عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Sep-2017

تحولات السرد القصصي في «طواف» للقاصة كلارا سروجي

 الدستور-أحمد علي الغماز

حين تقرأ قصصاً ذات لغة قاطعة ومدوية وذات قيمة أيضاً لا بد أن تقرأ بالسطر الأخير اسم د. كلارا شجراوي، لسبب واحد فقط وهو أنها تكتبني كقارئ، نعم، فحين يجد المتلقي نفسه وجها لوجه أمام أحداث يومية ومعاشة، وهذا هو مقصد الأدب بكل أشكاله أن يقول شيئاً، لأن الأدب -حسب الروائي ميلان كونديرا- الذي لا يقول شيئاً عمل غير أخلاقي، من هنا تستطيع أن تلج إلى قصص د. كلارا، اللغة تأتي أحياناً كمزيج بين الشاعرية واللغة الواقعية، ولا تقدم أحداها على الأخرى فيأتي الانسجام بين واقعية السرد الذي لشدة جماليات الوصف تشعر بأنك أمام شيء غير موجود ثم تأتي اللغة الشاعرية لتضفي جمالا على جمال وتأخذ المتلقي نحو الذائقة الفنية التي يبحث عنها، يقول الناقد جيرار جينت، قد تكتب نصاً تغيب به المكان لكنك لا تستطيع أن تكتب بدون زمان، فالزمن عند كلارا قد يأتي على شكل لحظه خاطفة تتشكل أمامنا كمتلقين أولاً وبنهايات موجعة وهذا ما تمثله قصصها القصيرة جداً، لتترك القارئ حائراً يلتفت حوله ويعيد تشكيل رؤيته، فهي هنا لا تتدخل إطلاقاً بالفكرة بل تقتنصها وكأنها لحظة هاربة تعيد صياغتها بفنية عالية، شخوص كلارا وبكل بساطة هي، أنا، أنتِ، هو، هي، في الطرقات، والمساءات الليلية، وقاع المدينة والموظف والعاشق والحبيبة، لذلك تبدو وكأنها ليست كائنات حبرية فقط بل بلحظة مجنونة تكاد هذه الشخوص أن تقفز من الورق لتبدو أمامنا من لحم ودم، لا أميل للخوض في تفاصيل القص لأن ذلك من مهمة القارئ، ليقرأ وحين ينتهي يدرك أنه عليه أن يلتفت كثيراً حوله.
هي العاصفة إذن وعلينا أن نستعد جيدا لمواجهة هذا المجاز وهذه البلاغة التي سوف تقابلنا أمام وهج النثر، هو هذا المهرجان من الألعاب النارية الذي أطلقته كلارا في سماء المرأة المعتم. تقترب القاصة هنا من معادلة الشراكة بينها وبين الشخصية الأخرى في القصة القصيرة، حين تبتكر فكرة ما وتود تشييدها بفن قصصي خارج عن المستهلك والمؤطر، فإنها تبحث تحديداً بالبعد الثالث للشخصية وقد تترك الصفات العامة والمألوفة لتدخل رغما عنها إلى ذلك المشهد وتبدأ  بصياغته محولة تلك العجينة من الأحداث والزمن والمكان إلى ما يشبه قطعة البلور النادرة والتي لم تأتِ من فراغ وجمل فائضة، وإنما من ذلك الوجع الإنساني، الذي ربما لا تكفيه قصيدة أو رواية، إنما يأتي حاراً متدفقاً ولا تقوله إلا القصة القصيرة.
من هنا نستطيع أن نتعرف على عالم كلارا من حيث اللغة أولاً والتي جاءت على ما يبدو لغة قصصية متقنة من حيث قدرتها على التواصل بينها وبين المتلقي، هناك على ما يبدو ثمة أشارت دقيقة للمرسل إليه (القارئ) بصفته الشريك الثالث بالعمل الإبداعي بعد المبدع والنص، هذه الإشارات بدت أحيانا بلغة قاطعة، فهي تقدم المشهد بدون ذلك الإسهاب الذي يفتك بالنص أو الرمز والمجانية التي لا طائل منها والتي تجعل المتلقي يشيح بوجهه عن القص، لعدم قدرته على متابعة الحدث القصصي.
الحكاية، داخل النص، أم خارجه؟ هناك أقوال نقدية كثيرة حول هذا الموضوع المهم، هل الحكاية جزء لا يتجزأ من القصة القصيرة وهل ما تنتجه القصة تتعدى رؤية القاص لحكايته، يميل القارئ، أي قارئ، دائما إلى توفر عنصر التشويق وهذا لا يأتي إلا بالقصة المتكاملة، أن غياب عنصر القص، عن أي عمل قصصي، قد يغيب الصنف الأدبي وهو وجود القصة القصيرة، لذلك نجحت كلارا سروجي بالبقاء على ذلك الاشتعال والتشويق يمشي جنباً إلى جنب مع الحدث بدون أن تقحمه بسطحية وبساطة، بل أبقت على سير الأحداث والشخوص جنباً إلى جنب مع ذلك المضمون الهائل الذي عبر عنه (الحكي الداخلي أو الخارجي) بما يطلق عليه المونولوج، وهنا لن أستعرض شيئاً من القصص، لأني أرى أن ذلك من عمل القارئ ليبحث ويكتشف بنفسه.
لم تغب أيضاً اللغة الشاعرية، فقد تراها حين تكون بواقع حقيقي، واقعاً ليس كالواقع، هناك فقط يدرك القارئ أنه أمام موسيقى كثيرة وفراشات تذهب نحو الضوء قادمة من العتمة، وهي أي القاصة لا تستعرض موهبتها الشاعرية فقط، وإنما لتجعل المضمون يأتي بتلك الدهشة أو الهزة التي تعتري القارئ حين يتابع القص فيشتبك بذلك الجمال وإيصال الفكرة التي تود قولها.
شخوص كلارا، تراهم أحيانا، أينما وليت وجهك، في الوظيفة وفي الطرقات الحزينة والعشاق أينما كانوا، فقراء وأغنياء، أزواج وزوجات، بمعنى، هي لم تحتكر شخوصاً اقرب إلى المثالية المطلقة، بل اشتغلت على كل تلك الحيوات التي تقابلنا، بعيداً عن التمجيد بعيداً عن المديح، أيضاً لم تأتِ شريرة وغاضبة وحانقة على المجتمع بالمطلق بل  وكما يقول الناقد (امبيرتو ايكو) تلك الفراغات التي يبحث عنها القارئ (انتهى الاقتباس).
بمعنى خلق ذلك التوازن الهائل بين ملامح الشخوص، وبين واقعها اليومي حتى تكون أقرب للمنطق وتحدث ذلك الكم الهائل من اصطياد اللحظة الهاربة بكل تكثيف واختزال وتقدم القصة للقارئ، ليس على طبق من ذهب وإنما تجعله يشترك بالسؤال المهم، ماذا تريد الشخصية أن توصل لي؟
استطاعت القاصة أن تحافظ على وحدة الشخصية، وحدة المكان، فهي لم تذهب بعيداً بتوسيع الحدث القصصي وإنما حصره في عنصر (الوحدة) فجاءت لكل كلمة وظيفتها بدون حشو أو تمهل، بل سعت لأن تكون السهام جاهزة للانطلاق من أول جملة قصصية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات