عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Jun-2017

الديمقراطية تنتصر على الإرهاب

الغد-كريس باتِن
 
لندن- قبل بضعة أيام كنت أتجول في شوارع باريس، وكان الهواء دافئاً والسماء زرقاء صافية، وشعرت وكأنني في أفضل مكان في الكون. وكحالها دائماً، بدت باريس أنيقة تنضح بالثقة والبهجة. فقد انتخبت فرنسا منذ فترة وجيزة رئيساً جديداً ذكياً وشاباً ووسيماً وشجاعاً، والذي بدا منسجماً مع أجواء المدينة. ولولا ذلك القدر الكبير من الأخبار المؤسفة التي كدرت اليوم، فإن كل الأسباب كانت لتدعوني إلى السير وثباً بخطوات رشيقة.
بطبيعة الحال، كانت الأمور لتختلف كثيراً. فقبل ثمانية عشر شهراً فقط خَلَّف هجوم إرهابي في باريس 130 قتيلاً والمئات من الجرحى. وفي تموز (يوليو) الماضي في نيس، اندفع مهاجم إرهابي بشاحنته في يوم الباستيل عبر حشد من الناس يحتفلون عند الواجهة البحرية للمدينة، فقتل 86 شخصاً. وبعد فترة وجيزة، ذَبَح مهاجم كاهناً مسناً في كنيسة في نورماندي. وفي نيسان (أبريل) الماضي، قبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية مباشرة، قُتِل شرطي رمياً بالرصاص في الشانزيليزيه.
لكن هذه الأفعال الوضيعة، الناجمة عن تفسير مشوه لدين عظيم، لم تمنع الفرنسيين من انتخاب إيمانويل ماكرون، الرجل الذي يعلم أن اليقظة تتطلب احترام كل أعضاء مجتمعنا. ولكي نحارب الشر، يتعين علينا أن نرفض الإقصاء والكراهية، ولا ينبغي لنا أبداً أن نلوث سمعة شريحة كبيرة من مجتمعنا.
ذُكِّرت بهذا الدرس عندما كنت أستقل سيارة أجرة من وسط باريس إلى جار دو نورد. وبعد أن اشتكى السائق من المنافسة من أوبر (وهي لازمة مألوفة بين سائقي سيارات الأجرة في لندن أيضاً)، انتقل إلى استنكار العالَم وكل ما فيه. فزعم أن العولمة والهجرة الجماعية تدمران الوظائف، وتربكان الخدمات العامة، وتهددان الهوية الوطنية الفرنسية، وتفرخان الإرهابيين.
غني عن القول إن السائق صوت لصالح مارين لوبان -على الرغم من أنه لم يبد وكأنها تنطبق عليه مواصفات ما تسميه الجبهة الوطنية الفرنسي "نقي الدم". وبطبيعة الحال، صوت أغلب الفرنسيين للجهة الأخرى. وعلى الرغم من أن تظلمات السائق تظل منتشرة ورائجة، فإنها لا تمثل نهجاً متماسكاً وقائماً على الحقائق في التعامل مع مشاكل اليوم.
وتواجه بريطانيا أيضا تهديدات إرهابية، كما رأينا مرة أخرى مع الهجوم المروع الذي وقع في مانشستر، المدينة الواقعة إلى الشمال الغربي حيث كان جدي ناظر مدرسة وكانت جدتي أيضا ناظرة مدرسة، وحيث ولِد أبي. وحتى كتابة هذه السطور، بلغ عدد القتلى 22 شخصاً، أغلبهم من الأطفال، الأمر الذي يجعل الهجوم على ساحة مانشستر المواجهة الأسوأ مع الإرهاب منذ تفجيرات مترو أنفاق لندن في تموز (يوليو) 2005، التي أودت بحياة 52 شخصاً. ومنذ ذلك الوقت، وقعت حوادث مماثلة، ولكن على نطاق أضيق. وفي العقود السابقة، صمدت لندن وغيرها من المدن (بما في ذلك مانشستر في العام 1996) في وجه الهجمات التي شنها مقاتلون قوميون أيرلنديون.
والحق أن البريطانيين، مثلهم في ذلك كمثل الفرنسيين، لم يستسلموا للذعر، ولم تكن استجابتهم انفعالية. فنحن ما نزال نفضل الحياة في مجتمعات حرة ومفتوحة، ولهذا كانت ردود أفعالنا هادئة وتتحلى بالعزيمة المحسوبة.
وتُعَد هذه العزيمة إحدى نقاط قوة الديمقراطية. فلن نسلم الأجندة السياسية أبداً لأولئك الذين لا يقدمون سوى شعارات تبسيطية، وحجج فظة، وسياسات متطرفة. وسوف يظل أولئك الذين يريدون تعليق مشاكلهم على "الآخر" -المختلف بالجنس، أو العِرق، أو الدين، أو الجنسية ــ في عِداد الأقلية دائماً. وهدفهم هو إغلاق القلوب والعقول. وهم لا يبذلون أي جهد لفهم الأسباب وراء العنف، أو تطوير سبل فعّالة لمعالجتها.
يستند الحس السليم في الديمقراطية جزئياً على فهم حقيقة أن الدولة أهم من الحزب. وفي الأنظمة الديمقراطية تستند عملية صنع السياسات على الحلول الوسط والعقلانية. ولن نسمح نحن الذين نعيش في ظل أنظمة ديمقراطية للإرهاب بحملنا على نبذ شعورنا بالتوازن والاعتدال، لأننا ندرك حقيقة عميقة بشأن أغلب المجتمعات: أن الحياة تنتصر دوماً على الموت.
على الرغم من وجود ما يسمى الخطيئة الأصلية -الشر الخبيث الذي يكمن للناس ويفجرهم ويشوه الأطفال الصِغار وأسرهم وأصدقاءهم- فهناك أيضاً الفضيلة الأصلية، التي تظل الحاضرة دائماً بعد الفظائع الإرهابية، والتي تتمثل في المارة الذين يتوقفون للمساعدة؛ والممرضات والأطباء الذين يعتنون بالمصابين؛ وأولئك الذين يبحثون عن المفقودين، أو يوفرون للأسر أماكن للمبيت، أو يرافقون الناس إلى بيوتهم من مسرح القتل الجماعي.
ربما لا يتعلم الأشخاص الذين يخططون للأعمال الإرهابية وينفذونها أبدا أن قضيتهم خاسرة. ولا شك أن المجتمعات المفتوحة سوف تتحمل المزيد من الاعتداءات في المستقبل. ولكن، إذا كان هناك أي شيء واضح فهو أن الإرهابيين لا يستطيعون هزيمة الديمقراطية.
في فرنسا، صوت الناخبون في الشهر الماضي لصالح رئيس جديد انطلاقاً من الأمل وليس اليأس؛ وفي المملكة المتحدة، انعقدت انتخابات حرة ونزيهة هذا الشهر. وسوف تتحمل الديمقراطية هجمات كتلك التي وقعت في مانشستر؛ وسوف يستجيب المواطنون الديمقراطيون بشجاعة وسخاء.
 
*آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ، ومفوض الاتحاد الأوروبي السابق للشؤون الخارجية. وهو مستشار لجامعة أكسفورد.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكت"

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات