عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2018

لا تبيعوا «العفش»! *بلال فضل

 القدس العربي ـ وقتها، لم تكن دولة ضُبّاط يوليو/تموز قد بدأت استثمار سيرة المناضلين مصطفى كامل ومحمد فريد بكثافة، كما فعلت مع سابقهما الزعيم أحمد عرابي، الذي لم يكن كامل وفريد يُكنّان له الكثير من التقدير، لأسباب يطول شرحها.

كان عام 1969 قد جاوز منتصفه، وكانت الذكرى الخمسين على رحيل محمد فريد قد اقتربت، وكان الكاتب صبري أبو المجد قد انتهى من تأليف كتاب عن مذكرات محمد فريد قائد الحزب الوطني، الذي لم يكن يُلحق اسمه وقتها بكلمة (القديم)، لأن (الجديد) الذي انتحل صفته لم يكن قد ظهر بعد. كان صبري في شبابه من كوادر الحزب الوطني، وربما ساعده ذلك على أن يحصل من عبد الخالق نجل محمد فريد على وثائق نادرة ضمها إلى كتابه، لكنه فوجئ بأن مسؤولي دار الهلال التي كان يعمل فيها، لم يتحمسوا للكتاب، «من سيقرأ الآن عن محمد فريد»، هكذا قالوا له، ليتأخر صدور الكتاب، الذي كان عبد الخالق يُعلق عليه آمالاً عريضة في التذكير بكفاح والده من أجل مصر، ولذلك أرسل إلى صبري يستحثه أن يُعد للاحتفال بهذه المناسبة من خلال دار الهلال.
وحين نشرت إحدى الصحف خبراً عن قرب نشر مذكرات محمد فريد، فوجئ عبد الخالق وصبري بصدور قرار وزاري غريب يؤمِّم مذكرات محمد فريد، ويمنع تسليمها لأي جهة غير حكومية، وهو قرار أُبلغ به ابنه على يد محضر، بشكل آلمه، وجعله يعتكف في منزله بضعة أسابيع، بدون أن يسمح لأحد بزيارته، لكنه رفض الاستسلام لتلك الحالة، فاستدعى صبري أبو المجد بعد أسابيع، ليقول له إن نص القرار الوزاري تحدث عن مذكرات والده فقط، ولم يُشِر إلى خطاباته التي كان يرسلها من أسفاره، ثم بعد ذلك من منفاه لوالده وزوجته وأولاده، وهي الخطابات التي حفظتها زوجته وابنه بعناية فائقة، ليجمعا كل ما أرسله بدءا من عام 1886 وحتى آخر يوم في حياته، ولم يكن عبد الخالق مخطئاً حين وصف رسائل والده بأنها أخطر من مذكراته، لأنها نقلت صورة حية مذهلة، لمعاناة مناضل مثله في المنفى.
من أكثر ما يؤلم النفس ويدهشها، تلك الرسائل التي أرسلها محمد فريد من منفاه إلى أقطاب الحزب الوطني من الأعيان وميسوري الحال، يشكو لهم من سوء حالته المالية ومرضه، واضطراره لكثرة التنقل من بلد إلى آخر هرباً من الديون والملاحقة، في إحدى الرسائل يطلب إرسال عشرين ألف فرنك فوراً، ليدفع ما عليه من الديون التي زادت على خمسة آلاف فرنك وتزيد يومياً، راجياً «ألا يُهمل هذا الطلب كما أُهمِل طلب وفيق أفندي ـ رفيقه المنفي أيضاً ـ الذي أصبحت حالته أتعس من حالتي، وبهذه المناسبة أقول إن تصرفاتكم معه، وتركه بلا نقود، بعد ما قام به من الخدمة الجليلة في إيطاليا مما لا يقبل أدنى تبرير مطلقاً»، مذكراً أقطاب حزبه بأن الفرصة ما زالت سانحة لكي يقوم وفيق بخدمة قضية الاستقلال أو «المسألة المصرية» كما كان يُطلق عليها، إذ أنه لو أُرسِل له المال اللازم، لأمكنه القيام بحركة أكثر مما قام به الوفد المصري الذي تم إرساله إلى أمريكا، مؤكداً في رسالته: «فعجلوا بإرسال المال في أقرب وقت وبأي طريقة، حتى لا تضيع الفرصة، هذا ما أكرره وألح في طلبه، وإلا فقبض اليد عن خُدّام الأمة الحقيقيين، خصوصاً في مثل هذه الظروف يكون جريمة عظمى لا تغتفر وأملي أن يصلني الرد نقداً لا كلاماً».
لكن رسائل فريد المتكررة لأعيان الحزب وأثريائه، الذين كانوا متحلقين حوله في أوج شعبيته وقوته، لم تجد صدى، ليتلقى بعد أشهر رسالة من زوجته تستشيره في بيع عفش البيت، للوفاء باحتياجات الأسرة، فيرد عليها بتاريخ 10 إبريل/نيسان 1914 قائلاً بحزن شديد: «أما بيع العفش فلا أوافق عليه، لأنه لا يُعوّض، ولأنه لازم لإعطاء ابنتي فايقة ما يلزمها منه عند زواجها، فلا تفكروا في بيعه مطلقاً، إن بعد العسر يُسرا».
لم يأت اليُسر في حياة محمد فريد، بل ظل العُسر ملازماً له حتى وقت وفاته في عام 1919، في غمرة انشغال المصريين بثورتهم التي سعى من أجلها مع مصطفى كامل ورفاقهما والسابقين لهم بإحسان، ليُستدعى ابنه عبد الخالق الذي لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره، لكي يذهب إلى محطة مصر، ليستلم جثمان والده المسجى في تابوت في قسم الأمانات في المحطة، بعد أن تم استقدام جثمانه من الخارج، على نفقة تاجر قماش في الزقازيق، تدخل لإنقاذ الأسرة التي لم تكن تمتلك ثمن إحضار جثمانه من الخارج، ليُدفن في مدافن السيدة نفيسة.
يقول عبد الخالق فريد لصبري أبو المجد إن أمه التي كان يسميها بالقديسة، واصلت الحياة بمفردها بعد هجرة والده، وعجزت عن أن تدفع له مصروفات المدرسة بعد أن باعت كل ما تملك، خاصة أن أثمن ما لديها، كان «بروش» من الألماس، كانت قد أعطته لوالده ليبيعه وينفق منه على الاحتفال بذكرى مصطفى كامل، وبعد أن عجزت الأم عن دفع مصروفات ابنها المدرسية، اتصل ناظر مدرسته المرحوم عبد الحميد الشربيني بوزير المعارف وقتها علي ماهر، الذي وافق مشكوراً على أن يتعلم عبد الخالق بالمجان في المرحلة الثانوية وفي الجامعة، ورغم ذلك امتد شقاء الأسرة طويلاً، وهي تكافح ضد الفقر وضد تجاهل بعض الأقارب وكثير من الأنصار والأحباب، الذين انفضوا عنها في ساعة العُسرة.
من الرسائل التي عثر عليها أبو المجد ضمن رسائل محمد فريد، رسالة تلقاها فريد من علي فهمي كامل شقيق مصطفى كامل الذي يفتخر به ملايين المصريون الآن هو ومحمد فريد، يُرجّح أنها كتبت بعد عام أو عامين من مغادرة محمد فريد لمصر، قال فيها علي فهمي: «إن الدسائس لاتزال تعمل ضد الحزب ورجاله، فمهما كان المرء مخلصاً وفقيراً وبائساً، وفي أسوأ حالات الحياة فإنه يسمع التهم توجه إليه، إني لا أقول لغيرك إننا لا نجد العيش في هذا العيد لأنني بعت جميع الأثاث، وليس لدينا خلاف الأسِرّة الضرورية وترابيزة وستة كراسي، فهل يدور بخلدك مع هذا البؤس القاتل إنه يوجد من يتهمنا كما اتهموك من قبل، وهم كاذبون بأننا أخذنا من الخديوي نقودا وإننا نقابله.. إنني الآن ساكن في المدرسة في دور صغير، وصاحب البيت أنذرنا بالخروج لتأخرنا عن دفع الأجرة خمسة عشر شهراً، وليس في وسعنا والحمد لله أن ندفعها إليه، وعلى ذلك عوّلت على إصلاح منزل المرحوم والدي الكائن في درب المبيضة في الصليبة مسقط رأسنا جميعاً، لتسكن فيه العائلة، وعزمت على السفر بعد شهرين على الأكثر إلى الأستانة ومنها إلى مسلمي الصين، والله قادر أن يدفع بنا المسلمين في غير مصر».
نكمل غداً بإذن الله.
….
ـ «سنوات ما قبل الثورة» (الجزء الأول) ـ صبري أبو المجد ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب.
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات