عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2018

رقصات الراب والخراب العربي.. *ابراهيم عبدالمجيد القيسي

 الدستور-ما المعنى الذي نفهمه من القول «طعة وقايمة» ؟ هل يشبه الفكرة التي كنا نقولها للكبار الرصينين أو للذين يحتكمون لنموذج اجتماعي ما، ولا يمكنهم الرقص مثلا أو المشاركة في الغناء في «عرس الحي»..كانوا يقنعونهم بالقول ..مهو عرس يا ابن الحلال ..شارك هالناس فرحهم.

في الواقع أنا أتحدث عن نموذجين غير متشابهين البتة، في الأول «طعة وقايمة.. وما حدا شايف حدا ..الخ الأمثال المحفزة للتحلل من القيود»، نتحدث عن نموذج وسلوك معروف في علم الاجتماع، فجميع مدارسه أجمعت على أن سلوك المجاميع مختلف تماما عن سلوك الفرد وحيدا، أما في المثال الثاني فنحن نتحدث عما يعرف بـ»التابو» في علم الاجتماع، أي أن بعض الأشخاص أو المجتمعات تلتزم ببعض الأفكار والقناعات وترفعها الى مستوى القيم أو الأخلاقيات، وتجعل منها خطوطا حمراء لا يمكن لهم أن يتجاوزوها، وقد تكون مثل هذه الأفكار أو العادات أو الثقافات نابعة من مفاهيم عقائدية أو اجتماعية أو غيرها..
في «الطعة» التي تقوم في مناسبات في شوارعنا وبعض مناطق «الهايد بارك»، تلك التي اتفق عليها من اعتبروا من أنفسهم مناضلين، نجد أشخاصا نشهد لهم بالأخلاق الرفيعة وبالمواقف الوطنية النظيفة، لكننا نستغرب من سلوكهم حين يشاركون باعتصام او مظاهرة أو ساقتهم الظروف ليقفوا في عمق «غوغاء»، حيث تنتفي عنهم شخصيتهم التي نعرفها، ويبدأوا بالتصرف كما يفعل باقي الحشد، الذي قد يتلقى إيعازاته من قائد شعبي محترم او من «بلطجي» أو ربما من سياسي يعرف أين يقف من خصوماته وخصومه التاريخيين، أو من عميل يتقاضى أجرا عن كل حركة او كلمة ينطق بها أمام الحشد فيرددها الحشد بشكل جماعي..هؤلاء جميعهم يقفون في الحشد الثائر، يضاف إليهم مواطنون آخرون وقفوا بلا رأي ولا حسابات سياسية ولا عدوانية ولا حقد أو ضغينة على جهة او شخص بعينه،  سوى شعورهم بالغضب الناجم عن عدم قناعتهم بما يجري من حولهم، ومثل هؤلاء هم وقود الثورات وحطبها، وهم أكثر الناس صدقا ووفاء وتضحية، يدفعون بحياتهم أحيانا ثمنا، بينما يقطف الثمار لصوص وتجار دم ورؤساء عصابات او قادة وزعماء لتيارات أخرى، والشواهد كثيرة في التاريخ الإنساني والعربي..والأردني أيضا، فكثيرون من مناطق أردنية لم يشعروا بأن حياتهم تغيرت كثيرا رغم أنهم أطلقوا المسيرات والاعتصامات وتفاعلت الدولة مع مطالباتهم، بل ربما انتظرتها الدولة طويلا كي تشرع في التغيير والديمقراطية، علما أنني مقتنع تماما بأن عملية الاصلاح والتغيير في الدولة الأردنية جارية على قدم وساق، منذ اليوم الأول لنشوء، الدولة، لكن على وقع طلب الحشد تقوم الدول التي تريد التغيير بالتخلي عن بعض مراحل الاصلاح التدريجي، وتثب وثبات كبيرة الى الأمام، وقد عايشنا مثل هذه القفزات الأردنية، لكن ما زال هؤلاء ينخرطون في الاحتجاجات بل ويسبقون الآخرين في إطلاقها، ليظفروا بالنتائج نفسها، ويبدأون من جديد في جمع الاحتقانات النفسية الغاضبة، ليعيدوا الكرّة كما فعلوها غير مرّة..علما أن أكثرهم يستغربون من أنفسهم هذا التكرار الممل، وهم في عمق الاعتصام او المظاهرة يتساءلون عن جدوى بدئهم بإشعال المسيرات والاحتجاجات بينما يستفيد منها آخرون، فيجيبوا أنفسهم «طعة وقايمة» ويزيدوا على الطعة طعات أخرى.
أما المشاركون في «عرس الحي» فهم متواجدون في كل «الطعات» اليوم، وأصبحوا رقاصين، بعد أن كانوا يتصنعون العفة الوطنية ويصدحون بمواويلها على مسامع الناس، فهم انقلبت مهنتهم ودورهم فأصبحوا متعهدي حفلات في واقع الأمر، ويطربوا الحيّ بأغان حداثوية جدا، فأصبحوا نجوما في غناء «الراب» والخراب العربي، وأسعفهم انحلالهم الأخلاقي المتراكم في أن يتولوا إدارة شأن الشوارع، للدرجة التي جعلتهم يكتبون كلمات النشيد الشعاراتي المهترىء، ويصوغونه على «قافية» صريحة من الراب والخراب.
في عرس الحي طعة..قايمة قاعدة، وحين نحضر الاحتفالات الهستيرية ذاتها لأكثر من مرة، فإننا نلحظ قبل غيرنا أن المعزوفة الحقيقية التي يرقص عليها الحشد هي «مأساة وطن». ابتلاه الله منذ نشأته الأولى وتعرض لمواقف تتجاوز مجرد التحشيد ضده وضد مستقبله، لكنه صمد واستمر، فحاصروه اليوم يريدون «خنقه» بأعراس الحي وطعاتها المتعددة الوخيمة..
فارقصوا شباب ، سينفضّ الحفل ويذهب الجميع الى مآربهم ومشاربهم، ويبقى الأردن صامدا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات