عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Feb-2017

مخاض اليسار الفرنسي بين حق الإبداع والواقعية السياسية*بيار لوي ريمون

القدس العربي-إن كانت الأديبة اللبنانية جمانة حداد تحدثت عن « جينيالوجيا الأنا » في قصيدة لافتة تحمل العنوان ذاته، فلا ضير من إسقاط إشكالية الهوية من جديد، لنتحدث بدورنا عن جينيالوجيا «أنا» اليسار الفرنسي. فالجواب بشأنه عن سؤال «من هو»، اليوم، يتركنا في حيرة من أمرنا.
اليسار الفرنسي في حالته الراهنة في مخاض، لكن خلافا لتوجه سائد، لست متشائما منه. بيد أن غياب تشاؤمي هذا لا يتركني على قدر من السذاجة، بحيث أرجح له مستقبلا موفقا في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالصراع الذي يعيشه اليسار الفرنسي داخلي وحاد. إنه صراع يدور في قلب «المفاعل السياسي» للتشكيلة، صراع على الجذور سيوجه من الآن فصاعدا الكيفية التي ستتفتح بها براعم الفروع الفكرية لأسرة سياسية قدر لها أن تولد من جديد.
فلا بد للشرنقة أن تتفلق قبل أن تصبح فراشة.
والسؤال كيف؟ أحد عناصر الجواب يكمن في طبيعة القاعدة الانتخابية التي صوتت لبونوا هامون لتضع في الواجهة « يسار اليسار» الذي ظل محل لوم وتوبيخ ممنهجين خلال فترة إدارة مانويل فالس للأغلبية الحاكمة. هل صوتت لمن تسموا بـ«المتمردين » قاعدة انتخابية تقليدية من مناضلي «اليسار التاريخي» فأرسلت بذلك رسالة تناشد جهاز الحزب «رص الصفوف»، بالعودة إلى ما تراه هي مبادئ وقع التفريط بها، أو بعبارة أقل دبلوماسية، الضرب بها عرض الحائط؟ أم هل وقفت وراء هذا التصويت قاعدة حركتها بالأساس خطة « تقويضية » تستهدف الزج بهامون إلى الأمام لامتصاص أوسع طيف ممكن من تيارات اليسار؟ وربما كان من الأصح الحديث هذه المرة عن «تيارات التقدم». في هذه الحالة، لا مجال للتشكيك، فالخطة محكمة الترتيب، إنها من صنع أيادي أنصار ايمانويل ماكرون، وهي أياد لم تعد خفية بالمطلق. ووفق هذا التشخيص، يشكل هامون أضعف حلقة في وجه مترشحهم وأسهل وسيلة لتعبد له الطريق أمام إعادة ترتيب البيت الداخلي. لكن وفق هذا المنطق أيضا لا تقف إعادة ترتيب البيت الداخلي عند حد تجميع مكونات متناثرة إلى أقصى درجة، بل تتجاوزها سريعا عبر خطة تعمل على صهرها وتذويبها في بوتقة تضع تصور هامون لـ« تضاؤل العمل» في خبر كان، ما أن يستلم ماكرون زمام قيادة الفصل الموالي من المسلسل الانتخابي.
هذا أنسب سيناريو أراه قابلا للتحقيق وفق معطيات المشهد الحالي. وهو سيناريو لا نستبعد معه تماما قدرة ماكرون على خلق المفاجأة، خاصة إن دفع اليمين قسرا إلى اتخاذ تدابير اضطرارية، في مسعى غير متوقع المآل لإطفاء حريق بدأت ألسنة نيرانه تتصاعد وتأكل الأخضر واليابس أكثر فأكثر.
أيا كانت الحال، فسوف تكون هذه الانتخابات التمهيدية قد فتحت الباب واسعا امام نقاش ثري. نقاش بدأه هامون وهو يغوص بعيدا في ملف «نهاية العمل» الضارب جذوره في قراءته الخاصة لدراسات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OCDE). نقاش فتحه أيضا بانحيازه في تأويل للعلمانية في تصور أكثر ليبرالية وفق التيار الذي قاده في هذا الشأن اريستد بريان والذي غلبه تيار كومبس وقت التصويت على قانون فصل الدين عن الدولة في فرنسا.
كما أحكم هامون الربط بين قضايا النشاط الاقتصادي وتلك المتعلقة بالبيئة.
لن يحضر فالس حفلة تنصيب هامون مترشحا رسميا للحزب الاشتراكي الفرنسي، فقد أعلن أقاربه عن ذهابه الوشيك في ”عطلة”. تبدو وكأنها باكورة أيام عصيبة تنذر بشرخ في الحزب، أثره مرشح أن يكون بليغا.
ولئن فتح هامون نقاشا للأفكار، فما مقدار قابليته للتحقيق على الميدان عندما يتوجه المواطن الفرنسي لصناديق الاقتراع وليس مجرد الناشط الحزبي؟
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات