عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Apr-2018

لماذا تخاف الجزائر من «دمقرطة» الثّقافة؟

 القدس العربي-سعيد خطيبي

الجزائر هي واحدة من آخر الدّول في العالم التي ترفض أن تمسّها عدوى التّكنولوجيا، تواصل الانغلاق على نفسها، والانعزال عما يدور حولها، فمشروع التّجارة الإلكترونية ما يزال في درجة الصّفر، ونقاشات البرلمان، في الأسابيع الماضية، حول القضيّة نفسها، لم تأت بجديد. فقد فرضت وزارة البريد وتكنولوجيات الاتّصال شروطا صعبة على من يفكّر في هذا الأمر، من بينها شرط «استضافة» المواقع الإلكترونية، التي تودّ خوض هذه التّجربة، في الجزائر. مع العلم إن البلد لا يتوفّر على خدمات إلكترونية متطوّرة. من هذا المنظور هي تمنع، عن مواطنيها، تجارة إلكترونية مع مواقع غير جزائرية، ومن المتضرّرين من هكذا قرار أُحادي هو قطاع الثّقافة. 
إن التّجارة الإلكترونية كانت ستسمح بـ«دمقرطة» السّلع الثّقافية، وتوفيرها لمن يُريدها، وإتاحتها لكلّ المواطنين، وهذا أمر يتعارض مع السّياسة العامّة للدّولة، التي تقوم على احتكار النّشاط والسّلعة الثّقافيين، تمنع عن الجزائري الوصول سوى إلى ما تريده هي، وتستعين في «سطوتها» على الثّقافة، بوزارة وترسانة من المؤسسات العمومية، التي تدور في فلكها. 
قبل أيّام، ظهر وزير الثّقافة عزالدين ميهوبي في برنامج «توك شو»، ولمّح إلى أن واحدة من المشاكل التي تزعجه هي تراجع القراءة. ففي بلد تعداده السّكاني يُقارب الأربعين مليون نسمة، تعرف تجارة الكتب انحسارا وتراجعا، وسنويا لا تجد المنشورات الجديدة من يقتنيها، ونجد ناشرين يتذمّرون من الوضع، بعض منهم يُعلن إفلاسه، أو نيّته في التوّقّف عن النّشر، كما حصل، قبل فترة قصيرة، مع دار النّشر «ميم». لكن لا السّيد الوزير ولا غيره يُريدون البحث عن الأسباب، ومُحاولة حلّها. فالسّبب في تراجع عائدات سوق الكتاب ليس لأن الجزائريين لا يقرؤون، بل لأن الكتب لا تصلهم، خصوصا في مدن الجنوب البعيدة. معرض الجزائر الدولي للكتاب، الذي يُقام، مرّة كلّ عام، في عاصمة البلاد، لأيّام معدودات، هو المُناسية الوحيدة، التي يحجّ إليها الجزائري لاقتناء كتب، وتخزين احتياجاته لمدّة سنة كاملة، مع ذلك فإن الآلاف من القرّاء ومن الباحثين، لا تسمح لهم ظروفهم بزيارة المعرض، وبالتّالي تفوتهم فرصة اقتناء الكتاب. أضف إلى ذلك أن المكتبات باتت من الظّواهر النّادرة في شوارع البلد، وكلما سمعنا عن خبر افتتاح مكتبة جديدة، سرعان ما يصلنا خبر غلق أخرى، في مكان آخر. 
فتح «التّجارة الإلكترونية» وتحريرها كان سيوفر الكثير من الجهد على الحكومة وعلى المواطن في آن، يوفّر الكتاب لمن يطمح إليه، ويُساهم في خلق ديناميكية ثقافية جديدة. كما نعرف فإن كلّ كتاب جديد، يخضع لمدة حياة قصيرة، هو مُرتبط بفترة زمنية محدودة، إذا لم يسوّق في سنة صدروه، أو في الأشهر الأولى بعد صدوره، سينتهي به الأمر إلى النّسيان، وهذا هو الأمر الذي يحبط غالبية النّاشرين في الجزائر، فلو توّفرت قاعدة تجارة إلكترونية، كانت ستُتيح للقارئ شبكة خيارات واسعة، وتضع في متناوله السّلعة، التي يودّ الوصول إليها، بالسّعر نفسه، الذي تُباع به في معرض كتاب أو في مكتبة عادية. كما إن دمقرطة السّلعة الثّقافية، خصوصا الكتاب، ستسمح لنا بفهم واضح وصريح لميولات القراء، واهتماماتهم، وتخلّصنا من «المُضاربات» ومن الجدال في الآراء، حول ماذا يقرأ الجزائري أو لمن يقرأ. كلّ عام، نسمع ناشرين أو كتّابا يتحدّثون عن عنوان ما على أنه الأكثر مبيعا، دون أن يستطيع أحد تأكيد هذه «الشّائعات» أو نفيها، والطّريقة الوحيدة، لكسب الوقت، ومعرفة ما يُريده القارئ، هو فتح التّجارة الإلكترونية، والسّماح للجميع، بالوصول إلى الكتاب، بدل أن تبقى العملية محصورة، فقط في بعض مدن الشّمال، التي تتوفّر فيها مكتبات. إن فهم «ميول القراء»، وإجراء مسح لخياراتهم، سيُساعد في توجيه خيارات النّاشرين أيضا، سيفهمون ماذا يجب أن يُنشر وما يجب أن يروّج له، ويتفادون الخسائر المادية، التي ترهقهم كلّ عام. إن فتح «التّجارة الإلكترونية» كان سيوفر على النّاشرين طبع نسخ بالمئات لكتب لا تصل إلى القارئ، كي لا نقول أنها لا تُباع، حيث سيسمح لهم الأمر بطبع الكتب، حسب الطّلبات، التي تصلهم إليكترونيا. 
لو أن السّلطة كانت تفكّر في مصلحة الثّقافة، في خدمة مواطنيها، لفتحت هذا القطاع، وقدّمت ـ بذلك ـ خدمة في سبيل تطوير ما يُطلق عليه «اقتصاد الكتاب». لكن نزعتها الرّقابية، ورغبتها الثّابتة في السّيطرة على خيارات القراء، وتوجيهها، بما يخدم البروباغندا الرّسمية، يمنعها. ولتبرير خوفها من «دمقرطة الثّقافة» تلجأ السّلطة، في الغالب، إلى ابتكار أعذار غير صحيحة، كالقول إن هذا المنع يأتي من خشيتها من حصول فوضى في سوق التّجارة الإلكترونية، أو أن الوضع غير مهيء لذلك، مع العلم أن دولا جارّة سبقت، الجزائر، بسنوات، في هذا السّياق، وحققت طفرة في سوقها الثقافية، لن تبلغها الجزائر، على الأقل في السّنوات القليلة المقبلة.
التّضييق على الكتاب، وإخضاعه للجان رقابة، هي سياسة متّبعة لتأكيد «هيمنة» المؤسسة الرّسمية، على حريّة الفرد. الرّقابة ليست تقلّ فظاعة عن «القتل» كما عبّر عن ذلك جورج برنارد شو. والجزائر تمارس، منذ استقلالها، هوايتها الأثيرة، في الرّقابة على المطبوعات، وحجز ما لا يُناسب آراءها. لكن الطّفرة التكنولوجية، التي حصلت في السّنوات الأخيرة، وضعتها في موقف حرج، هي من جهة لم تتخلّص من منطقها القديم، الذي تجاوزه الزّمن، ومن جهة أخرى سيصعب عليها مستقبلا مراقبة سوق الكتاب، أو منع القراء من الوصول إلى النصوص التي يرغبون فيها. هي مسألة وقت والحكومة تحاول كسب الوقت قدر الإمكان. فالعقل كان يفرض أن تنفتح البلاد على التّجارة الإلكترونية، أن لا تبقى مثل «جزيرة» معزولة ثقافيا، كي تخدم القارئ وتقلّص من عمليات القرصنة، التي أرهقت النّاشرين، لكنها لم تفعل. تواصل وصايتها على القارئ، وتعاطفها ـ الفجّ ـ مع النّاشرين بمنحهم بعض المنح والمساعدات الهزيلة، لكن هذا لن يستمر طويلا، فالتحوّلات الطّارئة التي تحصل، ستفرض نفسها على سياسة الرّقابة، وتحرّر ـ بالتّالي ـ الكتاب من قبضة الوزارة الوصيّة.
 
٭ كاتب من الجزائر
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات