدة تايمز أوف إنديا".
يجب أن يشكل هذا الواقع مصدرا للقلق بالنسبة لجميع الهنود الذين يفكرون بطريقة صحيحة. فالصحافة الحرة هي شريان الحياة للديمقراطية، والصحافة الحرة هي مثل الطين الذي يلعب دورا مهما في تماسك لبنات حرية بلادنا، والنافذة المفتوحة في تلك اللبنات.
من المفترض أن الصحافة تعمل على تمكين المواطنين الأحرار من تبني اختيارات مستنيرة عمن يحكمهم وكيفية عمل ذلك. ومن خلال النظر بشكل نقدي في أعمال المسؤولين المنتخبين أو قلة أعمالهم، فإن من المفترض أن يكون هولاء المواطنون قادرين على التحقق من أن يخضع أولئك الذين يحكمون للمساءلة أمام من يضعهم في تلك المناصب.
لكن الصحافة الهندية تقوم اليوم عوضا عن ذلك بنشر الأخبار بطريقة متهورة، أو تنشر أخبارا عابرة ليس لها أي تأثير على رفاهية الجمهور. كما تركز الصحافة بشكل دائم على الأخبار السطحية والمثيرة. وبهذه الطريقة، تعمل الصحافة على التقليل من شأن الخطاب العام وتتخلى عن مسؤولياتها كجهة حامية للديمقراطية ومدافعة عنها. وهذا لا يعني المطالبة بفرض قيود على الصحافة الحرة - لا يوجد شخص ديمقراطي هندي قد يوجه مثل هذه الدعوة- لكن هذه مطالبة بصحافة أفضل.
تحتاج الحكومة إلى صحافة حرة ومهنية لتكون أمينة وفعالة بحيث تكون بمثابة مرآه ومبضع. وإذا أرادت الهند أن تُؤخذ على محمل الجد كلاعب عالمي مسؤول وكنموذج لديمقراطية القرن الحادي والعشرين، فيجب علينا أن نأخذ أنفسنا على محمل الجد ونتصرف بشكل مسؤول أولا. ولعل أفضل بداية لنا هي من خلال صحافتنا التي تعتبر واجهة الهند التي يرانا الناس من خلالها ويحكمون علينا بموجبها -سواء بشكل عادل أو غير عادل.
 
 
*هو وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة ووزير الدولة السابق للشؤون الخارجية ووزير الدولة السابق لتنمية الموارد البشرية في الهند، وهو حالياً رئيس اللجنة البرلمانية الدائمة للشؤون الخارجية ونائب في البرلمان الهندي عن حزب المؤتمر.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات