عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Apr-2018

هل تعود الشعبوية إلى أميركا اللاتينية؟

 الغد-أندريس فيلاسكو

لم يتمكن المرشحون الوسطيون في أميركا اللاتينية، سواء من الليبراليين أو الديمقراطيين الاجتماعيين، من تحقيق ما حققه جوستن ترودو في كندا أو إيمانويل ماكرون في فرنسا بنجاح: نسج سرد مقنع حول سبب رغبتهم في الحكم ولصالح من.
*   *   *
سانتياغو - حتى وقت قريب، كان الأمر يبدو وكأن أميركا اللاتينية نجحت في التملص من قِرش الشعبوية الأبيض الضخم، في حين كانت دول أميركا الشمالية وأوروبا تسبح نحو ذلك القرش مغمضة الأعين تماماً. صحيح أن نظام نيكولاس مادورو الشافيزي يواصل سجن المواطنين وتدمير اقتصاد فنزويلا، وصحيح أن كلا من إيفو موراليس في بوليفيا ودانييل أورتيجا في نيكاراغوا يواصلان تغيير قواعد اللعبة بحيث يصبح من الممكن إعادة انتخابهما إلى الأبد. ولكن يبدو أن الهزيمة الانتخابية التي منيت بها تنويعة آل كيرشنر من النظام البيروني كانت نقطة تحول في الأرجنتين. وكذلك بدا عزل ديلما روسيف في البرازيل، والاستعاضة عن سياساتها الاقتصادية الفاشلة بنهج يدرك أن الديون المالية وأشكال العجز المتعددة من غير الممكن أن تستمر في النمو إلى الأبد.
كما بدا طابع السياسة في المنطقة وكأنه يتغير نحو الأفضل. وبدا أن الاتهامات الفظيعة التي تعمل على تحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء تفسح المجال أمام المصالحة والتفاوض، وهو ما انعكس على سبيل المثال في الاتفاقات المهمة، ولو أنها لم تدم طويلا، والتي سمحت بالإصلاحات الاقتصادية في بداية رئاسة إنريكي بينيا نيتو في المكسيك.
حسنا، عندما تصورنا أن الوضع آمن للعودة إلى المياه... تبدل واقع الحال.
الواقع أن عامنا هذا في غاية الأهمية للسياسة في أميركا اللاتينية: فمن المقرر أن تعقد الدول الثلاث الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة انتخابات رئاسية. وفي البرازيل وكولومبيا والمكسيك أصبح الاستقطاب حالة سائدة، ويحتل الشعبويون من اليمين واليسار الطليعة.
ولنبدأ هنا بكولومبيا، التي من المقرر أن تصوت أولا في أيار (مايو) المقبل. وقد فاز الرئيس السابق المحافظ الشعبوي ألفارو أوريبي بالدعم من خلال الدعوة إلى مواجهة مسلحة لا هوادة فيها مع مقاتلي "القوات المسلحة الثورية في كولومبيا"، ثم معارضة اتفاق السلام للعام 2016. ويحتل المرشح الذي يدعمه، إيفان دوكي، مركزاً متقدماً في استطلاعات الرأي، مدعوماً بفوز ساحق في الانتخابات التمهيدية التي جرت في الحادي عشر من آذار (مارس)، والتي شارك فيها عدد غير مسبوق من الناخبين بلغ 5.9 مليون ناخب. أما خصمه المحتمل في الجولة الثانية، فهو غوستافو بترو، أحد رجال العصابات سابقاً في حركة 19 نيسان (إبريل)، والذي شغل أيضاً منصب عمدة بوغوتا. وعلى الرغمت من أن مرشحاً آخر ربما يتسلل إلى الجولة الثانية، فإن المؤسسة تواجه معركة عصيبة.
تظل نتائج الانتخابات في البرازيل، التي من المقرر أن تعقد في تشرين الأول (أكتوبر)، أكثر غموضاً. ففي وسط التمثيلية السياسية الجارية في البلد، نجد الرئيس السابق الذي يتمتع بشعبية كبيرة، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وهو يواجه عقوبة السجن لمدة 12 عاماً بعد تأكيد إدانته بالفساد في كانون الثاني (يناير). وعلى الرغم مما يتمتع به من شعبية كبيرة، فإن احتمالات خوضه الانتخابات تتقلص كل يوم. وبهذا يتبقى المنافسون المحتملون من اليسار -سواء من حزب العمال الذي يتزعمه لولا أو من أحزاب أخرى- الذين يناضلون في محاولة للحاق برجل اللحظة غير المتوقع: غيير بولسونارو، عضو الكونغرس والمظلي السابق، الذي وصفته صحيفة ن"يويورك تايمز" مؤخراً بأنه "اليميني المتطرف المستفز" الذي له تاريخ طويل من "التصريحات التحريضية التي تصغر من شأن النساء والسود والمثليين". ويحاول العديد من المرشحين الاستيلاء على الأرض الوسطى، ولكن لم يتمكن أي منهم من التألق في استطلاعات الرأي.
أما المكسيك، التي تصوت في تموز (يوليو)، فلن تجري جولة إعادة. أي أن أي مرشح يحصل على صوت واحد أكثر من المرشحين الآخرين سوف يصبح الرئيس. وقد يكون هذا المرشح، كما تشير الاستطلاعات، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، المعروف عالميا باسم "أملو"، وهو شعبوي قديم خاض سباقين رئاسيين في الماضي. وقد أظهر اللين مؤخراً وتنصل من بعض مقترحاته السابقة، مثل تأميم البنوك والصناعة وإخراج المكسيك من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.
نستطيع أن نتعلم أربعة دروس على الأقل من النجاح المحتمل لهذا الجيل الجديد من الشعبويين في أميركا اللاتينية.
فأولا: إنه "ليس الاقتصاد يا غبي"! إذ تسجل الاقتصادات في البرازيل وكولومبيا والمكسيك نمواً ملموساً -وإن كان بطيئاً. ولكن، مقارنة بالتضخم المرتفع، والموارد المالية المتقلبة، والعملات غير المستقرة التي رافقت الانتخابات غالباً في هذه البلدان (وخاصة في البرازيل والمكسيك)، من الصعب أن ننكر أن إدارة الاقتصاد الكلي تحسنت وأصبحت الاقتصادات المحلية أكثر استقراراً.
يتضح هذا التحسن بشكل خاص في البرازيل، التي شهدت في عهد روسيف أعمق ركود في تاريخها. ومنذ عزلها، بدأ الاقتصاد يتعافى، ومن المتوقع أن يتسارع معدل النمو الذي كان 1 % في العام 2017 إلى 2 % أو3 % في العام 2018. ويظل معدل البطالة عند مستوى 12 % مرتفعا للغاية، لكنه كان في انخفاض كل شهر طوال العام المنصرم. ومع ذلك، لم تكن هذه المكاسب كافية لرفع معدل الموافقة على خليفة روسيف الوسطي، مايكل تيمر، الذي يفتقر إلى الشعبية بشكل كبير. كما لم تعمل هذه المكاسب على تغذية الدعم لأي من المرشحين الذين يعدون بالتمسك بسياسات اقتصادية مماثلة.
الدرس الثاني مألوف للطلاب من دارسي السياسة الأميركية: فنهج القانون والنظام الصارم، بما في ذلك الحق الموسع في حمل السلاح، مفيد سياسياً. والجريمة والعنف هما القضيتان الأكثر بروزاً في نظر الناخبين في أميركا اللاتينية اليوم. وربما تكون الحلول المعقدة، مثل إصلاح السجون وقوانين المخدرات الجديدة، صحيحة فنياً وأخلاقياً، ولكنها لا تُتَرجَم إلى دعم انتخابي؛ أما الوعد بإطلاق النار على اللصوص (رجال العصابات) فإنه يترجم إلى دعم انتخابي. هذا هو ما قدمه أوريبي وأتباعه للكولومبيين على مدى سنوات. وهذا هو ما يعرضه بولسونارو -الذي قال إن "المجرم الجيد هو المجرم الميت"- على البرازيليين اليوم.
ثالثاً، يبدو أن مرشحي المؤسسة محكوم عليهم بالفشل (قد يكون سباستيان بينييرا، رئيس شيلي المنتخب حديثا، الاستثناء الذي يؤكد القاعدة). في المكسيك، يُعَد وزير المالية والخارجية السابق خوسيه أنطونيو ميد، مرشح الحزب الثوري المؤسسي، تكنوقراطيا وإداريا مقتدرا. وكذا حال جيرالدو آلكمين، حاكم ساو باولو ومرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي البرازيلي الوسطي. وبوسعنا أن نقول الشيء نفسه عن نائب الرئيس والوزير والسيناتور السابق جيرمان فارجاس ليراس في كولومبيا. وجميعهم محببون لمجتمع الأعمال المحلي. وجميعهم متأخرون في استطلاعات الرأي.
أخيراً وليس آخراً: لم يتمكن المرشحون الوسطيون في أميركا اللاتينية، سواء من الليبراليين أو الديمقراطيين الاجتماعيين، من تحقيق ما حققه جوستن ترودو في كندا أو إيمانويل ماكرون في فرنسا بنجاح: نسج سرد مقنع حول سبب رغبتهم في الحكم ولصالح من. وهي مهمة عصيبة حقا. وحتى الشخصيات الجذابة مثل سيرجيو فاجاردو، عمدة مدينة ميدلين السابق، المعروف بتحويل وجه المدينة المبتلاة بالمخدرات، كان أداؤها متعثراً.
بعد سلسلة من فضائح الفساد في مختلف أنحاء المنطقة، يشعر الناخبون بالتشكك، وهو أمر مفهوم. فهم يسألون كل مرشح: هل أنت في صفنا؟ ومن خلال الوعد بإطلاق النار على المجرمين، ومنع المهاجرين من الدخول، ومعاقبة المصرفيين، يقدم المرشحون الشعبويون في أميركا اللاتينية -مثلهم كمثل نظرائهم في الولايات المتحدة أو أوروبا- إجابات بسيطة، وإن كانت مخادعة ماكرة، على هذا السؤال. وإلى أن يتعلم المعتدلون القيام بنفس الأمر، فسوف يظلون طعاماً لأسماك القرش الشعبوية.
 
*مرشح سابق للرئاسة ووزير مالية سابق في شيلي. مؤلف العديد من الكتب والأوراق حول الاقتصاد والتنمية الدوليين. عمل في هيئة التدريس في جامعات هارفارد وكولومبيا ونيويورك.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات