عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Mar-2018

استراتيجية جان كلود يونكر الدفاعية الخطيرة

 الغد-آنا بالاسيو

 
مدريد- في عصرنا الحالي، أضحت الفعاليات التي تجمع كل الفاعلين الرئيسيين في السياسة الدولية محصورة في ثلاث مناسبات فقط هي: النقاش العام السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، واجتماعات قمة مجموعة العشرين، ومؤتمر ميونيخ للأمن. ومما يدعو لمزيد من الإحباط خروج مؤتمر ميونيخ للأمن الأخير، الذي عُقد في منتصف شباط (فبراير) المنصرم، بفكرة كبرى واحدة، وليتها كانت جيدة.
لطالما كان مؤتمر ميونخ للأمن مناسبة لا تقتصر على مجرد الالتقاء والرؤية، وإنما فرصة لأن تنصت إلى الآخرين وينصتون إليك. لكن في اجتماع هذا العام، كان المسكوت عنه أعلى صوتا من كل ما قيل. ووصلت تحليلات وتقييمات ما بعد اللقاء إلى نوع من الإدانة للنظام العالمي الذي يزداد حيرة وتخبطا يوما بعد آخر. وقد ركز المراقبون بشكل خاص على شح الأفكار الجديدة أو الحلول المبتكرة في المؤتمر، رغم الأسى البادي حيال ما آل إليه حال العالم.
ويتناقض هذا تماما مع ما حدث في الأعوام الماضية. ففي العام 2015 مثلاً، ساعد مؤتمر ميونخ للأمن على توليد دفعة للاتفاق النووي مع إيران بشأن برنامجها النووي الذي وُقع بعد المؤتمر. وفي العام الماضي، شهد المؤتمر اللقاء الأول بين كبار المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظرائهم في حكومات دول العالم الأخرى. وفي العام 2007، حدثت واقعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن الشهيرة عندما استغل مؤتمر ميونخ للأمن لتقديم رؤيته المتشددة للعالم من خلال خطاب كان نذيراً لما تلاه من تدخلات روسية في جورجيا وأوكرانيا.
وفي مؤتمر هذا العام، تجسدت الفكرة الكبرى التي أشرت إليها في تلك الدعوة التي أطلقها رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر لنقل سلطة صناعة السياسات الخارجية وسياسات الدفاع في الاتحاد الأوروبي من الدول الأعضاء إلى المفوضية. لكن رغم كون يونكر مصيبا في تأكيده على ضرورة اتخاذ الاتحاد الأوروبي خطوات لضمان فعالية تحركاته ودوره في مجال السياسة العالمية، فإن طريقة تناوله للقضية لم تخل من عيوب خطيرة.
إن الاضطلاع بدور رائد في العالم يتطلب من الاتحاد الأوروبي ثقافة معينة وحوافز لتعزيز الترابط والعمل الجماعي. وبدلا من اتخاذ الوقت اللازم لتحقيق ذلك، يريد يونكر أن يسلك طريقا مختصرا بحجة أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن إلزامه دوما بتحقيق الإجماع عندما يتعلق الأمر بالسياسات الخارجية وسياسات الدفاع.
على الرغم من أن المعاهدة المؤسِّسة للاتحاد الأوروبي تحث دوله على التخلي عن درجة معينة من السيادة في بعض المناحي مقابل العضوية، تُعَد السياسة الخارجية وسياسة الدفاع من المجالات التي يفترض أن تحتفظ الدول بسلطتها عليها. أما محاولة العبث بتغيير هذه المعادلة فتمثل تجاهلا للواقع السياسي وتهدد بتحويل المشروع الأوروبي إلى مسار خطير.
وما مقترح يونكر الذي طرحه في مؤتمر ميونخ للأمن إلا صدى لتوصيات مشابهة متعلقة بالسوق الموحدة سبق أن اقترحها في خطابه بشأن حالة الاتحاد للعام 2017، فكلا المقترحين يمثل جزءاً من مسعى أكبر لنقل السلطة من المجلس الأوروبي إلى المفوضية -وهو مسعى عززه يونكر مؤخرا عندما قام بتعيين مارتن زلماير، وهو الرجل الذي يكاد يسيطر عليه تماماً، أميناً عاماً للمفوضية، وهو أرفع منصب إداري في الهيئة.
والآن سوف يتمتع زلماير -الذي اعتبره بعض المراقبين بعد تعيينه رئيساً لديوان يونكر شبيهاً بشخصيات مثل مكيافيلي وراسبوتين- بنفوذ أكبر ربما يمتد إلى اختيار رئيس جديد للمفوضية العام المقبل. والواقع أن ردة الفعل إزاء الطريقة التي جرى بها التعيين -والتي غُلفت بالسرية لتفادي مشاركة الدول الأعضاء- لا بد أن تكون أكثر من مجرد الدهشة والاستغراب.
لكن مثل هذه المكائد ليست إلا عرضاً لمشكلة أعمق تتعلق بنهج يونكر. ولا تكمن المشكلة في احتمالية نجاح هذا النهج -فإن تفعيل فكرة الولايات المتحدة الأوروبية قد يحقق الكثير- لكن المشكلة في استحالة نجاح هذا النهج؛ إذ إن الأوروبيين غير مستعدين ببساطة للتنازل عن المزيد من السيادة للاتحاد الأوروبي.
منذ تفجر الأزمة المالية العالمية قبل عقد مضى، ثبتت أوروبا على وضعية التشارك بين الحكومات في التعاطي مع القضايا المختلفة. وأضحى آخر شيء تحتاجه القارة نظاما رنانا ليس مؤهلا للإنجاز. فما بين الاتحاد الاقتصادي والنقدي، واتحاد البنوك الأوروبية، واتحاد الطاقة -وكان إطلاق كل منها مصحوبا بضجيج كبير ثم أضحى الآن تائها بلا هدف- نجد أن الاتحاد الأوروبي لديه بالفعل وفرة من مثل هذه المسميات الرنانة.
وبدلاً من الإشادة المؤدبة بقلاع في الهواء، ينبغي لمسؤولي الاتحاد الأوروبي وحكوماته الأعضاء العمل بعقلية صادقة وواقعية على بناء الإجماع حول القضايا الخارجية وقضايا الأمن. ولا يعني هذا تغيير القواعد في قمة الهيكل، بل بناء التماسك بدءاً من القاعدة.
ولضمان عدم استدراج هذا الجهد إلى غياهب المط اللامتناهي، كما يحدث مع كثير نقاشات الاتحاد الأوروبي، ينبغي أن نبدأ بأهداف ملموسة. ويمثل اتفاق التعاون المنظم الدائم في مجال الدفاع الذي وافق عليه المجلس الأوروبي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي نقطة انطلاق جيدة لهذا المسعى، مع زيادة الدول مثلاً لنشاطاتها في مجال التخطيط الاستراتيجي المشترك على المستوى الأوروبي. واستلهاماً لمقترح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الأخير بربط تمويل الاتحاد الأوروبي بقبول المهاجرين واستيعابهم، ينبغي للدول الأعضاء أن تعمل أيضاً على إيجاد حوافز أقوى للتعاون.
من الصعب بلا شك أن تتوحد تحركات وتصرفات 27 دولة ذات سيادة. لكن محاولة التغطية على الخلافات أو تحاشي المعارضة، ناهيك عن تدمير الاتفاق الذي يمثل جوهر المشروع الأوروبي، لن تجعل الأمور أكثر سهولة، على الرغم من الإغراء الذي قد يحرك مثل هذه المحاولات. ويمر الطريق الوحيد الذي يضع أوروبا في المكان الذي تحتاجه من خلال جهد واقعي وتدريجي لبناء الوحدة. هذا هو الدرس الرئيس الذي كان ينبغي أن تخرج به أوروبا من مؤتمر ميونخ للأمن.
 
 
*وزيرة خارجية إسبانية سابقة ونائبة رفيعة سابقة لرئيس البنك الدولي، عضو في مجلس الدولة الإسباني، ومحاضرة زائرة في جامعة جورج تاون، وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي في الولايات المتحدة.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات