عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jun-2017

حرب الأيام الستة في الخمسين

الغد-ريتشارد هاس
 
نيويورك - يشهد العالم الآن الذكرى السنوية الخمسين لحرب حزيران (يونيو) 1967 التي وقعت بين إسرائيل ومصر والأردن وسورية، وهو الصراع الذي ما تزال آثاره باقية في منطقة يتسم تاريخها المعاصر بالعنف إلى حد كبير. وعلى الرغم من أن تلك الحرب دامت لأقل من أسبوع فقط، فإن إرثها ما يزال واضحا وقويا بعد مرور نصف قرن من الزمن.
اندلعت الحرب ذاتها بفعل ضربة إسرائيلية استباقية استهدفت القوات الجوية المصرية، رداً على القرار الذي اتخذته مصر بطرد قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من غزة وشبه جزيرة سيناء وإغلاق مضيق تيران أمام سفن الشحن الإسرائيلية. ومع أن إسرائيل كانت صاحبة الضربة الأولى، فإن أغلب المراقبين ينظرون إلى ما فعلته بوصفه عملا مشروعا من أعمال الدفاع عن النفس ضد تهديد وشيك.
لم تكن إسرائيل تعتزم القتال على أكثر من جبهة، ولكن الحرب سرعان ما توسعت عندما دخلت كل من الأردن وسورية دائرة الصراع من أجل مؤازرة مِصر. وكان ذلك قراراً مكلفاً للدول العربية. فبعد ستة أيام فقط من القتال، سيطرت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، ومرتفعات الجولان، والضفة الغربية، والقدس بالكامل. وأصبحت إسرائيل الجديدة أكبر بثلاثة أضعاف من إسرائيل القديمة، ويُذَكِّرُنا ما حدث على نحو غريب بسفر التكوين: ستة أيام من الجهد المكثف يليها يوم من الراحة، وهو في حالتنا هذه يوم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار.
وضعت المعركة التي دارت رحاها من جانب واحد حدا لفكرة (أو حلم عند بعض الناس) أن إسرائيل يمكن القضاء عليها. وجعل انتصار 1967 إسرائيل دولة دائمة على نحو لم تنجح حرب 1948 أو حرب 1956 في تحقيقه. فأخيراً، اكتسبت الدولة الجديدة درجة من العمق الاستراتيجي. واضطر أغلب القادة العرب إلى تحويل هدفهم الاستراتيجي من إزالة إسرائيل من على وجه الأرض إلى إعادتها إلى حدود ما قبل العام 1967.
غير أن حرب الأيام الستة لم تُفض إلى سلام، ولو حتى إلى سلام جزئي. بل كان لزاما على السلام أن ينتظر حتى اندلاع حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، والتي مهدت الساحة لاحقاً لإبرام اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين إسرائيل ومِصر. وقد خرج الجانب العربي من هذا الصراع اللاحق وقد استرد شرفه؛ وخرجت منه إسرائيل وقد نالها العقاب والتأنيب. ويبرز هنا درس مهم: لا تقود النتائج العسكرية الحاسمة بالضرورة إلى نتائج سياسية حاسمة، ناهيك عن السلام.
غير أن حرب الأيام الستة أفسحت المجال للدبلوماسية، أو القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد دعا ذلك القرار الذي حظي بالموافقة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الصراع الأخير -ولكنه ثبت أيضاً حقها في الحياة ضمن حدود آمنة ومعترف بها. وكان القرار حالة كلاسيكية من الغموض الخَلّاق. فقد قرأه أناس مختلفون على أنه يعني أشياء مختلفة. وهو ما من شأنه أن يسهل تبني القرار، ولكنه يزيد من صعوبة العمل على تنفيذه.
ليس من المستغرب بالتالي أن يظل السلام غائبا بين الإسرائيليين والفلسطينيين، على الرغم من عدد لا حصر له من التعهدات الدبلوماسية التي بذلتها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، والأمم المتحدة، وأطراف الصراع أنفسهم. وإحقاقا للحق، لا يمكننا إلقاء اللوم على القرار 242 في التسبب بالحالة التي آلت إليها الأمور حاليا. فالسلام لا يأتي إلا حينما يصبح الصراع جاهزا للحل، وهو ما يحدث عندما يكون زعماء الأطراف الرئيسية مستعدين وقادرين على تقبل التسوية والحلول الوسط. وإذا غاب هذا الشرط، فلن يكون أي قدر من الجهود الدبلوماسية التي تبذلها أطراف خارجية حسنة النوايا كافيا للتعويض عن غيابه.
غير أن حرب 1967 خلفت على الرغم من ذلك تأثيرا هائلا. فقد اكتسب الفلسطينيون هوية وبروزا دوليا لم يتسن لهم الحصول عليه عندما كان أغلبهم يعيشون تحت الحكم المصري أو الأردني. ولكن ما عجز الفلسطينيون عن تحقيقه كان الإجماع بين بعضهم بعضا في ما يتعلق بقبول إسرائيل، وإذا قبلوا بها، فما هو الذي يمكنهم أن يتخلوا عنه لكي تصبح لهم دولة خاصة بهم.
ربما يتفق الإسرائيليون على بعض الأمور. فقد أيدت أغلبيتهم إعادة سيناء إلى مِصر. وكانت حكومات متباينة على استعداد لإعادة مرتفعات الجولان إلى سورية بموجب شروط لم يتم الوفاء بها قط قَط. كما انسحبت إسرائيل بقرار أحادي من غزة ووقعت معاهدة سلام مع الأردن. وكان هناك أيضا اتفاق واسع النطاق على أن القدس ينبغي أن تظل موحدة وفي يد إسرائيل.
ولكن الاتفاق توقف عندما تعلق الأمر بالضفة الغربية. إذ يرى بعض الإسرائيليين أن هذه الأرض كانت وسيلة لتحقيق غاية، ومن الممكن إبدالها بسلام آمن مع دولة فلسطينية مسؤولة. ويرى آخرون أنها كانت غاية في حد ذاتها، لأجل استيطانها والاحتفاظ بها.
لكن هذا لا يعني غياباً كاملاً للتقدم الدبلوماسي منذ العام 1967. فقد أدرك كثيرون من الإسرائيليين والفلسطينيين الواقع المتمثل في وجود الطرف الآخر والحاجة إلى شكل ما من أشكال تقسيم الأرض إلى دولتين. ولكن، لا يبدي أي من الطرفين في الوقت الراهن الاستعداد لحل ما يفصل بينهما من قضايا. وقد دفع كل من الجانبين، وما يزال يدفع، ثمن هذا الإعراض.
فإلى جانب الخسائر المادية والاقتصادية، يظل الفلسطينيون يفتقرون إلى دولة خاصة بهم والتحكم في حياتهم. ومن الواضح أن هدف إسرائيل المتمثل في إنشاء دولة يهودية ديمقراطية آمنة ومزدهرة يظل مهدداً بفِعل الاحتلال المفتوح والواقع الديموغرافي المتطور.
في الوقت نفسه، تحركت المنطقة والعالَم في الأغلب إلى الأمام، وأصبح جُل الاهتمام منصبا على روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية. وحتى إذا حَلّ السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فلن يُفضي هذا إلى السلام في سورية، أو العراق، أو اليمن، أو ليبيا. فبعد مرور خمسين عاماً منذ اندلعت حرب دارت رحاها ستة أيام، بات غياب السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين جزءا من وضع راهن معيب أصبح مقبولاً ومتوقعاً في نظر كثيرين.
 
*رئيس مجلس العلاقات الخارجية، عمل سابقا مديرا لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية من 2001 إلى 2003، وكان مبعوث الرئيس جورج دبليو بوش الخاص إلى ايرلندا الشمالية ومنسقا لـ"مستقبل أفغانستان". وهو مؤلف كتاب "عالم في فوضى: السياسة الخارجية الأميركية وأزمة النظام القديم".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات