عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-May-2018

أي أسرار تقبع في أنقاض مركز الدراسات والبحوث العلمية في دمشق؟

 الغد-روبرت فيسك* – (الإندبندنت) 27/4/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
المشكلة هي أنه في حين أننا نعتقد بأن كل الدكتاتوريين العرب يكذبون بانتظام، فإنه يفترض بنا نحن معشر الغربيين أن نحاسب قادتنا أيضا –ونضمن أنهم يقولون الحقيقة عندما يزعمون بأنهم يتصرفون باسمنا وبالنيابة عنا. هذا هو السبب في أن هجوم دوما ينبغي أن يُشرَح ويُفسَّر بالكامل، وهو السبب في أنني أردت أن أعرف ما إذا كان هذا الحطام في البرزة (رد الفعل المباشر على قصف دوما، ولو أن أحدا لم يُقتل بطبيعة الحال في البرزة)، كان فعلا ما قالوا أنه كانه، أم أنه كان ما زعم السوريون بأنه كان حاله –مرفق للبحوث الطبية. هل كان الأسد يبتسم لي؟ أم أنني كنت أخطئ تأويل معنى التعبيرات على وجهه؟
*   *   *
عاش الشاعر العراقي العظيم من القرن العاشر، أبو الطيب المتنبي، ذات مرة في –آه يا مدينة الأقدار- في إمارة حلب. بل إنه قاد ثورة في سورية –وهو شأن مألوف هناك- والتي تم إخمادها بلا رحمة. وأمضى المتنبي في الحقيقة سنتين في السجن قبل أن يتصالح مع خسارته ويتم إطلاق سراحه لاحقا. ويستطيع معظم الأولاد في سورية أن يستشهدوا بأشعار الرجل المحفوظة عن ظهر قلب، وتضم واحدة من القصائد التي يفضلونها هذا البيت:
"إذا رأيتَ نيوب الليث بارزةً/ فلا تظننَّ أن الليث يبتسمُ"
تذكرتُ ذلك الأسد بينما أتجول متعثرا بين الأنقاض إلى جانب مركز الدراسات والبحوث العلمية في ضاحية البرزة في دمشق في الأسبوع الماضي. وكان هذا هو المركز –الذي أصبح مشهورا الآن بسبب الكثير جدا من صور الأقمار الاصطناعية- قد تعرض للتدمير بصواريخ دونالد ترامب عندما ضربت هذه الصواريخ "قلب برنامج الأسلحة الكيميائية في سورية". هل فعلت حقاً؟ على أي حال، يستحق أي شيء له صلة باسم "سترانغلوف" Strangelove  (1) مثل "دائرة الصيدلة والبحوث الكيميائية المدنية" –هذا الجزء من المجمع الذي ضربه 13 صاروخا- يستحق أن تُدرس محتوياته عن كثب. وقد رُفض منحي الأذن بزيارة هذا المعهد السوري لثلاثة أيام. فإذا كان مدمرا كله –وهو حاله بكل تأكيد، وعلى نطاق أكبر بكثير مما توحي الصور- فلماذا التأخير؟
وهل ذلك يهم؟ حسناً، نعم. تذكرتُ "مصنع حليب الأطفال" العراقي الأكثر شهرة بكثير، والذي قصفه الأميركان في العام 1991، ووصفه الجنرال كولن باول في ذلك الحين بأنه "مصنع للأسلحة البيولوجية، وهذا شيء نحن متأكدون منه". وقد كتب زميلي، باتريك كوبيرن، في الأسبوع الماضي مقالا تذكر فيه زيارته للمصنع المذكور بعد ساعات فقط من تعرضه للقصف. وبعد الحرب، تبين أن المبنى ربما كان مصنعا لبودرة حليب الأطفال بعد كل شيء –مع أنه، ما الذي يمكنك أن تفعله بكوب من الحليب؟
المشكلة هي أنه في حين أننا نعتقد بأن كل الدكتاتوريين العرب يكذبون بانتظام، فإنه يفترض بنا نحن معشر الغربيين أن نحاسب قادتنا أيضاً –ونضمن أنهم يقولون الحقيقة عندما يزعمون بأنهم يتصرفون باسمنا وبالنيابة عنا. هذا هو السبب في أن هجوم دوما ينبغي أن يُشرَح ويُفسَّر بالكامل، وهو السبب في أنني أردت أن أعرف ما إذا كان هذا الحطام في البرزة (رد الفعل المباشر على قصف دوما، ولو أن أحدا لم يُقتل بطبيعة الحال في البرزة)، كان فعلاً ما قالوا أنه كانه، أم أنه كان ما زعم السوريون بأنه كان حاله –مرفق للبحوث الطبية. هل كان الأسد يبتسم لي؟ أم أنني كنتُ أخطئ تأويل معنى التعبيرات على وجهه؟
بكل تأكيد، كان الدكتور سعيد السعيد، رئيس قسم البوليمرات (المركبات الكيميائية) على بعد أميال عندما حدث القصف -وبما يستحق الذكر، لم يكن يشبه الدكتور ستراغلوف. ولم يزودني ركام مركزه المقصوف للأبحاث عندما قابلته -من دون "مراقبين" أو حراس- بالكثير من الأدلة على أنه مركز بحوث الحرب الكيميائية الذي زعم مدمروه الأميركان أنه كانه. بدا لي المكان، في واقع الأمر، أكثر شبها بكثير بموقع لم يكن فيه أي دليل، وفقا لمنظمة 192-دولة لحظر الأسلحة الكيميائية، خلال آخر زيارة لها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، على تطوير أي أسلحة كيميائية أو بيولوجية يتم اختبارها أو إنتاجها.
ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذه هي نفس المؤسسة التي تحقق الآن في هجوم الغاز المفترض على دوما. ويقول مدير المركز السوري، وهو يلكزني بصدري بأصبعه: "لو كان هذا مركزا للأسلحة الكيميائية، لكنتَ قد مِتّ الآن بمجرد وقوفكَ هنا اليوم". وهذه العبارة بالكاد قاطعة بالنظر إلى طول الوقت الذي مر منذ القصف، وبطبيعة الحال، ربما يكون المركز قد استُخدِم لمجرد إجراء الأبحاث وليس لتخزين الأسلحة الكيميائية -وهو ما كان جزءا من زعم الأميركيين. وثمة نفس السؤال القديم: ما الذي يمكنك أن تفعله بكوب من الحليب؟
سرتُ متعثراً خلال الأنقاض وحدي لأكثر من ساعة، ووجدت أن خمس بنايات في هذا الحرم البحثي قد نُسِفت بالكامل. وكنتُ حراً في التجول هناك تحت الشمس، فيما شكل مصدر تسلية بالغة للدكتور السعيد -64 عاماً. لكن أربعة أيام كانت قد مرت منذ الضربات الأميركية- الإنجليزية- الفرنسية. ويتهم الساسة الغربيون خصومهم بشكل روتيني بكنس الأدلة التجريمية قبل فتح مواقع القصف أمام أي صحفيين. وقد أبقوني منتظرا لأربعة أيام.
مع ذلك، انطلقتُ بالسيارة أخيراً عبر بوابات حرم البحوث، وكانت الوثائق والملفات ما تزال عالقة في الخرسانة التي سويت بالأرض، ورفرفت في النسيم. وتعود أكثر الوثائق التي وجدتها إثارة إلى مشروع لتحلية المياه في سورية الريفية، وأطروحة منشورة باللغة الإنجليزية لعلماء كويتيين، تتحدث عن استخدام المطاط في سد شقوق الجسور الإسمنتية. وبينما كنتُ هناك، شرعت الحفارات الميكانيكية في سحب كميات هائلة من ركام المباني –بعضها مع المزيد من الأوراق العالقة في الركام- وإلقائها في شاحنات نقل تجارية للتخلص منها. هل يمكن أن يكون هذا حقاً مكاناً للتغطية المتطورة على النشاط الكيميائي؟
هل استطاع السوريون إزالة الأدلة في أربعة أيام؟ وفي حين أنني لست خبيراً في الأسلحة الكيميائية، فإن منظمة حظر الأسلحة هي كذلك بالتأكيد، وكانت قد زارت موقع البرزة عدة مرات في العام 2013. ولكن، ما الذي حدث منذ ذلك الحين؟ يقول الدكتور السعيد: "قالوا إن المكان خال من أي أبحاث تخص الأسلحة الكيميائية. وتؤكد التقارير المنشورة هذا، وإنما لم تقم المنظمة بأي زيارة للمكان منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. ومع ذلك –تتقاطر الأسئلة هنا، كما ربما يفعل المرء في مركز للبحوث- هل من المعقول أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تقم بأي إشارة إلى تغيير حدث في الغرض من مجمع البرزة لو أنها اشتبهت في شيء مثل ذلك خلال الأشهر الخمسة الماضية؟ كانت ما تزال في المكان رائحة قوية للبلاستيك المحترق، والتي عزاها الدكتور إلى البقايا الداخنة للحواسيب والمكاتب والمقاعد البلاستيكية بين الأنقاض.
مشيت عميقاً في الحطام، ولم ينزعج العاملون، ولا أصبح رئيس المركز عصبياً وطلب مني التوقف –وهو ما يحدث عادة من خلال إشارة موحية إلى أن الشخص يصبح متوتراً. وقد حدث ذلك معي في صربيا عندما اكتشفت وجود خنادق عسكرية خلف مستشفى كان قد تعرض توا لقصف قوات الناتو –كان المرضى المدنيون، كما تبين، ميتين، وكان الجنود اليوغسلاف يختبئون هناك ضد كل قوانين الحرب من دون أن يمسهم أذى ثم غادروا منذ وقت طويل. وبين المباني غير المتضررة في الحرم السوري كانت غرف محاضرات الطلاب ومدرسة أطفال على جدرانها رسوم حيوانات كانت قد رسمت–بالنظر إلى الطلاء الباهت- قبل العديد من فصول الصيف.
كان الدكتور السعيد نفسه قد درس الكيمياء التطبيقية، أولا في درزدن (عندما كانت ما تزال جزءا من ألمانيا الشرقية) ثم في دوسلدورف. وقد عمل هنا طوال 15 عاماً، كما قال، لكنه كان في المنزل على بعد عشرة أميال عندما ضربت الصواريخ المكان في الساعات المبكرة. هل كان يتوقع أن يكون الهدف؟ سألتُه. وأجاب: "أنا لست خبيراً في السياسة. ولكن، مع الأميركان والبريطانيين والفرنسيين، يمكنك أن تتوقع أي شيء".
وأصر السعيد على أن طلابه ومحاضريه كانوا يجرون الأبحاث عن إنتاج الكيماويات الطبية، وخاصة الحمض النووي للعقارب والثعابين، واللوكيميا والسرطانات. وقال السعيد: "كنا ننتج الأبحاث من أجل الأدوية المخصصة للاستخدام المحلي، وإنما التي تباع في كل أنحاء الشرق الأوسط أيضاً. كنا نطور جسيمات المطاط لصناعة النفط، ونجري الأبحاث عن استخدام المطاط في بناء الجسور". وعندما قال لي السعيد ذلك، لم يكن على علم بأنني عثرت مسبقا على أوراق حول الموضوع وسط الركام –وهي نقطة في صالحه. وأضاف: "لقد أعطتنا منظمة حظر الأسلحة الكيميائية شهادات مرتين".
لاحظت أيضا أن هذا الحرم الكبير يقع على بعد أقل من ميل من موضع المعارك الشرسة التي دارت قبل 18 شهراً بين جيش الحكومة ومقاتلي جبهة النصرة (وكذلك بعض ثوار "الجيش السوري الحر"). وكنتُ قد شاهدت بعضاً من ذلك القتال في ذلك الوقت. هل كان النظام السوري قد احتفظ بمركز لبحوث الأسلحة الكيميائية، والذي كان يمكن أن يسقط بسهولة في أيدي أعدائه –في ذلك الحين أو بعد ذلك؟ إذا كان الأميركان محقين عندما قالوا في نهاية الأسبوع أن مركز البرزة يستخدم لبحوث وتطوير وإنتاج واختبار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، فإن النظام يكون قد اختار بالتأكيد بعضاً من المخاطرات الجسيمة –قبل أو بعد- المعارك. وإذن، حتى تكون الادعاءات الأميركية صحيحة، فإن مقدارا مرعبا من العمل لا بد أن يكون قد تم لتغيير طبيعة هذا المجمع في الأشهر الخمسة الماضية –منذ كان مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هناك آخر مرة.
أصبح مصنع حليب الأطفال الشهير في بغداد مقبولا بشكل عام الآن على أنه كان حقيقياً –ولو أن النظام العراقي وضع شاخصة زائفة باللغة الإنجليزية على البوابات المحطمة لكي تصورها كاميرات التلفزيون بعد القصف. أما الشاخصة الوحيدة إلى جانب ركام المجمع السوري المدمر، فهي صورة كبيرة لبشار الأسد وقد كتب عليها العنوان التفسيري "كل شيء فداك" بالعربية.
ولكن، دعونا نعود إلى الليث، أو الأسد. لقد قتل المتنبي العجوز المسكين أخيراً على يد رجل كان الشاعر قد أهانه في قصيدة. وكان اسمه –انتظر لتسمع هذا- فاتك الأسدي. لا صلة هنا، بطبيعة الحال.
 
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: What Mysteries Lie in the Ruins of the Scientific Studies and Research Center in Damascus?
(1) الدكتور سترانغلوف هو فيلم كوميدي ساخر يسخر من المخاوف التي سادت في حقبة الحرب الباردة من نشوب صراع نووي بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات