عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-May-2018

عن الاختيار المفهومي وصيغ تأويله: راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية

 القدس العربي-عبد اللطيف السخيري

«القصيدة المغربية لا تقول شيئاً»، بهذه العبارة الوجيزة لخص سعدي يوسف واقع القصيدة المغربية. لم تعد هذه القصيدة بضاعة المشرق التي ردت إلى المشرق؛ بل صارت لا تُبين. فقدت ماركة الإفصاح والبيان، فصار قولُها صمتاً. بكماءُ مثل فتاة في كابوس لا ينتهي، تحرك شفاهها، تصيح بملء الصوت، فلا يرتد إلا الموت. فقدت حتى سمة الصدى لصوت كان يَقْدُم إليها من البعيد الذي يسكن شغاف الكلمة، ورعشة الإيقاع، يُشرقُ من المغرب، ويظل مشرقاً لا يغرب.
قولة سعدي يوسف لم يعتبرها أكبر المتتبعين سوى تنويعٍ على قولة الصاحب بن عباد، التي جعلها الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري مفتتحاً لكتابه الوازن معرفياً ومنهجياً ونقدياً، والمعنون بـ«في راهن الشعر المغربي من الجيل إلى الحساسية». البداية كانت بمذاق اللعنة التي رافقت الأدب المغربي منذ نشوئه، وطيلة ارتقائه، مطرودا من جنة الجمال، هامشياً.. في الانتماء الأقصى والأقسى.. له وضعُ الصدى للأثر.. عشقُ إيكو لنرجسٍ يتمرأى في مرايا الماء ليغرق وحيدا، فيصيرُ نسلاً من المتمرئين في مرايا ذواتهم، كما سعدي يوسف في منفاه اللندنيّ.
قدر الشعر المغربي هو البحث عن إثبات الوجود، ووسم الهوية على مرّ تاريخه، منذ العقد الفريد، ورسالة ابن المعلم الطنجي، ونبوغ عبد الله كنون.. في مواجهة صورة مكرَّسة لا تني تتجدد، بين التهميش وسُدَف الجهل التي تزاد حلكة كلما ضربت بأطنابها في ذاكرة أهله أنفسهم. غير أن الناقد عبد اللطيف الوراري يرى أن الأدب المغربي، ومنه الشعر، فرض وجوده بما لا يدع شكا في قيمته كمّاً وكيفاً، عبر مسار تاريخي ابتدأه بالربع الأخير من القرن الثامن عشر، وصولاً إلى الراهن. وهذا التراكم كان وراء بزوغ فاعلية شعرية مغربية تستحق التأمل، وإعمال الفكر النقدي المشروط بإوالياته التي تتنخَّلُ، أو عليها أن تتنخَّل متنَهُ المتكاثر بشكل مطَّرد. بيد أن النقد السائد يظل بعيدا عن وظيفته. وهذا يعني – بعبارة المؤلِّف- أنَّ «تجربتنا الشعرية تتكلم اليتم، وتواجِهُ العماء… من هنا يُجهلُ لحد الآن مما فيه اعتبارٌ داخل الراهن الشعري» .
 
الناقد/ الشاعر:
 
إن المؤلِّفَ شاعر قبل أن يكون ناقداً، لذا فهو يعي أن جوهر الإبداع الشعري هو التجاوز الدائم للأقانيم والحدود التي يختطُّها الخطاب النقدي من نصوص غالباً ما تنتمي إلى الماضي، يُخَوِّلُ له بُعْدُه زمنياً، وتراكماته النصية ائتلافاً واختلافا.. يخول له كل ذلك القدرةَ على استنباط المعايير، وتَبيُّن الخصائص المائزة، وتصنيف تلك النصوص تبعا لمعيار ما إلى اتجاهات أو تيارات أو مدارس أو أجيال. ولهذا يظل الخطاب النقدي على مسافة من الشعر الراهن، منشغلاً بتأمل ذاته، ويُبَجِّل آلياته، ويتغيَّا انسجامه مع ذاته، ضارباً صفحاً عمَّا يعتملُ في الساحة الشعرية من تجارب لها ميسم الجِدَّة، وأشكال لا تني تُبَرْعِمُ مثل جُذْمُورٍ في اتجاهات الدهشة. نقد بهذا التوصيف يصير حجاباً؛ إذ يطمئِنُّ إلى صرير آلياته الصدئة، وينكُص على عَقِبَيْهِ أصم أعمى أمام كل حديث.
 
القيمة، وتسييج المتن:
 
من هنا قيمة هذا الكتاب «في راهن الشعر المغربي من الجيل إلى الحساسية (تأملات وقاربات نصية)». وهي قيمة مضاعفة لدواعي عدة. أولها: أنه دراسة نقدية صادرة عن شاعر ينتمي إلى الحساسية الجديدة في الشعر المغربي – وإن لم يصنف نفسه كذلك، ولم يجعل قصيدته موضوعاً للتحليل في متن الكتاب- وأهل الشعر أعلم بصناعته، وأعرف بمضايقه، وأجدر أن ينفذوا إلى معالمه البنائية والدلالية، ويرتادوا مجاهل تأويلاته. ناهيك عن الحكم بقيمته إبداعاً أو تهافُتاً. أما ثاني الدواعي فهو الشجاعة النقدية في مواجهة متن الشعر المغربي الراهن، وما يطرحه من إشكالات المعاصرة وحُجُبِها، وصعوبة تجميع المادة لاتساع منادحها، فضلاً عن قراءته والكشف عن خصيصاته المائزة. ومعلوم أن دراسة متن هذه سماته تتطلبُ تصوُّرا نقدياً، وعدة منهجية، تتوفر على كفاءة وملاءمة تخولان لها تأسيس معرفة بالمتن الشعري، في أفق تقويمه بمعنيي التقويم: بيان القيمة، وتقويم المناد في أفق فتح آفاق رحيبة للكتابة.
ويتجلى إشكال المتن الشعري الراهن في أن نهره لا يتوقف على التدفق، ترفده روافد شعرية، وشجُون من التجارب. وهذا يفرض اقتطاع لحظة منه، وتسييجها بسياج اصطلاحي (مفهوم الراهن وتبريراته)، ومكاني (المغربي). 
يقول الناقد في هذا السياق: « الراهن هو ما انتهى إليه زمن الكتابة في الشعر… وهو بهذا المعنى ما يفتأ يتغير ويتحول. إن الراهن لم يعد جيلا نعيشه، وإنما تخلُقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصورها للفعل الكتابي وتدبر طرائق إنجازه». وقاده التسييج – بحثا عن مزيد من الدقة والمردودية – إلى تحديد سمات الراهن الشعري في ثلاث، سمتين جوهريتين، هما:
٭ التعددية بدل الواحدية، من خلال التطور الكمي بالنشر والمساهمة الوازنة للشعر النسائي وظاهرة المهجرية.
٭ الفردية عوض الأجيال؛ إذ ساهم شعراء وشاعرات من أجيال مختلفة في تشكيل فسيفساء الراهن الشعري، مع هيمنة واضحة للاختيارين التفعيلي والنثري.
 
المداخل السبعة:
 
وقد اختار سبعة لدراسة الحساسية الجديدة وتجاربها، وهي: الرؤيا/ المغامرة العروضية/ فضاء الكتابة/ الشذرة والسخرية/ تأنيث الكتابة/ ظاهرة المهجرية/ حساسية جديدة.
ولأن المقام لن يفي بتتبع تلك المداخل كاملة، وارتياد قضاياها المتناسلة؛ سأتوقف عند الاختيارات الاصطلاحية والمفهومية في الكتاب، لأنها تشكل الاستراتيجية التي قامت عليها تلك المداخل من جهة أولى، ولكونها – من جهة ثانية – تَنِمُّ على وضوح التصور النقدي لدى المؤلِّف، وتَمَكُّنه من العدة المنهجية ذات الخلفية الثرة التي تمتاح من التراث العربي قديمه وحديثه، ومن الرافد الغربي بمختلف حقوله المعرفية الأدبية والنقدية والفلسفية…
 
الحساسية/ الذات/ الإيقاع/ المعنى:
 
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن المفاهيم المركزية في الكتاب هي: الحساسية، الذات، والإيقاع، والمعنى. ينطلق الناقد من التدليل على عدم ملاءمة مفهوم الجيل لتناول تجربة الشعر الراهن في المغرب. على الرغم من الحظوة التداولية التي حظي بها لدى نقاد كثر، منهم محمد بنيس وعبد الله راجع، تمثيلا لا حصرا. الجيل تصنيف زمني يفترض اشتراكاً بين الشعراء المتجايلين في القضايا، والموضــــوعات، والأشكال التعبــيرية (الاختيارات الفنية)، انطلاقاً من روح العصر التي تخترق نتاجاتهم. وقد ساهمت الأحداث التاريخية وهيمنة الأيديولوجيا في اصطباغ نتاج الأجيال السالفة (من الستينيات إلى الثمانينيات) بسماتٍ جعلت من التصنيف الجيليّ مقبولاً منهجيا، إن لم يكن مفروضاً.. بيد أنه فقد – في نظر الناقد عبد اللطيف الوراري- طابعه الإجرائي، لأن التجــربة الشعرية المغربية الجديدة التي تشكل الراهن تتميز بـ:
٭ الشمولية التي لا يناسبها التحقيب العِقْدي.
٭ الشعر أصبح خارج المقياس الزمني (زمن الشعر عوض زمن الشاعر).
٭ الابتعاد عن النزوع الأيديولوجي، وما ذلك إلا لأن الكثرة الكاثرة منهم يَمَّمَتْ شَطْرَ «الرؤيا التي تُعْنَى باكتشاف العالم ومواجهته، عوضاً عن الموقف المباشر من السياسة والأخلاق والقيم».
على أساسٍ من هذه التبريرات اختار الناقد مفهوم «الحساسية» الذي اجتمع فيه من الخصائص ما يجعلُه ـ والعبارة للمؤلِّف- «أداةً إجرائية لمقارنة وتتبع مسالك جمالياته في النصوص، بعدما كان مفهوم الجيل هو المهيمن في دراساته لسنوات طويلة».
إنّ مفهوم الحساسية يختصُّ باتساع صدره ليشمل التجربة الشعرية الراهنة بمرونة وانفتاح يسمحان باندراج كل شعراء الراهن فيه، بغض النظر عن العمر والجنس والتجربة والجغرافيا… إلخ.
وفي تتبعه لجنيالوجيا المصطلح وتحديداته المفهومية، استند إلى مرجعيات غربية فلسفية مع بومجارتن وكانط وغيرهما، وأدبية مع الرومانسية والرمزية وتأملات بودلير.. أما في السياق العربي، فلم يحظ بالحظوة التداولية إلا مع إدوار الخراط، ونقاد آخرين كلويس عوض وعبد القادر القط وصبري حافظ… وغيرِهم. غير أن تحديد الخراط للمفهوم ظلّ ملتبسا، ويحمل في ثناياه بذور تفكيكه، لأسباب منها:
أولاً: أنه لم يُجاوِز التداول الطبي والفيزيولوجي، باعتبار الحساسية هي كما يقول: «كيفية تلقي المؤثرات الخارجية والاستجابة لها».
ثانيا: أنه سقط في المقارنة بين حساسية تقليدية وأخرى جديدة، بالاعتماد على مصطلح التجاوز ذي الصبغة التقدمية التي توحي بأن الحديث نفي للقديم.
ومن شأن هذا التحديد أن يُسهم في تأزيم فعل الكتابة، لأنه زاخر بأوهام سبق أن حددها أدونيس، ونخص منها وهْمَيِ الزمنية والمغايرة، وما يترتب عليهما من نفيية مجانية، وصراع جيلي.. ولا نرتاب في أن هذه المآزق كانت حاضرة في ذهن الناقد عبد اللطيف الوراري، لذلك زاد من تحديد مفهوم الحساسية، خاصة أن طبيعة المتن تفترض ذلك، بل تفرضه. أولا لأنه متن شعري (لا بد من أن نشير إلى أن أغلب الدارسين الذين اتخذوا من الحساسية مفهوما إجرائيا قاربوا متنا سرديا كالقصة والرواية)، وثانياً لأن له سماته الخاصة كالراهنية والفردانية…إلخ. يقول الناقد عن الحساسية: «فعالية الشعر وقدرته على الشعور بما يحيط به من المؤثرات، أو تغيير يطرأ على معاناته للوجود والرؤية إليه». وهنا يحضر عاملان جوهريان:
٭ السياق السوسيوثقافي الضاغط الذي ينتج حساسية جديدة..
٭ الإبدالات الجمالية التي تعتري القصيدة موضوعاتٍ وأشكالاً..
والإبدال كما حدده محمد بنيس (معتمدا على كون في كتابه: بنية الثورات العلمية) يؤالفُ بين النصي والخارج نصي، ويقوم على أسس منها: الانفصال، الاختلاف قبل الوحدة، التمايز قبل التفاضل. أما الحكم على التجربة الشعرية فيكون بالنظر إلى «درجة انخراط الذات الكاتبة في كتابتها» (مساءلة الحداثة). 
إنها العودة إلى مفهوم الذات، لكنها ليست الذات التقليدية المطمئنة إلى وحدتها والتئامها، وليست الذات الرومانسية المنطوية على ذاتها والهاربة إلى الطبيعة، بل هي ذات لها سمة التصدع والتشظي، تسعى إلى نحت رؤياها الخاصة للأشياء والعالم. ولا يتم لها ذلك إلا بالبحث عن إيقاعها، في شعرية مفتوحة، وسمها هنري ميشونيك بـ«إبستيمولوجيا الكتابة»، منفتحة على الفلسفة والتاريخ والمعرفة العلمية والمناهج، إلخ.
إن الإيقاع المقصود هنا، يتجاوز القياس العروضي، لأنه ـ حسب ميشونيك- هو الذي ينظم المعنى في الخطاب، خاصة في القصيدة التي تسعى إلى إبراز ذاتية الشاعر، (أكثر من الرواية التي تبحث عن بيان تعددية الذات). فالإيقاع ذو طابع شمولي، توقف الناقد عند اجتراحاته التحديثية في القصيدة التفعيلية، وقصيدة النثر التي تحتل وضعية مركزية في الحساسية الجديدة لكونها تسعف شعراء الداخل على بسط ذواتهم المتشظية، وشعراء المَهاجِر على تبصُّر هوياتهم المنشطرة والشعور بالمنفى، والشاعرات على كشف الجرح والبوح وتخييلات الجسد… وتسعف كل هؤلاء ـ وغيرهم ـ على استدماج الأتوبيوغرافي في القصيدة..
ونرى أن هذه الخلفية المؤسسة على الثالوث: الإيقاع والمعنى والذات، تمتلك من الكفاءة والملاءمة ما ويخول له الإمساكَ بالحساسية الجديدة في راهن الشعر المغربي من جهة أولى، وأضفت على مفهوم الحساسية طابعه الإجرائي، من جهة ثانية، كما تشهد على ذلك النماذج الغزيرة المحللة في غضون فصول الكتاب الخمسة.
 
٭ ناقد مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات