الراي- أبواب - وليد سليمان - مستشفى جذاب بشكله  المعماري الفني العريق .. وموقعه الفريد في أول جبل اللويبدة  .. فمن حوله تقع معالم شهيرة أخرى مثل: فندق جناح فراس، ودائرة الاراضي والمساحة، وكنيسة الكاثوليك، ودارة الفنون .. وقبالته تطل آثار وقبة القصر الاموي الشامخة على أعلى جبل القلعة. 
أذكر أنني في العام 1972عندما قُبلتُ للإلتحاق بكلية عمان للمعلمين ، وكان مديرها في ذلك الوقت الأستاذ المفكر حسني عايش، أرسلونا لعمل بعض الفحوصات الصحية الى مستشفى يقع في أول جبل اللويبدة .. وكان اسمه غريباً علينا «لوزميلا»!؟.
وظل هذا الاسم في البال؟! عن سبب هذه التسمية، الى ان زرنا المستشفى، وقرأنا عنه كذلك في كتاب الصديق سليم قونة باللغة الانجليزية. وفي كتاب الصديق الدكتور موفق خزنة كاتبي (خمسون عاماً مع مهنة الطب) وفي نشرة التعريف بالمستشفى.

من هي  لوزميلا!؟
فبعد نكبة فلسطين في عام 1948 قامت جمعية راهبات الناصرة بتحويل المدرسة التي تملكها في جبل اللويبدة الى مستشفى حمل اسمه تكريماً وتقديراً للكونتيسه لوزميلا «Luzmila»  والتي تبرعت بتجهيز أول قسم للأشعة في المستشفى.
الكونتيسه لوزميلا «Luzmila» والمولودة في دولة (بوليفيا) من دول امريكا اللاتينية والإبنة الوحيدة للثري سايمون باتينو «Simon Patino» والذي بنى ثروة طائلة من خلال إكتشاف وتشغيل مناجم الزنك في بلده.
فقد تزوجت لوزميلا «Luz Mila» من الكونت جي دو بوستروفري «Guy du Boisrouvray» ابن عم أمير مونا كو الأمير رينر «Rainier of Monaco» وبعد وفاة والدها والذي كان يُعد من أغنى رجال العالم في ذلك الوقت، وعُرفت لوزميلا «Luzmila» بإهتماماتها  الإنسانية وخاصة في مجال مساعدة الأطفال.
وبدأ المستشفى بتقديم خدماته عام 1948، وتم ترخيصه رسمياً من قبل وزارة الصحة في عام 1950، وفي آواخر الستينيات قررت جمعية الراهبات تسليم إدارة المستشفى للطبيب شرجيان ، ومنذ عام 1978 تقوم الإدارة الحالية والمكونة من الجراحين الدكتور صليبا بقاعين والدكتور عدنان مسنات بإدارة المستشفى وبفضلهما تحول الى مستشفى حديث مواكب للتطورات في المجال العلمي على مدى العقود السابقة. 
وكان مستشفى راهبات الناصرة في جبل اللويبدة متخصصاً لمعالجة الأطفال المرضى اللاجئين الفلسطينيين، ويحولون إليه من عيادات وكالة غوث اللاجئين «الأونروا». 
وأكثر الحالات المرضية كانت إسهالات الأطفال الصيفية في الصيف والتهابات الطرق التنفسية في الشتاء إذ كانت ظروف حياة اللاجئين البيئية والمادية سبباً مؤهباً لكثرة الإصابات السابقة، وصار عند فريق المستشفى الطبي والتمريضي الخبرة الكافية في المعالجة بإعاضة السوائل أو خيمة الأكسجين.
وفي مرحلة أخرى استأجر د. شيرجيان بناء المستشفى وتم تجهيزه بواسطة متبرع من بوليفيا واشترط أن يدعى المستشفى «مستشفى لوزميلا» وأصبح مستشفى عاماً، بعد أن تجهز بأجهزة للأشعة والمختبر وغرفة عمليات وصار من أحسن المستشفيات خدمة للاجئين وللمرضى الخصوصيين.

الطبيب موفق كاتبي يتذكر 
ومما جاء في كتاب  الطبيب الاردني المعروف موفق خزنة كاتبي  ما يلي:
كنت أحوّل مرضاي الذين هم بحاجة إلى المستشفى، أرسلهم إلى مستشفى لوزميلا بإشراف د. شيرجيان. كانت أجور غرفة المستشفى في ذلك الوقت تشمل الإقامة والإشراف الطبي ما عدا الأدوية والمختبر وأجور الجراح إن لزم إجراء جراحي، كان التعامل مع ذلك المستشفى مريحاً فيجد المريض المحال إليه من يستقبله بأسلوب لا أكاد أجد مثله الآن في أكثر مشافينا الخاصة، وقلما لا يجد المريض سريراً فارغاً بل يوجد أسرة للطوارئ.
كان المستشفى متفقاً مع وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» لمعالجة المرضى من اللاجئين إن احتاجوا الإقامة في المستشفى، وهكذا كان له قسمان أحدهما خاص ونأتيه من الجبل من مدخله العلوي وآخر للاجئين ويأتونه من مدخل في الشارع السفلي حيث العيادات.
أعجبني علم ذلك الطبيب فكان من أوائل من يحملون الشهادة البريطانية في الأمراض الباطنية كذلك أعجبني أسلوبه في البحث ليصل إلى تشخيص صحيح ومعالجة شافية، وكان في المستشفى قسم متطور للأشعة بإشرافه وله اهتمام بتنظير الصدر شعاعياً فكنت أرسل إليه المرضى الذين يحتاجون لإجراء صور شعاعية أو تنظير شعاعي، ويكاد يكون المستشفى الوحيد في نهاية الخمسينيات من يتقبل ذلك.
وصار لي علاقة متميزة مع د. شيرجيان فكنت أناقش معه حالة مرضاي وكان يطلعني على أسلوبه في التشخيص ورأيه غير الملزم في العلاج، كان في مرات كثيرة يتصل بي يدعوني لمشاهدة بعض الحالات المرضية النادرة، وكان أحياناً يدعوني إلى جلسة طويلة ليطلعني على مجموعة من الصور التي جمعها عن الحالات المرضية التي رآها، ومنها ألبوم كامل عن مرضى «كواشيكور» حين كان منتشراً بين اللاجئين بسبب نقص التغذية حين لم نكن نسمع عنه ونحن في الدراسة الجامعية.
كذلك كان له دراية بمجموعة من أمراض القلب الخلقية عند الأطفال وغير ذلك من الحالات التي رآها مثل التهاب المفصل نظير الرثية «روماتوئيد» وعقابيله على اليدين.
رآني مرة صدفة في المستشفى وأنا أزور أحد مرضاي لأتابع حالة مرضية نادرة، فقد حول أحد الأطباء إلى قسم الأشعة طفلاً بتشخيص «انسداد الشرج الخلقي» إذ كان المريض عمره أربعة أيام يُخرج «العقي» وطلب الطبيب إجراء صورة شعاعية بعد إعطاء الوليد الطفل الباريوم عن طريق الفم، وعندما أحضروا الطفل سألت هل تقيأ، قالوا: لا، قلت: أعطوني ميزان حرارة شرجي، فحسب معلوماتي يمكن أن يتأخر خروج العقي بضعة أيام ويمكن أن يكون الانسداد غشائياً، فوضعت ميزان الحرارة في شرج الطفل وإذا بالعقي يخرج بشكل اندفاعي، عندها أعدنا الوليد إلى غرفته فلم يعد بحاجة إلى صورة شعاعية، ولكن د. شيرجيان كتب تقريره بعد الديباجة المألوفة وكان كما يلي:
عندما أحضروا الوليد لإجراء الصورة الشعاعية كان معي د. موفق خزنة كاتبي، فأخذ ميزان الحرارة وأدخله في شرج الطفل مما نبه غريزة التغوط عنده وخرج جميع العقي مما يدل أنه لا يوجد انسداد شرجي وكان الطريق سالكاً, ولذلك لم تُجر له الصورة الشعاعية المطلوبة.
قلت له: أنا أتيت بالصدفة وليس لي علاقة بذلك الوليد فلا أجد ضرورة لكتابة اسمي في التقرير, قال: ذلك من حقك العلمي إذ لم يخطر ببالي أنا عمانوئيل شيرجيان أن أعمل كما عملت.

قصة ميزان الحرارة !!
في حالة أخرى كان أجرى تصويراً ملوناً للمسالك البولية لأن الصورة البسيطة لم تظهر وجود حصاة أو غيرها، وأراد أن يريني الجهاز البولي بالتلوين الواضح حيث ظهرت حصاة بحجم بزرة الزيتون في نهاية الحالب الأيسر, وقد وضع الصورتين فوق بعضهما فربما تكون حصاة «بولاتية»، ولذلك ظهرت بالتلوين، لكني عندما نظرت إلى الصورة الأولى وجدت الحصاة واضحة، لكن أتى فوق مكانها في الصورة «كليشيه» الاسم والعنوان ولذلك لم ينتبه إليها، فإذا هي حصاة «أوكزلاتية» على الأغلب، لكن عندما كتب التقرير الشعاعي أشار إلى أننا لم نرَ شيئاً في الصورة الأولى غير الملونة ولكن بعد التلوين ظهرت واضحة في نهاية الحالب الأيسر، وتابع لكن كان بجانبي الدكتور موفق خزنة كاتبي لاحظ وجود الحصاة واضحة في الصورة البسيطة الأولى, ولذلك فإنها غالباً حصاة «أوكزلاتية»، قلت له: لا أريد أن تضع اسمي وأنا زائر بالصدفة، وكنت معروفاً في ذلك الوقت ولا يهمني أن يعرف طبيب آخر أو أهل المريض من أنا.

إبرة في ركبة فتاة!؟
في قصة ثالثة، والقصص معي في مستشفى لوزميلا كانت كثيرة، حدث أن راجعني في العيادة رجل أعرفه جيداً ومعه ابنته وقد دخلت إبرة خياطة في ركبتها فلما أخذها إلى طبيبهم, وكانوا يسكنون في مدينة أخرى غير عمان، قال الطبيب: حاولت أن أسحبها لكنها انكسرت وبقي قسم منها يغرز بطول 1 سم في ركبتها، حاول الطبيب العام بتخدير موضعي وشق صغير استخراجها لكنه لم يجدها، مما جعل الطبيب يظن أنه لا يوجد قطعة من الإبرة وأنها سحبت كاملة من قبل أبيها، إذ لم يكن في مدينتهم أخصائي أشعة، قال له أبوها: إن القسم الذي معي يشير إلى وجود كسر في الإبرة.
انتظر الأب بضعة أيام ثم أخذها إلى أكبر مستشفى حكومي في عمان حيث أجروا لها صورة شعاعية وحددوا مكان وجودها، ثم أجروا جراحة بالتخدير العام لكنهم لم يجدوا الإبرة المكسورة، وقالوا للأب: لا تخف من ذلك فإنها تقف ولا تتحرك ثم يتليف النسج حولها، لم يعجب ذلك الكلام أبي الطفلة، إذ كان عامة الناس في ذلك الزمن يقولون إن الإبرة تمشي في الجسم حتى تصل القلب ثم يموت المريض.
انتظرت مدة شهر إلى أن شفي الجرحان، ثم أخذنا الطفلة إلى مستشفى لوزميلا، وأجرى د. شيرجيان عدة صور شعاعية بأوضاع مختلفة واستطاع أن يحدد مكان الإبرة بالدقة المتناهية، بعدها استدعيت «د. ميشيل أيوب» وكان عائداً من إنكلترا بعد حصوله على شهادة الزمالة البريطانية في الجراحة، واتفقنا الثلاثة شيرجيان وأيوب وأنا أن نجري العملية بهدوء تحت الأشعة، ولما لم يكن في تلك الأيام جهاز «سي آرم» في المستشفى، اتفقنا أن نعتبر مسطح جهاز الأشعة طاولة عمليات، ونتبع كل وسائل التعقيم المطلوبة ونضع كل لوازم إجراء العملية، وأحضرنا جهاز التخدير البسيط الذي كان معمولاً به آنذاك، وبدأ بإجراء الجراحة الدقيقة وبواسطة التنظير الشعاعي كان يتابع مكان العملية وأين وصلت أداته، وهكذا استطاع أن يصل إلى الإبرة، ويلتقطها ويستخرجها، وفرح الأهل وعلت الأهازيج كأنهم في عرس، كان أبو البنت وجيهاً في مدينته الكبيرة، ولذلك صار لنا سمعة ووجود «سماعي» في تلك المدينة لسنوات طويلة حتى بعد وفاة والد الطفلة. كبرت الطفلة وتزوجت وأنجبت وكانت كلما رأتني تشير إلى ركبتها وتشكرني لرعايتي لها.

الدكتور شيرجيان الأرمني!
وفي حالة أخرى حدث أن طفلاً كان أبوه ضابطاً في الجيش ويذهب ويعود إلى المدرسة بواسطة باص عسكري أقرب إلى سيارة نقل الجنود ولكن له درج في الخلف، حدث عندما كان الطفل ينزل من آخر درجة في الباص أن تحرك الباص فسقط الطفل على وجهه وعندما أشار بعض المتواجدين على الرصيف بأن الطفل وقع، وقف السائق وحمل الطفل وأخذه بالباص إلى المستشفى العسكري في ماركا، وكان بحالة عامة سيئة، أجروا للطفل الصور الشعاعية لكل أنحاء جسمه وتبين وجود كسر في عظمي «الترقوة» ووجود «خلع» جميع الأضلاع من جهة القص، ولما صارت حالته تسوء ظن الجراح أنه ربما أصيب الكبد أو الطحال بتمزق من جراء إصابة الأضلاع فأجرى عملية على ناحية الكبد وتبين أنه سليم ثم أجرى شقاً آخر في ناحية الطحال وتبين أنه سليم أيضاً، وعندها نقلوا المريض إلى غرفة العناية الحثيثة ووضعوه في خيمة الأكسجين مع إعاضة السوائل ولكن بقيت حالته تسوء، تبين بعدئذ أنه نتيجة لوجود كسر الترقوتين وخلع الأضلاع فلم يعد باستطاعة الصدر أن يتوسع في الشهيق ولذلك تبقى الرئة بحالة انخماص وأنه بحاجة إلى وضعه في الرئة الصناعية، ولا أدري حتى الآن ما هذه الرئة وما هو الاسم العلمي وهي ما استعيض عنها الآن بما نسميه جهاز «Ventilator» كان في المستشفى جهازان فقط تبين أنهما معطلان، وكان في مستشفى لوزميلا واحدة أخرى، ولما تطورت حالة الطفل إلى الأسوأ اتصل رئيس القسم الجراحي في المستشفى بالدكتور شيرجيان وطلب منه إرسال تلك الرئة فوراً إلى المستشفى العسكري لأنهم بحاجة ماسة إليها، لكنه رفض وقال عندكم اثنتين لم تحافظوا عليهما وأخشى أن تتلفوا التي عندي، وفضل إرسال المريض إلى مستشفى لوزميلا مع من يشاؤون من الاختصاصيين لمعالجته في لوزميلا، إلا أن الذي اتصل بالدكتور شيرجيان لم يعجبه ذلك الجواب فطلب من مدير المستشفى أن يطلب من الدكتور إرسال الرئة لكن شيرجيان رفض ذلك الطلب، اتصل مدير المستشفى بمدير الخدمات الطبية الملكية لكنه أصر على رأيه ورفض إرسالها، عندها ولأن شيرجيان أرمني طلب أبو الطفل من بطريرك الأرمن في عمان أن يأمر شيرجيان فيرسلها، لكنه أصر على الرفض, ويقال إنهم هددوه باستصدار أمر دفاع بمصادرة المستشفى وقال خذوا المستشفى وأرسلوها أما أنا فلا أرسلها.