عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Dec-2017

الحداثة بسِماتٍ صينية

 الغد-أندرو شينغ؛ وشياو جينغ

هونغ كونغ- في بداية المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر)، كَشَف الرئيس شي جين بينغ عن "خطة التنمية ذات المرحلتين" لتحويل الصين إلى "دولة اشتراكية حديثة" بحلول العام 2035. ومنذ ذلك الحين انهمك المعلقون في مناقشات محتدمة حول موضوع "صعود الصين" وتركيز السلطة في يد الرئيس شي جين بينغ. ولكنهم يبتعدون بذلك عن بيت القصيد.
في واقع الأمر، كانت خطة شي أكثر شمولاً وتطلعاً إلى المستقبل مما يتصور أغلب المراقبين. فمثله كمثل الرئيسين السابقين؛ ماو تسي تونغ ودنغ شياو بينغ، أسس شي جين بينغ استراتيجية لتحويل الصين إلى دولة "مزدهرة، وقوية، وديمقراطية، ومتقدمة ثقافياً، ومتناغمة، وجميلة" في غضون العقود المقبلة. وسوف يكون المفتاح إلى تحقيق النجاح إيجاد التوازن بين الحداثة والاشتراكية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.
عندما تولى شي زعامة الحزب الشيوعي الصيني في العام 2012، ظهرت صدوع عميقة في كل من نموذج التنمية الذي أورثه إياه دينج والنموذج النيو-ليبرالي الغربي المهيمن، الذي يستند إلى الأسواق الحرة المفتوحة. وقد جلب النمو الصناعي السريع في الصين الفساد المستشري، والتفاوت متزايد الاتساع في الدخل، ومستويات مرتفعة من التلوث. وكانت الدول الغربية أيضاً تواجه اتساعاً في فجوات التفاوت، في حين كانت تترنح تحت وطأة الأزمة العالمية التي صنعتها -وهي الأزمة التي تسببت، بين أمور أخرى، في إضعاف شهية هذه الدول للواردات الصينية.
انطلاقاً من إدراكه لحقيقة أن التنمية المستدامة لن تتحقق إلا في إطار سياق من الاستقرار الاجتماعي والحكم الشفاف الجدير بالثقة، كرس شي السنوات الخمس الأخيرة لشن حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد، والتي أسقطت 440 من كبار المسؤولين. كما عمل أيضاً على تنفيذ أكثر من 1500 من تدابير الإصلاح المصممة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد، وبالتالي تثبيت استقرار نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي عند مستوى "طبيعي جديد" يبلغ 6.7 % في المتوسط، خلال ولايته الأولى.
وهكذا، وضعت فترة ولاية شي الأولى الأساس للخطة الطموحة التي كشف النقاب عنها في المؤتمر الوطني التاسع عشر. وتحدد الخطة هدفاً واضحاً وواقعياً في الأمد القريب، والذي يتلخص في جعل الصين "مجتمعاً مزدهراً باعتدال" بحلول العام 2021، بما في ذلك من خلال زيادة نصيب المواطن في الدخل إلى أكثر من 12 ألف دولار سنوياً، وهي العتبة التي حددها البنك الدولي للاقتصاد مرتفع الدخل.
كما يضع تقرير شي استراتيجية أطول أمداً لتحقيق "حلم الصين" الذي طالما بشر به شي -"تجديد شباب" البلاد وترسيخها كزعيمة عالمية، على قدم المساواة مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة- بحلول العام 2049. ووفقاً لرؤية شي، فإن الحزب الشيوعي الصيني الشفاف القابل للمساءلة، والمتمكن، والمسؤول اجتماعياً سيعمل بمثابة الوصي الذي يرعى هذا التحول.
وهي خطة منطقية تماماً، وإن كانت معقدة. لكنها تبدو على الرغم من ذلك غير مفهومة بعض الشيء في نظر الناس خارج الصين. وربما يكون هذا راجعاً إلى أن نموذج التنمية الصيني، على عكس النموذج الغربي القياسي القائم على السياسات الحزبية التنافسية والذي يستخدم انتخابات دورية لتوجيه السياسة، يعتمد على قدرة قيادة الحزب الواحد على التعلم وتكييف أجندتها وفقاً لذلك.
في بلد كبير ومتنوع مثل الصين، يُصبِح هذا النهج منطقياً، لأنه يوازن بين الاستقرار والمرونة. ولا تسترشد تنمية البلاد بالنتائج في أسواق لا مركزية، بل باختيارات حكومة مركزية، تشرف على توفير السلع والمنافع العامة، وتحدد القواعد، وتدير المؤسسات. ومن أجل تجنب الاضطرابات الاجتماعية التي قد تترتب على المنافسة السياسية، تتولى الحكومة المركزية أيضاً تعيين المسؤولين الرئيسيين على مستوى الأقاليم والبلديات وحل النزاعات بين المناطق.
ومن ناحية أخرى، تشترك الحكومات الإقليمية والبلدية في تجريب السياسات على المستوى المحلي، حيث تتفاعل الأسواق والمجتمعات المحلية، وتساعد نتائج هذه التجارب في إرشاد السياسة الوطنية. وتعمل المنافسة الإقليمية -ليس فقط على تغذية النمو الاقتصادي الإجمالي؛ بل إنها تضمن أيضاً تلبية الاحتياجات الخاصة لكل منطقة، من المدن الكبرى مثل بكين إلى القرى الصغيرة التي تنتشر في الريف الصيني. ومع تغير الوضع على أرض الواقع، في ظل حلول جديدة تعمل غالباً على خلق مشاكل جديدة وغير متوقعة، يُصبِح التكيف المستمر على المستويات كافة أمراً بالغ الأهمية.
بطبيعة الحال، لا تعني هيمنة الدولة أن الأسواق لا تلعب دوراً مهماً. ولكن هذا الدور كثيراً ما يساء فهمه. ففي العقود الأخيرة، استخدمت الصين المؤسسات المملوكة للدولة لتشييد البنية الأساسية المهمة من أجل دعم عملية تنمية أسواق الصين.
واليوم، ما تزال الشركات المملوكة للدولة تلعب دوراً مهماً في الهندسة الاجتماعية والبحث والتطوير، ولكن نماذج أعمالها تخضع لضغوط تفرضها العولمة والتكنولوجيات المعطلة للنماذج السائدة. ولهذا السبب، أضاف شي إلى خطته التدابير اللازمة لدعم انفتاح الأسواق المستمر، بما في ذلك استخدام قانون المنافسة لتمكين الأسواق من توجيه الأسعار، وتحسين عمليات تخصيص الموارد وتعزيز الإنتاجية.
غير أن تحرير الأسواق، في سياق العولمة والتغير التكنولوجي السريع، أدى أيضاً إلى نشوء اتجاه آخر ربما يكون ضاراً: ظهور قِلة من شركات التكنولوجيا العملاقة المهيمنة. وعلاوة على ذلك، كثيراً ما تكون وتيرة تحرير الأسواق أسرع من التقدم في تكييف القواعد التنظيمية وتدابير الإنفاذ، مما يسمح بظهور مفاسد مثل المضاربة والتهرب الضريبي.
على هذه الخلفية، عملت الحكومة الصينية في السنوات الأخيرة على تعزيز القواعد التنظيمية وإنفاذها في كل القطاعات تقريباً. ويبدو أن هذا التناقض الواضح بين الأهداف المعلنة لتحرير السوق وواقع القواعد التنظيمية المحكمة، هو الذي يحير المراقبين في الخارج. ولكن الحقيقة هي أن اختلالات التوازن الاجتماعية المتصاعدة لا يمكن معالجتها إلا من خلال التدخل الحكومي الفعّال الذي يتجنب استيلاء الدولة على كل شيء، أو ذلك النوع من الشلل الذي قد ينشأ عن المنافسة السياسية المفرطة.
يتمثل عنصر آخر متناقض ظاهرياً في خطة شي في إصرارها على قيادة الحزب في الشؤون الوطنية كافة، جنباً إلى جنب مع التعهد بتعزيز سيادة القانون. ولكن مرة أخرى، إذا نظرنا عن كثب، فسوف نتبين منطقاً مباشراً صريحاً: فالانتقال إلى مستقبل حيث الأولوية لسيادة القانون يستلزم تغلب الصين على إرث الصوامع البيروقراطية التي ترسخ مقاومة الإصلاح من جانب أصحاب المصالح الشخصية. وسوف يتطلب القيام بهذا وجود زعامة قوية.
في عالَم يضم مجموعة متنوعة من البلدان، ولكل منها نظامه المعقد الديناميكي المتطور، لا يوجد مسار للتنمية يناسب الجميع. وعلى الرغم من أن الدول ربما تتطلع جميعاً إلى أنماط حياة وبيئات عمل وأنظمة اجتماعية متشابهة، فإنها لن تحقق غاياتها إلا بطريقتها الخاصة التي تتحدد وفقاً لاحتياجاتها وتفضيلاتها وهياكلها وموروثاتها الخاصة. ومن منظور الصين، اكتمل رسم خريطة هذا الطريق الآن، في ظل فهم واضح لاحتمال تنقيح هذه الخريطة كما تقضي المستجدات.
 
*أندرو شنغ، زميل بارز في المعهد الآسيوي العالمي بجامعة هونج كونج، وعضو المجلس الاستشارى لـ"يونيب" حول التمويل المستدام، وهو رئيس سابق لسوق هونج كونج للأوراق المالية والعقود الآجلة، وهو حالياً أستاذ مساعد بجامعة تسينغهوا فى بكين. كتابه الأخير هو "من الأزمة الآسيوية إلى الأزمة المالية العالمية". شياو جينغ، هو رئيس مؤسسة هونغ كونغ للتمويل الدولي، وأستاذ بجامعة هونغ كونغ.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات