عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jul-2017

الحياة بعد باكس أميركانا

الغد-إيان بورما*
 
نيويورك - كانت مظاهر الاهتراء والبلى بادية لبعض الوقت الآن على حواف نظام ما بعد العام 1945 الذي أنشأته الولايات المتحدة في أوروبا وشرق آسيا. ولن يكون من شأن قرار انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ الذي اتخذه الرئيس دونالد  ترامب سوى أن يُفضي إلى التعجيل بتفكك هذا النظام.
لأول مرة منذ السنوات الأولى من رئاسة الجنرال شارل ديغول في فرنسا، يصرح أحد زعماء الغرب الكبار -المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل- علناً بأنه لم يعد بوسع أوروبا أن تعتمد على زعامة الولايات المتحدة. وقد ينطوي ذلك على بعض المفارقة، خاصة وأنه صادر عن زعيمة ألمانية وأطلسية راسخة، ولكنه مناسب في واقع الأمر، لأن ألمانيا في هيئتها المتحولة من دكتاتورية قاتلة إلى ديمقراطية ليبرالية مسالمة، كانت بحاجة إلى الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر.
ربما يجب أن نشعر بالارتياح إزاء النهاية التدريجية لما يُسمى "باكس أميركانا" (السلام الأميركي). فلم يدم أي نظام إمبريالي إلى الأبد. والواقع أن النظام الدولي الذي كان منطقياً بالكامل عندما كان العالم خارجاً من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية، فقط لكي يدخل حرباً باردة طويلة بين قوتين نوويتين عظميين، ربما لم يعد كافياً، وربما يقف في طريق ترتيبات أفضل.
كان الغرض من منظمة حلف شمال الأطلسي، على حد تعبير أمينها العام الأول، لورد هاستينغز إسماي، هو "الإبقاء على الأميركيين في الداخل، والروس في الخارج، والألمان في الأسفل". ولكن، لم تعد الحاجة قائمة للإبقاء على ألمانيا في "الأسفل"، وهناك مناقشة دائرة حول ما إذا كان من الصواب الإبقاء على روسيا في "الخارج" بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في المقام الأول. وكان ترامب مصيباً في شيء واحد، حتى وإن جاء تعبيره عنه فظاً: لقد أصبحت أوروبا، واليابان أيضاً، أكثر اعتماداً مما ينبغي على القوة العسكرية الأميركية.
إن الاعتماد على الولايات المتحدة على هذا النحو لتوفير الأمن الجماعي لا يحول حلفاء أميركا إلى مستعمرات، وليست الولايات المتحدة قوة إمبريالية رسمياً. ولكن مظاهر المعضلة الإمبريالية المتأخرة الشائعة أصبحت مرئية في كل من شرق آسيا وأوروبا الغربية اليوم. وإذا تخلت الولايات المتحدة عن دورها القيادي بسرعة أكبر مما ينبغي، فقد تنشأ الفوضى، وربما تقفز قوى أقل اعتدالاً لشغل الفراغ. ولكن، إذا ظل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة قائماً لفترة أطول مما ينبغي، فسوف يمنع المعتمدين على أميركا من تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنهم الخاص.
عندما تتفكك الترتيبات الإمبريالية، ينتج العنف عن ذلك غالباً. وقد صاحبت الإبادة الجماعية الأرمنية زوال القوة العثمانية. وجاءت معاداة السامية والقومية الراديكالية بعد سقوط الإمبراطورية النمساوية المجرية. وحدث شيء مماثل عندما انهارت إمبراطورية جوزيف بروس تيتو اليوغوسلافية الصغيرة في البلقان. وقد فقد أكثر من مليون هندوسي ومسلم حياتهم في أعمال عنف طائفي مروعة عندما ترك الحاكم البريطاني دولة مقسمة لتتدبر أمورها بنفسها.
ليست هذه حجة لصالح الإمبريالية بطبيعة الحال. ولكن عصر ترامب يجب أن يجعلنا مستعدين لمواجهة العواقب بمجرد بلوغ نظام ما بعد 1945 الذي قادته الولايات المتحدة الى منتهاه. ومن الواضح أن القيادة الأميركية كانت مؤسسة معيبة، فأنتجت حروباً غير ضرورية، فضلاً عن دعمها لعدد كبير من الحلفاء البغيضين في الصراع مع الشيوعية. ولكن، لم يخل الأمر من العديد من العوامل الإيجابية أيضاً. فقد تمكنت أوروبا الغربية، واليابان، بل وحتى كوريا الجنوبية وتايوان في مرحلة متأخرة، من التحول إلى كيانات حرة ومزدهرة تحت حماية الولايات المتحدة.
على الرغم من التجاوزات التي صاحبت معاداة الشيوعية، عملت هيمنة الولايات المتحدة أيضاً كقوة كبح للتطرف الإيديولوجي. فلم تحظ الشيوعية، ولا أشكال الفاشية المختلفة، أو حتى القومية الراديكالية، بأي فرصة للتطور والنمو في أوروبا في ظل باكس أميركانا. وتشير الانتخابات الأخيرة في هولندا وفرنسا إلى أن ترامب ربما يخدم كقوة رادعة، وليست دافعة، للتطرف الشعبوي في أوروبا. ولكن، إذا أصبحت موجة الشعبوية أكبر وأكثر وحشية، فلن نجد أحداً في واشنطن الآن قادراً على تثبيطها.
في اليابان، كان الاعتماد على الولايات المتحدة والقلق بشأن الشيوعية من الأسباب التي أدت إلى تهميش اليسار وأبقت على الحزب المحافظ بشكل دائم تقريباً في السلطة. ولكن تطرف الرغبة الانتقامية اليابانية أيضاً ظل تحت السيطرة. وقد لا يظل الأمر بهذه السهولة بمجرد أن يصبح من غير الممكن النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها حامية جديرة بالثقة ويتحول الخوف من الصين إلى هلع.
على النقيض من بعض الذين سبقوها في المستشارية، تتخذ أنجيلا ميركل التي نشأت في ألمانيا الشرقية موقفاً متحفظاً وحذراً من المكائد الاستراتيجية الروسية.
ولا شك أن روسيا والصين ستستفيدان، على الأقل في الأمد القريب، من تنازل أميركا عن القيادة. ولا ينزعج بعض الناس كثيراً إزاء هذا الأمر. فروسيا أقرب إلى برلين، أو حتى باريس، من واشنطن أو نيويورك. ومن الممكن جمع قدر كبير من المال من خلال التودد إلى النظامين الروسي والصيني (كما يعرف الرئيس الأميركي تمام المعرفة). والواقع أن احتمال إقدام روسيا أو الصين على غزو إحدى دول منظمة حلف شمال الأطلسي ربما يكون ضئيلاً.
لكن هذا التعرض المتزايد للتعديات الصينية والروسية لن يمر بلا ثمن. فبصرف النظر عن مدى الإزعاج الذي أحدثته الهيمنة الأميركية، أو إلى أي حد استنكر الناس بعض الحروب المدمرة التي شنتها الولايات المتحدة، فإن انتقاد سياسات الولايات المتحدة، ورؤسائها، بل وحتى ممارساتها الثقافية، لم يكن مسموحاً به فحسب، بل كان يُنظَر إليه باعتباره علامة صحية للديمقراطية الليبرالية. وكانت هذه إحدى "القيم المشتركة" التي ساعدت في الإمساك بأطراف الغرب معاً.
لن يصدق نفس الشيء في عالَم تهيمن عليه الصين. وسوف يؤدي الانتقاد سريعاً إلى تداعيات ملموسة، وخاصة في المجال الاقتصادي. وقد بدأت ستوديوهات هوليود بالفعل بفرض الرقابة على محتوى الأفلام التي من المتوقع أن تحقق أرباحاً في السوق الصينية. وسوف تخضع وسائل الإعلام الغربية، التي تتوق إلى الحفاظ على قدرتها على الوصول إلى موسكو وبكين، لضغوط متزايدة لحملها على توخي الحذر حول كل ما تطبعه أو تبثه. وسوف يعود هذا بالضرر على مجتمعاتنا المبنية على مبادئ الانفتاح وحرية التعبير.
وهكذا، وحتى لو لم تسفر نهاية "السلام الأميركي" عن غزوات عسكرية، أو حروب عالمية، علينا أن نعد أنفسنا لوقت حيث ربما نتذكر الإمبراطورية الأميركية بحنين مغرم.
 
*محرر "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، وأستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافية في كلية بارد. وهو مؤلف للعديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت ثيو فان كوخ وحدود التسامح"، و"السنة صفر: تأريخ للعام 1945".
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات