عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Dec-2016

المنحى العجائبي في رواية «ياقوت» للبنانية مريم مشتاوي

القدس العربي-عدنان حسين أحمد
 
صدرت عن «دار المؤلف» في بيروت رواية «ياقوت» للشاعرة والروائية اللبنانية السورية مريم مشتاوي، وهي الرواية الثانية في رصيدها الأدبي، وقد حققت فيها تطورا ملموسا، قياسا بروايتها الأولى، في بناء الهيكل المعماري، ونموّ الشخصيات الرئيسة، ورسم النهاية المدروسة. كما استطاعت على الصعيد التقني أن تمزج بين المنْحَيّين الواقعي والعجائبي بطريقة عفوية صادقة لا افتعال فيها.
لا تستهدف رواية «ياقوت» فئة عمرية محددة لأنها رواية لكل الأعمار، فهي رواية أطفال فيما يتعلق بـ «آلان» و«سماء» و«ريم»، وهي رواية شبّان وناضجين كما هي الحال مع «محمد» و«ياقوت»، و«عبدالله»، و«ميراي»، وشخصيات أخرى، وهي رواية كبار في السن إذا تعلّق الأمر بـ«نُهى»، و«يوسف»، و«هناء» و«جوان». كما لا تقتصر الرواية على ديانة أو طائفة أو مذهب بحد ذاته، ففيها خليط من الشخصيات المسلمة والمسيحية والسنيّة والدرزيّة والعلويّة. وأكثر من ذلك فإن الفضاء الروائي ينفتح من الشام، ويمتد إلى عدد من البلدان الأوروبية، ليصل في خاتمة المطاف إلى كندا.
تعتمد مشتاوي على تقنية التقديم والتأخير، وقطع الحدث ثم العودة إليه، فليس بالضرورة أن يكون الزمن الروائي كرونولوجيا، ولهذا فقد بدأت الفصل الأول من منتصف الحدث الروائي، وتحديدا من لحظة إسعاف «محمد» بعد غرق حبيبته «ياقوت» حيث يضعنا البطل بأسئلته المتلاحقة أمام الانعطافة الأولى في الرواية: «بس وين أنا؟ شو صار بياقوت؟ وينها؟» تحتاج هذه الأسئلة الثلاثة إلى إجابات مُقْنعة تسلّط الضوء على العُقدة الأولى وتوضِّح السبب الذي أفضى إلى غرق «ياقوت» وهل بذل حبيبُها كل ما بوسعه لإنقاذها؟ أم لا؟ أشرنا سلفا إلى تطوّر البنية المعمارية لهذه الرواية وربما كان قطع الحدث ثم الرجوع إليه هو أحد هذه التقنيات التي عززت الجانب السردي وساهمت في تنظيم إيقاعه الداخلي الذي ينطوي على عُقَد أخرى مثل فجيعة «عبدالله» بأسرته، وسقوط «ميراي» في حمأة البغاء بعد فشل قصة حبها مع «ليث» إضافة إلى عُقَد جانبية تؤثث السياق العام للنص الروائي.
ما يميّز هذه الرواية عن غيرها أن بعض أحداثها لا يجري على الأرض حسب، وإنما في الفردوس السماوي وقد استعانت مشتاوي بالمنحى العجائبي الذي يجعل المستحيل ممكنا فصار بإمكان الموتى أن يتواصلوا مع الأحياء وكأنها تردد ما قاله «دانتي» بأن «الموت ليس نقيضا للحياة وإنما هو امتداد لها» فلا غرابة أن تتواصل «ياقوت» مع «محمد» وصديقتها «ليلى» وأن يكتب «آلان» لأبيه الأمر الذي منح الفضاء الروائي بُعدا فانتازيا قابلا للتصديق، على الرغم من التردد الذي يصيب المتلقي الذي «لا يعرف غير القوانين الطبيعية» كما يذهب تودوروف.
تبدأ الرواية بداية إنجيلية مُعزَّزة بالتقنية العجائبية لكنها تأخذ منحى واقعيا عندما نلامس العُقَد الثلاث، فمحمد لم يبذل قُصارى جهده لإنقاذ «ياقوت» لأنه «أراد أن ينجو بنفسه» فلا غرابة أن يدفعها بعيدا عنه لتواجه مصيرها المحتوم بعد أن أدرك أنه سيغرق حتما إن هي ظلت متشبثة به، الأمر الذي يضعنا أمام سؤال كبير مفاده: هل كان يحبها حقا؟ وإذا كان كذلك فلماذا لم يضحِ بحياته من أجلها ويموتا معا؟ تنكفئ العلاقة العاطفية بين «ليث» و«ميراي» وتتحول إلى حاجة جنسية عابرة فتلجأ إلى هولندا لكنها تتحول إلى مومس وترفض اللقاء الثاني بمحمد، لأنها كانت تشعر بأن جسدها قد تحول إلى جثة، وهي ليست أهلا لحبه، كما عرفت من تفاصيل اللقاء الأول أنه حبيب صديقتها «ياقوت» لذلك وضعت حدا لهذه العلاقة، لكنه تمادى حينما عاد إليها ثانية فأوسعه الحرّاس ضربا وألقوه على قارعة الطريق لترسم له الروائية نهاية ضبابية لا تتعدى أحد الاحتمالات الثلاثة: التسكّع في الشوارع أو الموت بحادث سيارة، أو التنسّك في أحد الأديرة. أما العُقدة الثالثة فتتمحور على شخصية عبدالله الذي فُجِع بخسارة ثلاثة أفراد من عائلته، ولعل موت «ابنه «آلان»الذي هزّ العالم أجمع بعد أن لفظتهُ الأمواج على ساحل مدينة «بودروم» التركية هو الأشدُّ وقعا، والأكثر تأثيرا في سياق الرواية ولا شيء يُنقذ هذا الوالد المفجوع إلاّ العطاء، والتقرّب لله، لذلك نصحته «ليلى» بأن يسافر إلى أخته «فيروز» في كندا ويساعد أبناء المهاجرين هناك. وحينما يصل إلى مونتريال يبدأ عبدالله بجمع الجوارب الملونة فقط من أكياس الملابس المستعملة وينهمك في تطريزها وتزيينها بالخرز محوِّلا إياها بمعونة «جوان» إلى دُمى جميلة يسلّيان بها الأطفال، الأمر الذي لفت انتباه رئيس البلدية فاقترح عليهما مسرحا صغيرا يقدّمان عليه عروضهما المسرحية بدلا من التجوال في أحياء المهاجرين بعربة متنقلة يتحلّق حولها الأطفال.
مثلما فُجع عبدالله بموت أفراد أسرته تتقوض عائلة «ياقوت» حيث تموت أمها «هناء» وهي جالسة على الكرسي الهزّاز بعد أن يطلّقها «يوسف» ويأخذ منها ابنها الصغير «زيد».
نوّهنا في مستهل المقال بأن مشتاوي نجحت في اجتراح ثلاثة أنماط من الشخصيات وهي البسيطة والمركّبة والمعقدة، وقد جاء هذا التنوّع نتيجة للثيمات المتعددة التي وجدت طريقها إلى النص الروائي مثل، الحُب، والحرب، والهجرة، واللجوء، والموت، والخيانة، والاغتصاب، والضياع، والتسامي والعطاء وما إلى ذلك من موضوعات إشكالية مثيرة. فـ«سماء» تذكِّرنا بوحشية «داعش»، و»آلان» يحيلنا إلى استباحة الطفولة في زمن الشتات العربي، بينما يأخذنا «زيد» إلى متاهات اليأس والضياع وهذه كلها شخصيات بسيطة تُسهم عبر آلية التضادّ في تجسيم الشخصيات الوسطية المركبّة مثل «ليلى» صديقة «ياقوت»، والمُسعِفة «منال» التي حاولت التقرّب من محمد، لكنها لم تفلح في نهاية المطاف، و«ليث» الكائن اللعوب، والباحث عن الملذات العابرة. أما الشخصيات المعقدة فهي الأكثر عُمقا وإشكالية وأبرزها محمد، وياقوت، وميراي، وعبدالله على الرغم من المصائر المفجعة التي انتهى إليها الجميع. ولا يمكن أن ننسى في هذا الصدد الشخصيات المقدسة مثل مريم العذراء، ورئيس الملائكة ميخائيل، أو سيف النبي إيليا الذي تقاتل فيه «ياقوت» أسماك القرش لتعزز منحاها العجائبي بعد أن وضعها الربّ في مواجهة هذه الكائنات الشرسة التي كانت تلتهم الأطفال وتهرس عظامهم في عرض البحر القُلّب.
لابد من الإشادة بقدرة مشتاوي في تصويرها الدقيق للأمكنة التي عاشت فيها ثلاث شخصيات رئيسة وهي محمد وميراي ومنال وأخرى مؤازرة في ثلاث مدن هولندية وهي «زانستاد» التي سمتها مدينة «الطواحين» وأمستردام و«زفولا»، وهذه الدقة في الوصف توحي بمصداقية الكاتبة في استنطاق الأمكنة، وعدم الاشتطاط في الخيال إلى حدّ التشويه المتعمّد.
الرواية هي نوع أدبي، وأحد اشتراطات الأدب أن يُقرأ مرّة تلو المرة، وأن يصمد أمام تقادم الأعوام، وهذا الصمود لن يتحقق إلاّ بواسطة الأسلوب المتوهج والرصانة اللغوية التي تقترن دائما بالعمق والأصالة وملامسة الوتر الحسّاس في أعماق الكائن البشري. ولو وضعنا المصائر المأساوية لغالبية شخصيات هذه الرواية جانبا لوجدنا أن إيقاعها اللغوي ظل مرتبكا وقاصرا عن مجاراة الأحداث الجسام. فثمة بساطة هي الأقرب إلى البراءة في صياغة التعابير اللغوية حتى على ألسنة الشخصيات الجادة. ومثلما تجاوزت مريم مشتاوي بعض الهنات في روايتها الأولى «عِشق» فإنها تستطيع أن تتجاوز في «ياقوت» بعض العيوب الواضحة، سواء في اللغة الروائية أو النسيج السردي الذي يفتقر إلى الشدّ والتماسك المألوفين في الأعمال الروائية الرصينة.
 
٭ كاتب عراقي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات