عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Apr-2018

حرب العراق: الجريمة التي مرت بلا عقاب

 الغد-بيتر سينغر

برنستون - في الشهر الماضي، أحيت صحيفة "نيويورك تايمز" الذكرى الخامس عشرة للحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق بمقال مؤثر لسنان أنطون، وهو روائي عراقي يعيش في الولايات المتحدة الأميركية، تحت عنوان "قبل خمس عشرة سنة، دمرت أميركا بلدي". وقد عارض أنطون كلا من الدكتاتورية الوحشية لصدام حسين وغزو العراق الذي قادته أميركا في العام 2003، والذي أغرق البلاد في الفوضى وأثار التوترات العرقية، وأدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين. كما أدت الحرب إلى زعزعة استقرار المنطقة،  مما ساهم في صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي احتل في أوج قوته أجزاء مهمة من الأراضي العراقية، وقطع رؤوس خصومه، ومارس التطهير العرقي ضد الأقلية الأيزيدية، بالإضافة إلى نشر الإرهاب حول العالم. 
مما لا شك فية أن الحرب التي شنت للإطاحة بصدام كانت خطأ مأساويا، والتي يعتقد أنطون بأنها كانت جريمة. وإذا كان هذا الكلام صحيحا، فإن مرتكبي تلك الجريمة ما يزالون طلقاء. وسوف يأخذ قلة من الأميركيين على محمل الجد فكرة أن الرئيس جورج بوش الابن وغيره من أعضاء إدارته –بمن فيهم نائب الرئيس ديك تشيني؛ ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد؛ وجون بولتون الذي عينه ترامب مؤخرا مستشاره القادم للأمن القومي- هم في الحقيقة مجرمو حرب. كما أن قلة من البريطانيين سينظرون إلى رئيس الوزراء توني بلير كمجرم حرب أيضاً. ومع ذلك، فإن الحجة على ارتكابهم جرائم حرب تظل قوية بشكل مدهش.
إن فكرة ان البدء بحرب عدوانية يعتبر جريمة تعود على أقل تقدير إلى سنة 1919 عندما مهدت معاهدة فرساي لمحاكمة القيصر فيلهلم الثاني بسبب " الجريمه العظمى ضد الاخلاق الدوليه" ولم يتم اقامة مثل تلك المحاكمات بعد الحرب العالمية الأولى ولكن بعد الحرب العالمية الثانية كان شن الحروب العدوانية احدى التهم الاربع التي اعتمدت عليها المحكمة الدولية العسكرية خلال محاكمات نورمبرج من اجل ادانه 12 قائدا نازيا والحكم عليهم بالاعدام ومن بينهم مارشال الرايخ هيرمان جورنج ووزير الخارجية جواكيم فون ريبينتروب والمشير فيلهلم كايتيل.
بعد المحاكمات وضعت مفوضية القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة المبادئ القانونية الأساسية في وثيقة اطلقت عليها اسم "مبادئ نورمبرج "حيث تنص تلك المبادئ على أن أي شخص يرتكب جريمة بموجب القانون الدولي هو مسؤول عنها ويتعرض للعقوبة بغض النظر عن قانونية سلوكهم طبقا للقانون المحلي للدولة التي مارسوا فيها ذلك الجرم. تنص الوثيقة على بضعة جرائم بموجب القانون الدولي بما في ذلك "التخطيط والاعداد والبدء وشن الحرب العدوانية أو حرب تنتهك المعاهدات أو الاتفاقيات أو التطمينات الدولية " و "المشاركة في خطة مشتركة أو مؤامرة " للبدء بمثل هذه الحروب أو شنها.
لقد لعبت الولايات المتحده الأميركية والمملكة المتحدة أدوارا قيادية في محاكمات نورمبرج ولو فشلتا في تطبيق المعايير نفسها على قادتهما ، فهل يعني ذلك أن هناك بعض النفاق ؟
كان غزو العراق عملا عدوانيا ضد بلد لم يكن يهاجم أو يهدد بمهاجمة بلد آخر. وشكل الغزو انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة، التي ينص ميثاقها على أنه على "جميع الأعضاء الامتناع اثناء ممارستهم لعلاقاتهم الدولية عن التهديد بالقوة أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي أو بأي طريقة أخرى لا تتوافق مع أغراض الأمم المتحدة". وقد سعى بوش وبلير للحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي للهجوم، حيث زعما أن العراق كان ينتهك ميثاق الأمم المتحدة بنزع السلاح. لكن فرنسا والصين وغيرها من أعضاء مجلس الأمن رفضوا ذلك، على أساس أنه يجب السماح لمفتشي الأسلحة المتواجدين في العراق آنذاك بالاستمرار في عملهم من أجل تحديد ما إذا كان صدام يمتلك أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك، مضى بوش وبلير قدما بالهجوم. 
كان بولتون -الذي كان في ذلك الوقت وكيل وزارة الخارجية للحد من التسلح والأمن الدولي جزءا من "الخطة المشتركة لشن حرب عدوانية". وقد أساء بولتون لمحللي الاستخبارات الذين لم يتفقوا مع الطرح الذي أرادت إدارة بوش أن يدعموه. وعلق جون برادوس، الزميل في أرشيف الأمن القومي لجامعة جورج واشنطن، بأن "المحللين الذين كانوا يعملون على الاستخبارات المتعلقه بالعراق لا يمكن لومهم عندما استنتجوا أن حياتهم المهنية يمكن أن تكون في خطر إذا قدموا إجابات تختلف عن تلك التي أرادت إدارة بوش سماعها". وقامت إدارة بوش باختلاق أدلة مزورة ومضللة، وأبرزها مستندات مزوره تظهر أن العراق سعى إلى شراء اليورانيوم من النيجر، من أجل تبرير قرارها المتخذ مسبقا لغزو العراق الغني بالنفط.
ومن جهته، برر بلير الغزو بأنه كان ضروريا لمنع صدام من ارتكاب جرائم ضد الانسانية. وفي مذكراته الأخيرة، رفض غاريث إيفانز، وزير الخارجية الأسترالي السابق والمؤلف الرئيسي لمبدأ "مسؤولية الحماية" التي تعتبر أساس التفكير الدولي فيما يتعلق بتبرير حرب ما على اساس التدخل الانساني، ما ادعاه بلير. ويقر غاريث بأن صدام ارتكب فظائع في الثمانينات وأوائل التسعينات كان يمكن أن تبرر التدخل. ولكن بحلول سنة 2000، لم يكن سلوكه "أكثر سوءا من عشرات الآخرين الذين اعتادوا على انتهاك حقوق الإنسان حول العالم".
من غير المرجح أن يحاكم بوش أو أي عضو من إدارته على جريمة شن حرب عدوانية، علما بأن المكان الواضح لمثل تلك المحاكمة هو المحكمة الجنائية الدولية. وعلى الرغم من أن الرئيس بيل كلينتون وقع الاتفاقية التي تؤسس المحكمة الجنائية الدولية، قامت إدارة بوش بسحب التوقيع، وما تزال الولايات المتحدة الأميركية دولة غير عضو في الاتفاقية.
لكن هذا لا يعني أنه لا فائدة من مناقشة الطبيعة الجنائية للهجوم على العراق. فقد بدأت التوترات العالمية بالتصاعد منذ أن تولى ترامب مهام منصبه، وسوف يزيد قرار تعيين بولتون من تلك التوترات بالنظر إلى آرائه المتشددة للغاية فيما يتعلق بإيران وكوريا الشمالية. وقد حان الوقت لنذكر أنفسنا بأن شن حرب عدوانية عادة ما يكون خطأ، لكنه يظل دائما جريمة، حتى لو لم تتم معاقبة مرتكبها.
*فيلسوف أخلاقيات أسترالي. يشغل حاليا منصب أستاذ إيرا دبليو. ديكامب للأخلاقيات الحيوية في جامعة برنستون، وهو أستاذ في مركز الفلسفة التطبيقية والأخلاقيات العامة في جامعة ملبورن.  يعمل بتخصص في مجال الأخلاقيات التطبيقية ومقاربة المواضيع الأخلاقية من منظور علماني ونفعي. حاز الشهرة لكتابه "تحرير الحيوان" (1975)، وهو نص مرجعي في نظرية حقوق وتحرير الحيوان.
 
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات