عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Apr-2017

تستمرّ رحلة البحث عن فلسطين*لطفي العبيدي

القدس العربي-السؤال المطروح إلى متى ستضمن إسرائيل بقاءها بالوسائل العسكرية، وهي البعيدة عن داعميها آلاف الأميال، وهي التي تتجاهل فرص السلام وتعتبر نفسها الأقوى، وتُمارس سياسة التّمييز العنصري بكلّ الطرق المتاحة، وترفض معاملة الفلسطينيين كشعب.
وهي في ذلك مُثقلة بهمّ جرائم الماضي والحاضر، وتندفع بقوّة نحو عنف متواصل ترغب فيه وترى أنّه كفيل بالقضاء على الطموح الفلسطيني في الاستقلال وتحقيق السلام، وما يشغل بال العقل الاسرائيلي كان دوما عدائية الحالة العربية، وعدم تقبّلها والدفع باتّجاه تفكيكها إلى طوائف، باعتبار أن الحالة الطائفية هي حليف طبيعي لإسرائيل، وعندما تتحوّل الأوطان العربية إلى طوائف تصبح إسرائيل هي الطائفة الكبرى والأكثر تنظيما، خاصة مع ادّعائها الديمقراطية، وتتاح لها إمكانيات التحالفات التي اشتغلت عليها إلى أبعد مدى، خاصة في السنوات الأخيرة.
أمّا استقلال فلسطين فهو أمر لا أهمّية له لدى الإسرائيلي، فكما بحث ثيودور هرتزل عن تحويل الفلسطينيين إلى أشباح، كذلك يعمل القادة الصهاينة المتتالين، فمجرّد نشر الدعاية الكاذبة بأنّ الفلسطينيين لم يكونوا هناك في يوم من الأيام، كفيل بشرعنة العنف، ومحاولات الإلغاء المادّي والفيزيائي للفلسطيني. وهنا يصبح السكّان الأصليون دُخلاء على منطقة ليست لهم، ويغدو انتزاع الأرض وإضافة سكان إسرائيليين أمرا مشروعا لا استيطانا لغرباء وطفيليين «عابرون في كلام عابر».
افتكّوا الأرض ويرغبون في افتكاك التاريخ عبر تقويض الحاضر، ودعامتهم في ذلك أمريكا. وهنا يصدق قول ادوارد سعيد :»إنّ الصّهيونية الأمريكية أكثر خطورة من الصهيونية الاسرائيلية، لأنّها قائمة على تخيّل أنّ الفلسطينيين ليسوا موجودين على الإطلاق، وعلى أنّه يمكن معاملتهم بوصفهم ميكروبات، وفي أحسن الأحوال بوصفهم مجرّد رواية أيديولوجية».
تستمرّ رحلة البحث عن فلسطين، وهي التسمية التي أطلقها ادوارد سعيد على الفيلم الوثائقي الذي أنتجه لمحطة «بي بي سي» ثمّ اختفى تماما بعد عرضه لأنّ الخوض في المسألة الفلسطينية أمر ممنوع في الأوساط الأوروبية والأمريكية بشكل خاص، وإذا حدث وذُكرت فلسطين فلا تتجاوز حواشي الهامش، لأنّ المنظّمات الصهيونية تقف بقوّة لجعل الموضوع الفلسطيني من نوافل نوافل القول ومن تفريعات الهوامش. وكأنّ الجميع يرفض تقديم الفلسطينيين «بوصفهم بشرا ذوي تاريخ وقضية».
هكذا تمّ السّطو على التاريخ وافتكاكه عبر تزويره ويتواصل سلب الحاضر الذي يقبل وجهة النظر الاسرائيلية، وتُختزل فيه صورة الفلسطيني فتغدو بلا ملامح.
وفي كلّ ذلك يندفع العرب بحماسة ببّغائية نحو سلام موهوم، ويأملون بخيالهم الشرقي الجامح أن تُعلن إسرائيل يوما تخلّيها عن أشكال العداء المستمرّ ويغيبُ عنهم أنّها بذلك ستتخلّى عن الأوكسيجين الذي يغذّيها.
علينا أن نقاوم التزييف الفاضح والفادح لكلّ من مفهومي العدل والسّلام، ونحتاج إلى وقفات مدقّقة حول المآل الذي بلغه المشروع القومي العربي في اللحظة الراهنة، ووقوعه أسير العجز عن إطلاق طاقات الشعوب وتجديد خطابات المجتمع، فإسرائيل رفضت وبشكل مبكّر جدّا أن تعترف بالعرب كأمّة، وهي تسعى إلى تجزئة المنطقة ليسهل عليها التعامل مع كيانات وطوائف بدل أمّة. هذه هي الثوابت في الذهنية الاسرائيلية منذ بداية التواجد الصهيوني في فلسطين، رُوّج لاستبدال الهوية القومية الجامعة بهويات طائفية مُفرّقة، وهذا ما حدث بعد غزو العراق وهو أكبر مثال في هذا السياق.
في المحصّلة يبدو أنّه لا سبيل أمامنا لتجاوز حالات الطائفية والعشيرة وكل تشكّلات ما قبل الدولة إلّا بالتمسّك بالهوية العربية الجامعة، لإقامة تماسك حقيقي في كلّ بلد أوّلا لينسحب الأمر في ما بعد على الأمّة ككلّ، إذا ما كنّا نُعدُّ القرن الواحد والعشرين منطلقا حقيقيا لصراع بين عهود الانكسار والتشظّي، وبين ولادة ثقافة المقاومة والطموح إلى استئناف الدور الثقافي والحضاري.
كاتب تونسي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات