عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Mar-2017

العلاقة المتوترة بين الأمومة والفنّ… حكاية مبدعات فلسطينيّات

«القدس العربي» من رشا حلوة: تحضر الأمومة بقوة في ثقافتنا، في محيطنا اليوميّ؛ في الأغاني والقصص، وبشكل خاص في دور المرأة. وفي بُعد إضافيّ، تحضر الأم في المكان؛ فنقول «الوطن الأم»، ونصف كلّ مدينة دافئة تحتضننا بالأم أيضًا. منحنا رمزيّة ولربما قدسيّة للأمومة في كلّ شيء، وإيجابيّة في معظم أدوارها الحقيقيّة والأسطوريّة، وفي كثير من الأحيان، نزعنا عنها إنسانيّتها، تلك التي تعيش فيها كلّ مشاعر الحياة، بعيدًا عن المثاليّة.
نصوص ودراسات كثيرة كُتبت عن الأمومة وعن علاقة الأمومة بالفنّ، ونصوص ذاتيّة أدبيّة وشعريّة أيضًا، لفنانات وشاعرات أمهات، تمحوّرت بالأساس حول كيف تنظر الفنانات والكاتبات لكونهن أمهات، وهي نظرة إلى دواخلهن، بعيدا عما تبثّه كلّ أم من شعور تجاه كونها أمّا إلى المجتمع والمحيط، وبكثير من الأحيان، خوفًا منه وخوفًا على صورتها كأم، الصّورة المقدّسة.
التقينا بفنانات وكاتبات أمهات، أردنا التقصي عن العوالم التي يعشن فيها، عن الأسئلة الذّاتيّة، الصّراع بين العالمين، إن وُجد، وعن تأثير الأمومة على فنّهن، والعكس صحيح.
 
هاجس الأمومة الخفيّ
 
«حين تزوجت رغبت في إنجاب الأولاد ليس من أجلي، كنت ما أزال أرزح تحت فكرة المرأة التي تريد إرضاء كل من حولها وإرضاء الصّورة التّقليديّة عنها كامرأة مثاليّة، حملت بتوأم، ومنذ إنجابهما وحتى فترة قصيرة من عمري وأنا واقعة تحت صدمة أنني أمّ. لم يعد الأمر رومانسيًا، وكنت أبحث دائمّا فيه عن المتعة فلا أجد سوى التعب. كنت أخاف من تركي وحيدة معهم، بل أشعر بالذعر أحيانًا. الكتابة كانت وسيلتي للهرب، أعترف بأنني كتبت بعد أن أصبحت أما، بواقعيّة مفرطة خالية من التعاطف والرومانسيات، كنت مصدومة من كل هذه الكتابة عن الأمهات وهاجس القداسة التي تغلف هذا النوع من الكتابة، وكنت متأكدة أنها ترزخ تحت طائل القيود الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تجعل من المجتمع ثابتًا، نحن نريد الأم التي تستطيع أن تجمع الأسرة والأسرة التي ستبني مجتمعًا، نريد كل هذا من أجل استقرار الاقتصاد وفرض السّلطة». هكذا تنظر الكاتبة والشّاعرة، مايا أبو الحيات، للأمر، وهي من مواليد بيروت ومقيمة في القدس، وأم لطفلتين وطفل.
 
من الخوف إلى الخلاص
 
وفي إجابة عن السّؤال «كم تحضر الأم في شخصيتها ككاتبة؟»، تقول: «مشكلتي أنني حاضرة كأم وأني لا أشعر بأني أمّ أيضًا. كانت فكرة الأمومة حاضرة في داخلي قبل أن أصبح أمًّا، وعندما جاء الأطفال، أصبح سؤال الأمومة أكبر. لفترة طويلة رفضت فكرة كوني أمّا، وأرقني ذلك كثيرًا. أصبحت كتابتي عن الأمومة من منطلق رفضها، لكني الآن، ومع السّنين وعمر الأطفال الذي يزداد، أصبح الموضوع مختلفًا … كأنهم جاءوا لأن يحتلوا حياتك. كأنهم يأخذون التفاصيل الجيّدة فيكِ، وأنت متعبَة. تصبحين فارغة كأنك لستِ أنت، ولا يعرفك أحد. وهذا الحديث مرافق للتعب وللالتزامات، بأن لا من أحد سيقوم بدورك عداك». وتضيف: «اللحظة التي تنتبهين فيها إلى أن هنالك استرجاعًا لكل ما هو جيّد لروحك، هي اللحظة التي تشعرين بمردود إيجابيّ من الأطفال، هي حين تتوقفين عن الهروب منهم… كتبت كثيرًا عن هذه اللحظة، خاصّة عندما شعرت بقدرتي على الكتابة عنها، حين ظهر صوت الأمومة في النّص، لاحظت عندها بأن هذا هو هاجسي لهذه المرحلة وهذا ما يشكّل وجودي». هاجس الأمومة التي تتحدث عنه مايا وانشغالها فيها كجزء أساسيّ من كيانها يظهر كثيرًا في روايتها «لا أحد يعرف زمرة دمّه»، الصّادرة عن «دار الآداب» عام 2013، حيث هنالك محاكاة قويّة وعميقة لفكرة الأمومة وتكسير لقداستها. كما أنّها تظهر أيضًا في ديوانها الشّعريّ «فساتين بيتيّة وحروب»، الصّادر عن «دار الأهليّة» في عمّان عام 2016، التي تكتب فيه عن فكرة «الفساتين» التي ترتديها المرأة كأم وزوجة، وكلّ هذا الحضور المتعدد داخل البيت. عن هذا تقول: «في هذه اللحظة تصالحت مع فكرة الأدوار، والأمومة، انتبهت أن أطفالي هم أصدقائي، وحضورهم إيجابيّ. الأطفال قادرون على الحبّ والاحتضان والاستماع إلى مشاكلك كإنسانة بلا مقابل. هم بمثابة المساحة الوحيدة التي تعطيني كلّ شيء، وليس الطّبيب أو الصّيدليّة.. ممكن أن يكونوا مصدرًا للخلاص، خاصة لأننا تعودنا أن نحصل على الحبّ خارج البيت وليس من داخله».
 
الفعل الإبداعي
 
استطاعت أبو الحيات أن توظّف الأمومة في فعلها الإبداعيّ المستمر، بالقصص والقصائد وكذلك عملها مع الأطفال، عرفت أيضًا أن تحكي قصصًا من مشاهد يوميّة تعيشها كأمّ داخل البيت، وكذلك في ظلّ واقع فرضه الاحتلال، ففي قصّة «خرنديا»، تحكي بسخريّة سوداء عن بحثها لحلّ أزمة غياب فوطة نظيفة لطفلتها لاستبدال الفوطة المتسخة، أثناء انتظارها وزوجها لعبور حاجز «قلنديا»، وجاءها الحلّ بإلهام من مرور قطّة بجانبها، حيث ركضت إلى طرف الشّارع وحفرت حفرة في الأرض وأخفت الفوطة داخلها، وفي اليوم التالي، كانت قد نبتت ثلاث شجرات من فوط مع روائح كريهة، كانت كافيّة لأن يمتنع عدد من جنود الاحتلال عن العمل في الحاجز، لكن بالنسبة لها، لمن يمرّ عبر الحاجز يوميًا: «أما نحن فلم نغيّر طريقنا، كذلك فعل كثيرون غيرنا، يوميًا نمر من خرنديا دون أي تأثر، دون أن ننسى شكر شجر الخرا الطيّب، الذي سهل لنا حياتنا».
 
من الصراع إلى الاحتواء
 
تعيش الفنانة رنين حنّا وعائلتها في حيفا، وهي المولودة في قرية الرّامة في الجليل. قبل أن تأخذ مسار العلاج بالموسيقى، عملت لسنوات في مجال الغناء في فلسطين وخارجها. وعندما بدأت ببناء أسرة، شعرت بحاجة نفسيّة وبيولوجيّة لأن تكون أمًّا. تزامن ذلك مع بحثها في مجال العلاج الموسيقيّ، والبحث في علاقة النّفس بالموسيقى، وقرارها أن تضم هذا المجال إلى عالمها المهنيّ، فتحوّل عالمها الموسيقيّ من المسرح إلى غرف العلاج. هذا التحوّل تزامن مع كونها أصبحت أمّا، واكتشافها أن الاكتفاء الذّاتي من الغناء على المسرح أصبحت تحصل عليه من العمل في مجال العلاج الموسيقيّ، خاصّة العمل مع الأطفال. تقول رنين: «قوة الموسيقى هي في تشكيل الهويّة، وشعرت بغياب مجال العلاج الموسيقيّ من حياة الأطفال في العالم العربيّ عامّة، وفي الدّاخل الفلسطينيّ خاصة، ولا من مادّة موسيقيّة تخاطب ذات الطّفل وتعطيها احترامها في الكلمة من جهة والموسيقى من جهة أخرى. وعندها، بدأت بالعمل على مواد موسيقيّة عن الطّفولة، وفي ما بعد ظهرت أسئلتي عن هويّتي الفنّيّة الشّخصيّة، أين ذاتي الفنية؟ وأين تختفي؟ لم تكن المرحلة والأسئلة سهلة أبدًا. رافقها صراع داخليّ أيضًا؛ أنا أمّ وفنانة، لكن مع الوقت انتقلت من مساحة صراع ذاتيّ إلى مساحة احتواء، خاصة لأني قبل أن أصبح أمًّا، كان أنّاي الفنّي في المركز، الذي اختفى وأُلغيّ مع الأمومة. لكني عرفت كيف أوظّف الموسيقى في كل المراحل التي رافقتني؛ سواء في فترة الحمل وحتى اليوم كأم مع أطفالي. أثناء الحمل الأوّل، كنت أضع الغيتار على بطني وأعزف وأغنّي كلّ الوقت، كانت وما زالت الموسيقى حاضرة في حياة طفلي». وتابعت: «كانت الموسيقى في حياتي في مرحلة ما مليئة بالنرجسيّة، وهذا طبيعيّ لأي فنّان، ومع كوني أمّا، ورغم الصّراع الذّاتي المستمر للبحث عن ذاتي الفنية اليوم في ظلّ الأمومة، تحوّلت الموسيقى إلى غذائي الخاص وغذاء من أحضرتهم إلى الحياة، وأصبحت أداة للتواصل بيني وبين بيئتي. أوّل تهليلة أطفال كتبتها في حياتي كانت لابني جوليان، هو أيضًا الدّافع الأساسيّ لإصدار ألبوميّ الأوّل للأطفال بعنوان «يلا نغنّي سوا».
 
فعل الأمومة والشعور بالذنب
 
«يبدو الشعور بالذنب وكأنه الشعور الذي يوحّد الأمهات على اختلافهن، إنه يكمن في المسافة التي تقع بين الحلم والواقع مثلما في البنوّة والحب والعمل والصّداقة، هو أيضًا نتيجة المسافة بين مثاليّة الأمومة في المتن العام وبين اخفاقاتها في الخبرة الشّخصيّة. إنه شعورٌ جوهريّ حتى أنه يصلح كتعريف لممارسات الأم في حياتها اليوميّة». (من مقال للشاعرة إيمان مرسال بعنوان: عن الأمومة والعنف).
حول هذا الشّعور «بالذنب»، ترى رنين حنّا الأمر مختلفًا، فتقول: «لأني لم أحافظ على ذاتي الفنيّة، وأخذت الموسيقى إلى مساحة العلاج، لا أشعر بالذّنب. كان الشّعور يكمن في التساؤل حول هويّتي الموسيقيّة اليوم. أنا أؤمن أن اختياري لأن أكون أمًّا يجب أن أتحمل مسؤوليّته بكلّ حبّ. الأمومة هو أمر عميق، وإيماني بدور الأم في حياة أطفالها، خاصة في مرحلة الطّفولة المبكرة، وحضوري كأم جزء لا يتجزأ من صقل الذّات للطفل، وبأن هذه السّنوات تذهب ولا تعود، هو أمر في غاية الأهمية وهو خياري وقراري. أما تحقيق (الأنا الفنية) والموسيقيّ فهو قابل للتأجيل، لوقت أشعر فيه بأنه سيكون مناسبًا، وبالتأكيد لن يكون على حساب أطفالي».
 
طفلي هو أجمل فعل إبداعيّ في الحياة
 
هكذا تقول الفنانة تريز سليمان (حيفا)، وهي تحتضن ابنها «مينا» الذي وصل إلى العالم قبل شهر. وفي إجابتها على سؤال: «هل هناك صراعًا تعيشنه الآن بين عالمي الفنّ والأمومة؟» قالت سليمان: «أنا في مرحلة لم أشعر فيها للحظة بأن هنالك صراعًا بين الأمومة والفنّ، شعوري اليوم بأن مينا هو أجمل ما فعلته حتى الآن، هو قمة الإبداع بالنسبة لي. ما زلت في مرحلة لا تحتوي على شعور بأن حياتي تغيّرت وأسئلة عن كيف سأواصل تقديم الموسيقى، أنا لست هنالك الآن. هناك شيء بالأمومة، منذ فكرة أنك ستصبحين أمّا إلى أن تصبحي بالفعل أمّا، لا يشبه أحدهما الآخر، ولا يقارن بأي شيء. وعلى الرّغم من كوني أمّا جديدة، لكن لدي كلّ الاستعداد لأن أواصل عرض الموسيقى والسّفر، أشعر بأن الأمومة هي إضافة نوعيّة للحياة. وأن حضور مينا إلى حياتي أحيّا في داخلي مشاعر جديدة، مشاعر لم تكن ميّتة، إنما لم تكن موجود في الأصل، شعور لا يشبه أي شيء عشته من قبل، شعور جديد تمامًا. هنالك فعل ولادة، ولادة لقاموس جديد، ولادة بكل المفاهيم؛ بما فيها أسئلة القلق أحيانًا، الجنون، السّحر، التّعب والكثير من الحبّ. وهذا التّعب لا يشبه تعب العروض الموسيقيّة على سبيل المثال، الذي تسألين نفسك أحيانًا خلاله لماذا وضعت نفسي في هذا المكان؟ تعب الأمومة مليء بالسّعادة».
 
الإبداع ميناء آمن
 
وترى تريز أن الأمومة سوف تضيف إلى مشروعها الموسيقيّ الكثير من الخيال وسعة الأفق، وتضيف: «الشعور بالأمومة سيكسر فكرة بأنه لا يمكنني القيام بشيءٍ ما، أشعر بأني أستطيع فعل كل شيء بعد ولادة طفلي، هنالك شيء مع لحظة الولادة جعلني أفهم أن الرّوح والجسد قادرين على فعل كل ما لم أفكر بقدرتي على القيام به». أغنيتان تغنّيهما تريز لابنها مينا في هذه الفترة الأولى أغنية «إلك» البرتغاليّة والعربيّة، كتبت تريز كلماتها العربيّة وغنّتها مع المغنيّة البرتغاليّة كارلا دي كارفالو، أما الأغنية الثّانيّة فهي أغنية «يافا» التي قدّمتها مع الفنان محمّد بكري أثناء جولة عروض فرقة «مينا» الموسيقيّة الفلسطينيّة البرتغاليّة في ربيع 2016 في فلسطين، والتي كتبت تريز كلماتها على لحن أغنية A Vava Inouva .
هكذا تريز، كما أمهات فنانات أخريات، في فلسطين والعالم، توظّف إبداعها في التربيّة، المرفقة بأسئلة وجوديّة عديدة، ولربما عوالم كل منهن الذّاتيّة، التي لا تشبه بعضها البعض، لكلّ تجربتها الخاصة ما بين الأمومة والفنّ، المليئة بالسّفر من جهة والحاجة لميناء آمن من جهة أخرى في هذه الحياة، لها ولأطفالها ولكلّ من تحبّ، وفي كثير من الأحيان ممكن أن يُخلَق هذا الميناء في قصّة تكتبها كاتبة أو أغنية ترددها مغنيّة لطفلها أو طفلتها قبل النوم.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات