عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Mar-2017

بوليفونية السرد الجديدة.. رواية أفاعي النار نموذجاً

الدستور-ليث سعيد هاشم الرواجفة 
 
إن الحركة الأدبية حركة إنسانية بالدرجة الأولى، ينتجها الإنسان للإنسان، فيعالج قضاياه ويعبّر عن همومه، فتتأثر كتابته بكل ما يحيط به، خصوصاً تلك المرتبطة بالنواحي الاجتماعية والثقافية والدينية التي من شأنها أن تؤثر على البنية الأيدولوجية والنفسية للشخصيات التي يوظفها المبدع داخل المتن الحكائي، وتتحكم بكيفية توظيف التركيب اللغوي وحياكته وانسجامه كما ينبغي، ذلك ما يمكن لمسه ومعاينته عن قرب في رواية (أفاعي النار) الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية عام 2015م، للمبدع الأردني جلال برجس. 
 
في البداية يمكن أن نعرّف البوليفونية بأنها(مصطلح راسخ في فنون التأليف الموسيقي إثر ظهور أعمال (باخ)، ويشير إلى النوع الثالث من أنواع النسيج الموسيقي الذي تتقابل فيه مجموعة من الألحان، وتنطلق في آن واحد، وتتشابك وتتعارض، بحيث يحافظ كل لحن منها على كيانه الإيقاعي الخاص، وبما يولد بينها وحدة فنية مترابطة تنتج نغمتها المميزة، فهو مفهوم إبداعي يعنى بتعدد الأصوات)، بالإضافة إلى أن المبدأ الأساس في البوليفونية الموسيقية، يقوم على تساوي الأصوات،حيث أنه يجب أن لا تكون ثمة هيمنة لأي صوت (لحن)، كما يجب ألا يقوم أي صوت بدور التبعية، هذا من الناحية الموسيقية، أمّا من الناحية الأدبية فهو (مفهوم بانفلات النص من تحكم المنظور الواحد، وأسر الراوي الواحد، فتتعدد المنظورات في الرواية وتنفتح على لغات عدة، وأنماط مختلفة من الوعي تجاه الذات وتجاه الآخر والعالم معاً)، فمن خلال تشابك الأصوات وتعارضها وتمازجها، تتبلور وجهات النظر الخاصة بكل شخصية، وموقفها مما يجري حولها، دون أن تتوحد تلك الأصوات أو يطغى أحدها على آخر، وهنالك اجماع نقدي على أنها تقنية ابتدعها (دوستويفسكي) في رواياته، وكانت موضع درس نقدي موسع لدى (باختين) في كتابه (شعرية ديستويفسكي)، بالإضافة لمدرسة جنيف (Ecole de Gen ve) التي استعملت الديالوجية (الحوارية ) في مقابل المونولوجية، واستخدمت البوليفونية (تعدد الأصوات) في مقابل المونوفونية (الصوت الواحد)، وهنالك من درس البوليفونية التأويلية أو الهرمونيطيقية التي ارتبطت ببول ريكور (Paul Ricœur). 
 
وفي هذه المقال أود أن أنظّر لنوع جديد من أنواع البوليفونية السردية دفعتني (أفاعي النار) لدخول غمارها بقوة، وأزعم أني الأول الذي يقوم بذلك وهي (بوليفونية السرد الجديدة) التي يكون تعدد الأصوات فيها من ذات الراوي (العازف) وليس بتعدد الرواة، فالبوليفونية التقليدية عندما دخلت إلى مضمار الأدب استُخدمت كمصطلح موسيقي في غير موضعه؛ لأن البوليفونية الموسيقية تعتمد على الصوت، وتعدده واستقلاله، فإذا كانت العلاقة هي علاقة متبوع وتابع، فهذا النمط لا يرقى إلى صيغة البوليفونية، حتى وإن تعددت الأصوات الموسيقية في آن واحد واختلفت؛ فهي بذلك ستشكل ضجة لا قيمة لها، بينما في السرد نجد أي صوت بحاجة -دائماً- إلى حدث ومكان وزمان...،بمعنى أن هذا الصوت غير مستقل بذاته، كما أن جميع الأعمال السردية الحديثة (تحديداً الروائية) تعتمد على هذه التقنية (تعدد الرواة)، ونجد بعض النقاد (من باب قلة المعرفة بالتقنيات الموسيقية) قد أغفلوا إمكانية عازف هذا اللحن أن يتحول (نفسه) بلحظة معينة من مقام إلى مقام آخر، أو من إيقاع سريع الى بطيء أو العكس، وتبقى جميع الأصوات مستقلة ومحافظة على ذاتيتها وخصوصيتها، وإذا تحولنا بالفكرة السابقة باتجاه الأدب نجد أن الراوي (نفسه) قد يختلف صوته أو رؤيته، أو تختلف وجهة نظره وبؤرة حكيه باختلاف الحدث والمكان والزمان والأيديولوجيا، وذلك ما فعله (خاطر) بطل الرواية حين تحول صوته بتحول موقعه في الرواية من راوٍ عليم يروي ما حدث له سابقاً إلى راوٍ مشارك يصنع الحدث ويؤثر به، ومن ثم إلى راوٍ شاهد ينقل صوت (الحكاءة) وصوت (علي بن محمود القصّاد)، فالذي أوصل المتلقي لجميع الأصوات في الرواية هو صوت (خاطر)، ومن ثم إن وجهات النظر (الرؤية) التي انتقل منها السارد الرئيس كانت متعددة وأشبه ما تكون مثل جوقة عزف كل من (خاطر/الحكاءة/ القصّاد) بآلته الخاصة، والجميع أصدروا سيمفونية متناغمة، فكل حكاية داخل الرواية تمثل آلة موسيقية تعزف لحناً مختلفاً من ذات العازف (الراوي)، وفي النهاية يصل بالمتلقي إلى نتيجة واحدة، هي تلك الرسالة (المقصدية) التي كُتبت الرواية من أجلها. راوٍ واحد صحيح لكن موقعه مختلف فهو يقف بكل واحدة في زاوية نظر محددة تختلف عن الأولى، ففي (أفاعي النار) وجدنا الراوي (خاطر) يقف أمام مرآة أولى (قصة احتراق روايته) فنرى ملامح، أحداث، أمكنة، أزمنة، فإذا هذه الصورة انعكست على مرآة ثانية (قصته مع الحكاءة) وثالثة (قصة القصّاد) هل الصورة نفسها؟ طبعاً لا، ففي الرواية ثلاث مرايا يعني ثلاثة أصوات / وجهات نظر،وهكذا تتوالد الرؤى ووجهات النظر حتى نهاية الرواية.
 
وخلاصة القول إن البوليفونية الحقة تلك التي تُعنى بوجهة النظر إلى جانب الصوت، ولهذا السبب بقيت الموسيقى البوليفونية موجودة ولم تندثر إلى يومنا هذا، بينما التبس الأمر على الكثير في الحقل الأدبي، وبدأوا يتحاشون الحديث عن هذه التقنية ما بعد الحداثية.
 
والكتابة البوليفونية كي تحقق نجاحها يجب أن تتحقق المواجهة أو الصراع أو الدراما من خلال تجميع الشخصيات في مكان محدود وزمان قصير، أي اللحمة الكرونوطوبية (الزمكانية)، وذلك ما حدث في (أفاعي النار) فالمكان انحصر (بالقرية) أما (عمّان وباريس) كانت أماكن ثانوية، والفترة الزمنية يمكن تقديرها من خلال سياق الرواية بأنها ليست طويلة، فيقول ادوين موير في هذا السياق: (في المساحة المغلقة وحدها يمكن للصراع أن ينشأ وينمو وينتهي في حتمية، فكل المخارج مسدودة، ونحن ندرك ذلك أثناء مراقبتنا للحدث)، فبانحصار المكان والزمان تحققت الدراما والصراع بين الشخصيات التي يمكن أن نصل من خلالها أن الصراع كان مع الذات، فخاطر ما أوصله إلينا بصوته هو حكايته، والحكاءة هي أمه ابنة المشاي التي ذاقت سياط العيب والحرام ووقعت ضحية للأعراف والعادات، والقصّاد هو نموذج المثقف المقموع الذي احترق بنيران الجهل والتكفير، وعاش مشوهاً بعلمه ورؤيته لكل ما يجري حوله.
 
وجلال برجس لديه وعياً سردياًفي إيجاد رواية بوليفونية جديدة أتاحت للقارئ النظر في الحدث من زوايا عدّة، وجوانب مختلفة قابلة للتأويل، وإعادة التشكيل مما يؤكد أن استعمال الراوي نفسه في وجهات نظر متعددة (ليس وسيلة أدبية سطحية فحسب، بل هو مؤشر كذلك إلى صراع الذاتيات)، لذلك نجد البطل يهم دوستويفسكي بوصفه وجهة نظر محددة عن العالم وعن نفسه هو بالذات، بوصفه موقفاً فكرياً، وتقويماً يتخذه إنسان تُجاه نفسه بالذات وتُجاه الواقع الذي يحيط به، فالمهم بالنسبة لدويستفسكي – يقول باختين- لامن يكونه بطله في العالم، بل بالدرجة الأولى ما الذي يكونه العالم بالنسبة للبطل، وما الذي يكونه هو بالنسبة لنفسه ذاتها، فخاطر عالج في روايته التي احترقت رغماً عنه موقفه من العالم الذي أخذ صورة الإسلام المشوهة التي زادتها حركات التطرف والإرهاب المنتشر في جسد الوطن العربي مثل السرطان، وموقفه من مجتمعه الذي يؤمن بالخرافات والشائعات أكثر من إيمانه بالنصوص الدينية ونتائج العلم الحديث، وعالج موقفه من ذاته حين تحدى صوته الذي خرج إليه من حاسوبه لتدوين ما هو مفقود من روايته وضرورة الدخول إلى عالم اللاوعي لإدراك ذلك. 
 
وإن الراوي في (أفاعي النار) ليس مجرد وسيلة ناقلة للمعلومات فقط، أو مجرد تحقيق لرغبات المؤلف، إنه استقلالية نسبية عن سلطة المؤلف، ولا تعني هذه الاستقلالية أن الراوي يقع خارج خطة المؤلف، بل يعد جزءاً من استراتيجيا المؤلف، التي تهيء الراوي سلفاً لمثل هذه الحرية النسبية، فالبوليفونية هنا تعني تنظيم أشكال الوعي المتعددة داخل الرواية، وتشخيصها بشكل متساوٍ يتناسب مع الهندسة السردية الفريدة، مما لا يؤدي إلى هيمنة وعي واحد، وتجعل المجال خصباً للتأويل وتعدد القراءات.
 
ومن خلال كل ما سبق يمكن أن نخرج بنتيجة مهمة جداً وهي أن جلال برجس في روايته (أفاعي النار) حقق ما تمناه كمبدع عربي -يعيش وسط محيط ملتهب بالتطرف، والفتن، ونبذ الآخر- (الديمقراطية) التي يطلق عليها في المنهج الاجتماعي بديمقراطية السرد، إذ تصبح الشخصية صوتاً أو موقفاً ايدلوجياً في صراع مع كل ما يقابلها، دون أن يطغى صوتها أو ايدولوجيتها على ما هو غيرها، فصوت (خاطر) لم يطغى على صوت الحكاءة أو صوت القصّاد، رغم أنه –أي خاطر- كان الكوندكتر لسيمفونية الرواية بأكملها، وبذلك الكاتب كان محايداً والراوي كذلك، والمتلقي تفاعل وتأثر وأوّل كيفما شاء وانحاز للطرف الذي رآه على حق.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات