عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jun-2017

رئاسة ماكرون والشرق الأوسط

الغد-بريزمايسلو أوسيفتش - (معهد الشرق الأوسط) 24/5/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
شكل انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا بالتأكيد أخباراً سيئة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط. ومن غير المرجح أن تعدّل فرنسا من موقفها فيما يتعلق بالتحديات الإقليمية الأضخم، مثلاً، الحرب الأهلية السورية المتواصلة والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني أو الحرب الباردة بين إيران والعربية السعودية.
ومع ذلك، ولكونه داعماً مخلصاً للوحدة الأوروبية، فإن ماكرون سوف يحاول بالتأكيد ترويج وجهة النظر الفرنسية المتعلقة بالشؤون الشرق أوسطية بين شركائه الرئيسيين في الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا وإيطاليا، وتقوية نفوذ فرنسا والاتحاد الأوروبي في المنطقة في الوقت ذاته.
إذا استمرت إدارة ترامب في خفض الدور الأميركي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الحد الأدنى، فسوف يكون ماكرون حريصاً على ملء هذا الفراغ وفق شروطه الخاصة. ومع أنه ينتقد الماضي الاستعماري الفرنسي، فإنه يريد أن تكون فرنسا حاضرة أيضاً، وأن تلعب دوراً بناءً في الشؤون الإقليمية لهذه المنطقة.
ليس ماكرون من النوع الذي تفضل المجموعات الإرهابية العدوة أن تواجهه. فمما لا شك فيه أن انتخاب مارين لو بان كان سيعمل على تغذية الروايات الراديكالية للمتطرفين الإسلامويين وتمكينهم من تجنيد المزيد من الأتباع في أوروبا. وغني عن البيان أن آراءها الفظة كانت تسير في خط مواز لمنظور المتطرفين. ويتجلى ذلك في الفوضى الراهنة في الشرق الأوسط، والتي تشكل أحد التداعيات الواضحة للماضي الاستعماري والعداوة الثقافية وعدم التسامح الديني الذي تغذيه القوى الغربية، بما فيها فرنسا نفسها.
 على الرغم من أن تصريحات ماكرون تشير حتى الآن إلى أن موقفه من العمليات المعادية للإرهاب سوف يكون حازماً ومتماشياً مع موقف سلفه، فرانسوا هولاند، فإن خطاب ماكرون سوف يكون أقل استفزازية بكثير مقارنة مع الموقف المتطرف الذي تتبناه مارين لو بان. وعلى هذا الأساس، سوف يكون قادراً على تعزيز صورته كرئيس للأمة الفرنسية كلها، وعلى التقليل من مستوى الاستقطاب المجتمعي عالي الوتيرة. وقد تبدو سياسات ماكرون الشمولية أفضل وصفة للنجاح المحلي، وسوف تخفض بشكل كبير النفوذ من المجتمعي لكل من المجموعات اليمينية ومن التطرفية الإسلاموية على حد سواء.
يبدو من شبه المؤكد أن ماكرون سيبذل قصارى جهوده في سبيل ترويج أفكاره السياسية المتعلقة بالشرق الأوسط على المستوى الأوروبي. وفي الوقت الراهن، يستطيع التعويل على دعم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، بالإضافة إلى مسؤولين رئيسيين في الاتحاد الأوروبي، بمن فيهم دونالد تسك وجان كلود جنكر اللذين دعما علناً ترشحه للرئاسة خلال الحملة الانتخابية. وفي المقابل، سوف يحاول ماكرون تقوية دبلوماسية الاتحاد الأوروبي والتأكد من أن الصوت الأوربي سوف يسمع على المسرح العالمي.
 قد لا يجد هذا الموقف ترحيباً حاراً من جانب الإدارة الأميركية الحالية؛ إذ يفضل الرئيس دونالد ترامب رؤية الشركاء الأوروبيين كمجموعة من الدول القومية بدلاً من رؤيتهم في شكل تكتل من البلدان، والذي يكون منظماً بشكل جيد بحيث يستطيع تحدي الدبلوماسية والمصالح الأميركية في المنطقة.
سوف لن تؤثر محصلة الانتخابات الرئاسية الفرنسية على موقف فرنسا من الصراع السوري. وسوف يدعم ماكرون دبلوماسية الاتحاد الأوروبي ويتخذ بين الفينة والأخرى إجراءات أحادية الجانب إذا كانت الأراضي السورية مصدراً لأي تهديد للأمن القومي الفرنسي (كما حدث في العام 2015). وفي الأثناء، سوف تقدم فرنسا دعمها للولايات المتحدة في جهودها لاستعادة السلام وضمان حماية حقوق الإنسان في سورية. وكان ماكرون قد رحب بالضربات الجراحية التي وجهتها الولايات المتحدة إلى سورية بعد الهجوم الكيميائي الذي شنته القوات الحكومية ضد المدنيين في خان شيخون.
على العكس من ذلك، سوف لن تكون فرنسا ماكرون شريكاً سهلاً لروسيا، وقد تستمر في معارضة المبادرات الروسية المتعلقة بالصراع السوري، بما في ذلك عملية الأستانة. وتعود الخلافات بين النهجين، الروسي والفرنسي، وراءً إلى بداية الحرب السورية. ومن غير المرجح أن يدعم الفرنسيون فرض روسيا وتركيا وإيران سيطرة كاملة على العملية السياسية في سورية. وبدلاً من ذلك، سوف يسعون إلى تحقيق تعاون أوثق مع الولايات المتحدة والحلفاء اللآخرين في هذا الشأن. وسوف يبذل ماكرون قصارى جهده للتأكد من أن لا تحل "عملية الأستانة"  محل "عملية جنيف"، ومن أن يركز أول اتفاق سلام مستقبلي على المبادئ اليورو-أطلسية، وليس المبادئ اليورو-آسيوية.
بينما يظل من المحتمل أن تذهب فرنسا إلى التعاون مع الولايات المتحدة في حالة سورية، فإن ماكرون لن يكون مؤيداً لإسرائيل مثل إدارة ترامب. وحتى لو لم تتخذ باريس جانباً في الصراع الإسرائيلي –الفلسطيني رسمياً، فليس سراً ملاحظة أن أعمالها السابقة وكذلك سياساتها كانت تفضل الفلسطينيين. ففي العام 2012، صوتت فرنسا لصالح طلب فلسطيني برفع منزلة فلسطين إلى دولة مراقب غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبعد أعوام قليلة، حذر البرلمان الفرنسي إسرائيل من أن فرنسا سوف تعترف بدولة فلسطين إذا فشلت المفاوضات. ومع ذلك، يقول ماكرون صراحة أن أولويته تكمن في خلق جو يمكن من استئناف عملية سلام. كما أنه ضد أي اعتراف سابق لأوانه بفلسطين. وبالإضافة إلى ذلك، وكما في سورية، ربما سيختار ماكرون موقفاً أوروبياً أكثر تماسكاً وبناءً أكثر حول الصراع.
وأخيراً وليس آخراً، ثمة القليل من الشك في أن ماكرون سوف لن يشارك ترامب في جرد خطة العمل الشامل المشترك "الاتفاق النووي الإيراني" وسوف يعارض على الأرجح أي عقوبات تتعلق بغير المخالفات النووية. والمحرك وراء هذا الموقف اقتصادي بحت. فعلى عكس الولايات المتحدة، تعتبر فرنسا من بين أكبر المستفيدين من الاتفاقية مع إيران. وكان بعض عمالقة الاقتصاد الفرنسي قد وقعوا عقوداً مربحة مع نظرائهم الإيرانيين في وقت مبكر من العام 2015. من بينهم كانت شركة توتال وشركة السكة الحديدية "اس ان سي اف" وبيجو وستروين وفنسي 2016 واير باص. وخلال زيارة الرئيس حسن روحاني لفرنسا في كانون الثاني (يناير) 2016، وقع البلدان عقوداً بلغت قيمتها أكثر من 33 مليار دولار. ولهذا السبب الواضح، سوف لن يكون ماكرون راغباً في إعادة التفاوض على الصفقة، ناهيك عن إلغائها، ما لم تشكل ممارسات إيران انتهاكاً واضحاً للاتفاقية أو تهديداً للأمن القومي الفرنسي.
بشكل عام، قد يكون هناك تفارق في المصالح أكثر من التلاقي بين فرنسا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وهكذا، قد يجد ترامب أن من الصعوبة بمكان الحصول على "صفقات جيدة جداً جداً" مع نظيره الفرنسي.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Macron’s Presidency and the Middle East

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات