عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2017

بوليزويديس اليوناني المصري عشق الإسكندرية «أرض العطاء والأحزان»

الحياة-جعفر الأحمر 
 
ترجمة عربية لكتاب «الإسكندرية، أرض العطاء والأحزان» لمؤلفه أ. ج. بوليزويديس، صدرت حديثاً عن دار «مدينة للنشر» في بريطانيا، وأنجز الترجمة باسل الجبوري. وكان الكتاب صدر بالإنكليزية عام 2014.
 
الكتاب رحلة ممتعة في رحاب هذه المدينة العريقة، ويتمثل في ثلاثة محاور: الأول، الجانب الشخصي، حيث ذكريات المؤلف الذي ولد فيها لأبوين يونانيين، وأكمل دراسته الطب في جامعتها، ثم غادر إلى بريطانيا ليصبح واحداً من ألمع جراحي العظام في العالم. ويتضمن هذا الجانب السردي صفحات شيقة من حياته، فقد عاش بين أقرانه من مختلف الأديان والأعراق.
 
وعلى رغم جذوره اليونانية، كان شديد الاعتزاز بمصريته، مما دفعه للانضمام إلى صفوف المتطوعين للدفاع عن مدينته خلال حرب السويس عام 1956. وهو يعتبر مجتمع الإسكندرية آنذاك، نموذجاً رائعاً للتعايش بين أناس من شتى الأعراق والثقافات والأديان، حتى أنه كان يصوم شهر رمضان أسوة بأصدقائه المسلمين.
 
ويقدم الكاتب أوصافاً دقيقة لما كانت عليه الحياة في الخمسينات من القرن الماضي تحديداً، ازدهرت فيها الإسكندرية اقتصادياً وثقافياً بفضل ما كانت تقدمه الجاليات الأجنبية من إسهامات في شتى المجالات.
 
وهنا يعرّف الكاتب بالكثير من النشاطات الاقتصادية التي مارسها الأجانب في الإسكندرية وأسهموا في دفــع عجلة التنمية فيها، إلى تعريفه بعدد من الشعراء والأدباء العالميين الذين عاشـــوا في هذه المدينة، مثل قسطنطين كفـــافي وإدوارد أم. فورستر ولورنس ج. داريل، حتى جاءت ثورة يوليو 1952 لتبدأ بعدها مرحلة جديدة لم يعد فيها الأجانب مرحباً بهم، فغادروها تباعاً، وكان واحداً من أولئك المغادرين.
 
وبسبب جذوره اليونانية، حرص المؤلف على البحث عن ماضي الإسكندرية اليوناني، بدءاً بتأسيسها ونهضتها في زمن الإغريق، بمكتبتها الفخمة ومدرستها الشهيرة التي نبغ فيها أبرز علماء ذلك الزمان، وفنارها الذي يعد واحداً من عجائب الدنيـــا السبع. وسعى إلى البحث عن تلك المــعالم وما هي المواقع التي يحتمل أن تكـون قد وجدت فيها، مع تركيز كبير على الإسكندر الأكبر باعتباره أبرز شخصية يونانية تركت بصماتها على العالم القديم وليس الإسكندرية وحدها.
 
ثم يتطرق الكاتب إلى نهضة الإسكندرية الجديدة في عهد محمد علي باشا، الذي قدم تسهيلات كبيرة للجاليات الأجنبية بهدف الإسهام في بناء نهضة المدينة.
 
تلك التجربة الفريدة التي كان فيها الأجانب يترافعون في محاكم خاصة بهم وبلغاتهم، ويسعون لبناء صرح اقتصادي عظيم، يرى الكاتب أنه كان سينافس كبرى المراكز التجارية في العالم لو قدر لتلك التجربة أن تستمر، مما جعله يصفها بأرض العطاء.
 
لكنّ تغير النظام السياسي عام 1952 بدد ذلك الحلم. وهنا يقدم المؤلف تحليلات مدعومة بالمصادر، للكثير من التطورات السياسية والاجتماعية التي طرأت على المسرح المصري خلال تلك الحقبة، فيقارن بين ما كان سائداً أيام الحكم الملكي، بالظواهر التي طرأت في العهد الجمهوري، وكان منها انحسار المنزلة العظيمة التي كانت تحتلها الإسكندرية بين مدن العالم، مما جعله يطلق عليها أرض الأحزان. فقد ذهبت إلى غير رجعة تلك الأيام الجميلة، الشوارع النظيفة، المقاهي الجذابة، المسارح التي كانت تستضيف فرقاً من شتى أنحاء العالم، والمباني الزاهية التي لا يزال الكثير منها بارزاً حتى الآن على رغم ما أصابه من إهمال.
 
«الإسكندرية: أرض العطاء والأحزان» واحد من كتب قليلة تتناول مدناً عربية كتبها غربيون عاشوا فيها، ولم يكتفوا بزيارتها. وبذلك يكتسب ميزة أن الكاتب كان يعرف ماذا يقول، فهو لم يكن مجرد زائر طارئ شاهد شيئاً وغابت عنه أشياء.
 
لقد عاش في المجتمع المصري كأحد أبنائه، وهو لا ينكر أن الرفاهية التي كانت تنعم بها الجاليات الأجنبية في الإسكندرية (وفي غيرها من مدن مصر)، كان يقابلها فقر مدقع عانت منه شرائح كبيرة من الشعب المصري.
 
وضع المؤلف كتابه وفي قلبه حب كبير وشوق لمسقط رأسه، حتى أنه أسهم في التبرعات الخاصة ببناء مكتبة الإسكندرية، وزار القاهرة مرتين بدعوة من القوات المسلحة المصرية لتدريب أطبائها على تقنيات جديدة في جراحة العظام.
 
كانت الإسكندرية له حلماً جميلاً سرعان ما انقضى، وهو يختتم الكتاب بقوله: «قبل رحيلي عن الإسكندرية وعودتي إلى بيتي في إنكلترا، تمشيت قليلاً على شاطئ الكورنيش. كان مساءً كئيباً. فعبر الشارع، اصطفت محلات ومقاهٍ ومطاعم، لكنني لم أسمع أي موسيقى، عربيةً كانت أم أوروبية. كانت السماء مظلمة، لا نجوم ولا قمر، وأخيراً أدركت أن مدينة الأمس المتعددة الأعراق قد ذهبت إلى الأبد».

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات