عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Oct-2018

وسائل الإعلام الاجتماعية كنوع من الحرب؟

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كوري شاكي* - (وور أون ذا روكس) 28/9/2018
 
"مثل الحرب: تسليح وسائل الإعلام الاجتماعية". تأليف: ب. دبلو. سينغر؛ وإيمرسون ت. بروكينغ. 2018.
 
بالاشتراك مع أوغست كول، كتب بيتر سينغر واحداً من أفضل الكتب عن الكيفية التي تقوم بها التكنولوجيا بتغيير الحرب. وكان "الأسطول الشبحي" كتاب إثارة لذيذاً قرع ناقوس الخطر حول فقدان الجيش الأميركي تفوقه على الصين بصوت أعلى مما يمكن أن يفعله أي تحذير غير قصصي (لماذا لم يتم تحويله إلى فيلم)؟ ثم بالاشتراك مع إيمرسون ت. بروكينغ، حوَّل سينغر انتباهه الآن إلى الأزمة المباشرة التي لدينا: تسليح وسائل الإعلام الاجتماعية.
على الرغم من أن الكتاب يحمل عنوان "مثل الحرب"، فإنه لا يتعلق كثيراً بأعمال الحرب بقدر ما يتعلق ببيان الكيفية التي تؤثر بها وسائل الإعلام الاجتماعية على المجتمع بشكل أوسع: كيف نقوم باستهلاك المعلومات، ولماذا ندمن وسائل الإعلام الاجتماعية إلى هذا الحد، وكيف استفادت منها الحركات الاجتماعية، والمشاهير، والساسة، والإرهابيون والدول. ويستحق هذا الكتاب القراءة لمجرد سرده تاريخ الإنترنت وحده، والذي يحدثنا عن كيفية قيام الأفراد بشخصنة القصة (ويستخدم المؤلفان بوضوح عناصر الإعلام الاجتماعي الفعال التي يحددانها: السرد، والعاطفة، والموثوقية، والمجتمع، والإغراق).
ثمة الكثير من المثير للاهتمام فيما يقدمان: من كان يعرف أن الكونغرس الأميركي موَّل التلغراف بفارق ستة أصوات فقط عن إنفاق المال على أبحاث التنويم المغناطيسي؛ أو أن خُمس العدائين في ماراثون مكسيكو سيتي مارسوا الغش؛ وأن الحملة السياسية الأولى التي شهدت سرقة القوائم كانت حملة سكوت براون في سباق مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس؛ أو أن قوات الدفاع الإسرائيلية تحدد إيقاع ضرباتها بتعليقات على تويتر!
لكن بروكينغ وسينغر يزعمان أن الإعلام الاجتماعي غير ديناميكيات الصراع وتفاعلات الدول والنظام العالمي بأكمله. وهما يجادلان بأن الإنترنت "غير التاريخ إلى الأبد"، وبأن "الحرب والسياسة لم تكونا متشابكتين أبداً بمثل هذا المقدار" من قبل، وبأن "الفوز في هذه المعارك على الإنترنت لا يعني مجرد الفوز بالسيطرة على الشبكة الإلكترونية فحسب، وإنما يعني الفوز بالعالم"، وبأن وسائل الإعلام الاجتماعية قد "أعادت تشكيل العالم المعاصر بشكل حاسم". ويقدم هذا الكتاب عرضاً أولياً قيِّماً عن المكان الذي نشأت منه وسائل الإعلام الاجتماعية، وكيف يتم استخدامها في الوقت الراهن. كما أنه يعرض بعض الاقتراحات المفيدة لترويض آثارها. لكن كتاب "مثل الحرب" لا يأتي إلى أي مكان قريب من إثبات ادعاءاته الكبيرة.
يشكل بروكينغ وسينغر دليلين رائعين يقودانك إلى التكنولوجيا، متيقظين لتحديات ترجمة المصطلحات التقنية إلى لغة ومقارنات يمكن فهمها. وهما يسردان الكثير من مفردات المعجم التقني، بحيث يصبح القرّاء على دراية بمفاهيم مثل "التعهيد الاجتماعي"، و"الراهنية"، و"الخنق"، و"جسور الشبكة"، و"الحرائق الرقمية"، و"العدوى العاطفية"، و"حرب الشبكة"، و"حروب اللهب"، و"عقلية الهندسة أولاً"، و"محدِّث المحتوى"، و"الشبكات العصبية".
تتدفق الكتابة في النص بسلاسة وتستخدم صوراً مبدعة، مثل مقارنة انتشار تنظيم "داعش" بـ"ماكدونالد شيطاني" يفتح الفروع في كل مكان. وقد أحببت الوصف البصري للإعلام الاجتماعي لـ"داعش" بأنه "امتلك قوة قصف مدفعي غير مرئي، حيث تهبط الآلاف من رسائله في مسار حلزوني أمام القوة المتقدمة". وتتسم الإحالات الأدبية للكاتبين بالبلاغة، وتقتبس وصف مارك بلوخ للانهيار المصدوم للمعنويات الفرنسية في العام 1940، في كتاب "الهزيمة الغريبة". وقد سررت برؤية الكاتبين ينسبان الفضل إلى ماري فون كلاوسفيتز على إسهاماتها في الكتاب (وكنتُ لأسَرَّ أكثر لو أنهما استشهدا بكتاب إيفتيموفا بيلينغر المدهش حول الموضوع نفسه". كما كانت هناك أيضاً مقاطع أقل مدعاة للإعجاب: "سقطت تعليقات تايلور سويفت على ‘إنستغرام’ بنفس قوة الضربات الجوية الدقيقة"، أو "وقفَ حفنة من الرؤساء التنفيذيين عند مقابض التحكم بهذه الآلة التي تقوم بتشكيل الواقع -لكنهم لم يكونوا يُشغّلون هذه المقابض بالشكل الصحيح".
ولكن، بغض النظر عن ذلك، في حين أن بروكينغ وسينغر ينجزان عملاً ممتازاً بنقل الفكرة عن فورية وسائل الإعلام الاجتماعية -سرعتها، وصولها، وتعزيزها المعتقدات القائمة- فإنهما لم يُدرجا مسألة الإلحاح والمثابرة. هل تقوم الانطباعات في وسائل الإعلام الاجتماعي بتأطير المعتقدات بشكل دائم؟ وإذا كانت تقوم بتعزيز الأحكام المسبقة، فما الذي يتغير عندئذٍ؟ ويناقش الكاتبان تأثير الألفة، لكنني كنتُ أود لو أنهما يقيمان الصلة بين استكشافهما للتقنيات وبين علم النفس السلوكي بطريقة أكثر اكتمالاً، حيث هذه المشكلات مفهومة مسبقاً بشكل أفضل. وفي "التفكير بسرعة وببطء"، يحذرنا دانيال كاهنمان من خطر التكرار المبسط الذي تجعله وسائل التواصل الاجتماعي ممكناً على نطاق واسع: "إحدى الطرق الموثوقة لجعل الناس يصدقون الأكاذيب هو التكرار المتواصل، لأن الألفة لا يمكن تمييزها بسهولة عن الحقيقة". وربما يكون الاختيار الذاتي للمعلومات هو ما يجب أن نخشاه أكثر ما يكون بشأن وسائل الإعلام الاجتماعية. ولكن، حتى هناك، كان سيصبح أكثر إثارة للاهتمام لو أن بروكينغ وستينغر استكشفا كيف أن الإعلام الاجتماعة قابل للتمييز في هذا الشأن عن تحطيم المشهد العام للإعلام في برامج الحوار التلفزيونية والإذاعية، والتي تسمح أيضاً بالاختيار الذاتي والتعزيز –أو حتى الإنترنت قبل صعود وسائل الإعلام الاجتماعية.
تظهر أمثلة الكاتبين مدى السرعة التي أصبح بها استخدام الإنترنت شائعاً في كل مكان -في العام 1994، لم يكن مذيعو التلفزيون يفهمون عناوين الشبكة. وكان وصفهم للإنترنت بأنه "مجتمع ممتد على مستوى العالم، أكثر اتساعاً وتنوعاً من أي شيء سبقه، ومع ذلك تحكمه حفنة من أوليغاركيي وادي السليكون"، مضحكاً بما يكفي، ومثالاً على القبول غير النقدي بالمقولات. كان مطورو الإنترنت مفكرين وموظفين مدنيين. وإذا كان أسياد الخوارزميات في وادي السيليكون أغنياء وجاهلين -عن قصد- بالتأثيرات الاجتماعية والسياسية لابتكاراتهم، فإنهم ليسوا خارج نطاق قبضة القانون والأنظمة. لكن تلك الفكرة لم تكن قد وصلتهم بعد، في جزء منه لأن البقية منا لم يكون حذِرين أو مطلعين بما يكفي لضمان ذلك.
لكن يوم الحساب قادم. نحن ما نزال في المراحل المبكرة من الثورة، وفي منتصف الفهم، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان الحكم على حجم ما نختبره بالضبط. لكن الزيادة الكبيرة في جدية الاستجواب الذي أخضِعَ إليه قادة الإعلام من الكونغرس في الأشهر الخمسة القصيرة بين شهادة مارك زوكربيرغ في نيسان (أبريل) ونائبته شيريل ساندبيرغ في أيلول (سبتمبر) تُظهر أن التقدم في فهم -وربما إحباط- أكثر آثار وسائل الإعلام الاجتماعي خطورة، يتم إحرازه حقاً. ومن المرجح أن يثقفنا الصحفيون والمدعون العامون الذين يجرون تشريحاً للتأثير الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية أكثر. وقد كتب بروكينغ وسينغر عرضاً سهل الفهم، والذي آمل أن يُقرأ على نطاق واسع بينما يفكر مجتمعنا بكيفية البناء على المزايا التي تقدمها وسائل الإعلام الاجتماعية، ويعمل على تحييد بعضٍ من مخاطرها.
في هذا الصدد، فاجأني أن الكتاب لم يناقش الجهود التنظيمية الجارية الآن. وهو يعترف بأن "هناك ضغطاً قانونياً وسياسياً متصاعداً"، ويحث على أن "الشركات يجب أن تفكر بشكل استباقي بالتداعيات السياسية، والاجتماعية، والأخلاقية لخدماتها"، لكنه يتجاهل بطريقة مثيرة للفضول هذه الأدوات في توصياته لتدجين وسائل الإعلام الاجتماعية. وبشكل خاص، لا يأتي الكتاب على أي ذكر لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي، وتدابير الخصوصية، التي تشكل أول جهد كبير لاحتواء وسائل الإعلام الاجتماعي في الولايات المتحدة. وكنت لأقدر تفسيرهما لكيفية عمل هذه القوانين، والحكم على ما إذا كانت ستعمل، وعرض التداعيات. وكنتُ لأود أيضاً عرض مزيد من الاحتفال بالأدوات والسياسات التي تدفع بثبات ضد القصص الخيالية في وسائل الإعلام الاجتماعية؛ هناك عدد لا بأس به من المجتمعات الحرة التي لديها جهود تثقيفية جارية. كما يمنحنا بروكينغ وسنيغر القليل من الفضل على قدرة التكيف. ولا شك في أن البشر الذين يستطيعون أن يبنوا ويستخدموا هذه الأعاجيب يستطيعون أن يخمنوا أيضاً كيفية ترويضها في نهاية المطاف.
يختم المؤلفان بفكرة أنه "كلما أصبحت الحرب أكثر ارتباكاً وأقل خطيّة، أصبحت أكثر تشاركية". وفي حين أنه قد يكون من المبكر كثيراً اشتماله في الكتاب، فإنني كنتُ لأستمتع بتأمل يجريه بروكينغ وسينغر في تأثير الضغط الأخلاقي للنظراء، من النوع الذي يمارسه مهندسو "غوغل" الذين يرفضون العمل لوزارة الدفاع الأميركية (لكنهم يوافقون حتى الآن على العمل لحساب الصين). ومن المرجح أن تكون دراسة أخلاقية فكرة "لا للاستهداف، وإنما نعم للقمع" هي الخطوة الأولى فقط في تعليم الإنسانيات لـ"سادة الكون" هؤلاء. ألن يكون رائعاً إذا تبين أن الاعتقاد بالصلاح الذاتي لوادي السيليكون يمكن أن يكون هو نفسه خلاصنا من ابتكاراته؟
مع ذلك، لا يقترب سينغر وبروكينغ من إثبات أن وسائل الإعلام الاجتماعية غيرت الطبيعة الأساسية للحرب، أو أدت إلى تغيير النظام العالمي بأكمله. وفي الواقع، يعرض الكاتبان أدلة الإدانة مرة أخرى لادعائاتهما هما مرة أخرى، حين يكتبان أن "كارل فون كلاوسفيتز ولد قبل قرنين من الإنترنت، لكنه كان سيفهم ضمنياً كل شيء يفعله في الصراعات الراهنة تقريباً". فإذا كان كلاوسفيتز سيفهم الإنترنت، فإنه لن يكون قد غير طبيعة الحرب حقاً. ما تزال الحرب امتداداً للسياسة. ويشكل هذا الكتاب دليلاً قيماً إلى السلاح الابتكاري الذي تشكله وسائل الإعلام الاجتماعية، لكنه لا يقطع كل الشوط نحو إثبات أننا نعيش نوعاً جديداً من الحرب.
 
*نائب المدير العام للمعهد الدولي للدراسات الاستراتجية. تقوم بتدريس مساقات "دراسات الحرب" في كينغز كوليج.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Social Media As War?
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات