عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Nov-2016

زمن الرحبانيات..

 

ريم مجاهد
الراي - على ساحل البحر الأحمر، في مدينة الحُديدة، وفي منتجع صغير، لا يشبه في الحقيقة المنتجَع بشيء، تقدّم فيه الشيشة والمشروبات والأكلات الخفيفة وتتوزّع في ساحته ألعاب للأطفال.
 
أرتبك تماماً: هل هي صبية أم عجوز؟ كانت على الأرجوحة، ثمّ وقفت بجانب الأطفال الذين تناوبوا عليها، وانتظرتْ بكل استكانة. كان يجب عليّ أن أتحرّك من مكاني واقترب منها، لأتأكّد من الأمر، إذ إنّ لها جسد صبية ووجه عجوز يبدو واضحاً في الإضاءة الخافتة للمنتجع. لم يكن الأطفال يأبهون لأمرها ولم يشاركها اللعب أحد، لكنّي حين تأكدتُ أنّها صبيّة موغلة في السن، تذكّرت فيلم «الحالة المحيّرة لبنجامين بوتون» واتّشحت بذلك الخواء المفزع لرعب الزمن، لأن يسرقك دوران الكرة، فتتمنى أن تفعل ما لم تفعل وقد لا تكون محظوظاً كهذه الصبية العجوز، فتلعب على الأرجوحة بمتعة كاملةٍ لطفلة في السابعة، وبخفّتها أيضاً. 
 
«صار لي شي مية سنة». ظللتُ لسنين طويلة مقاطِعة لهذه الأغنية، كانت تصيبني بالخواء نفسه، بذلك العدم البارد، اللاقيمة، الزمن الهارب على الطرقات بينما أنا «مشلوحة بهالدكان». في المرة الأولى كنت أرعى أغنامي على الجبل، ولديّ حزمة حطب تستريح على جدار بانتظار رأسي، وأنا أستمع لأغنية «يا سنيني اللي رحتي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي»، وكان عليّ أن أنتفض من الصدمة والخوف: لا أزال مراهقة في السابعة عشرة من عمري، لكن، ها أنا ذا في السابعة عشر وغداً في الثامنة عشرة، وأنا على هذا الجبل «مشلوحة بدون مواعيد أيضاً». ولن أكون مجدداً في السابعة عشرة أبداً. كانت الجبال ممتدّة حتى نهاية مدى بصري، وخفق قلبي لفكرة أنّه يجب عليّ أن أشبع تماماً من كل هذا العالم قبل أن أغنّي هذه الأغنية المفجعة.
 
كتب الرحابنة كلمات تلك الأغاني الموبوءة بخوف الزمن وحنينه المرَضي. كنت أظلّ هائمة في قلق من أن يمضي الوقت الجميل بينما فرصي لتحقيق تلك الخطط العريضة صغيرة أكثر من أسطر الخطط. لكنّي انتبهت أنّ كلّ هذا تغذيه هذه الأغاني التي كبرت معها. كان يومي يتحوّل إلى موجة من حنين وحزن في كل صباح أسمع فيه «بدي ارجع بنت زغيرة على بيت الجيران»، وأفكر بعجز، كيف يمكن أن ينساني الزمان شابة وقادرة، كذلك العمر؟ ثم كيف يمكن «تعا تا نتخبى من درب الأعمار»؟ وكيف للرحابنة أن يلخّصوا هذا الرّهاب بجملة صاعقة كهذه الجملة؟ ثم أكره فيروز وأكره الرحابنة وأكره الأغاني، لكنّي لا أنقطع ولا ليوم واحد عنها. كان إدماناً لمحاولة التعافي أكثر منه للمرض.
 
«يا أنا يا أنا هرب الصيف»، لا أتخيّل كيف أتى الفعل «هرب» لمخيلة الكاتب، لكنّه بالنسبة لي موجع، فأن يقول «فات»، «مرق»، «راح»، تظل محتفظة بعاديتها وبمرور الزمن الذي لا نعيه، لكنّ الفعل هرب يشرح خيانة الزمن، غفلتنا وإدراكنا الواعي له بعد فوات الأوان، ثم اختيار النسيان كدرب آخر، نسيان الزمن، بحيث نظل هناك بعيدين عن سطوته «ركبوا عربيات الوقت وهربوا بالنسيان» و «إنساني بالغفا». وربما لدى آخرين كثر ذلك الوعي، لكن مَن ذا الذي يستطيع اختزالها في جملة معزوفة كما فعل الرحابنة؟
 
أحياناً يبدو من المستحيل بعد الاستماع لهذه الأغاني أن تفلت من سطوة «ذلك الحنين الغريب لشيء لم تعشه أبداً»، كما يقول الكاتب الايطالي أليساندرو باريكو (صاحب رواية «الحرير»).
 
يعرف عن الزمن بعده الواحد، لكن تلك الأغاني تمنحه أبعاده التي يسحقنا بها: الوجع، الحنين، المستحيل، الرجاء. يحمله صوت فيروز المعجزة، فيصبح وسمة في الذاكرة، مزيجاً من الذكرى والحريق، محاولة لصرف عملة الزمان اللامجدية في فعل مجدِ: الحب! «بيقولوا الحب بيقتل الوقت» والعكس، وأفكر في كيف يصبح الحب الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفرمل عجلة الوقت، يملأ فراغه، يحمي الليالي والنهارات من مرورها العبثي، «بعيونك خبيني قبل الشتي خبيني» و «قلتلك خبيني بقلبك وانسيني»، حيث أتخيل نفسي دافئة في الطرقات الباردة مخبأة بتلك الأجفان الحارة. لكن رغم أنّ فعل الحب يضخم مادية الوقت، ويتعدّاه، لكونه الفعل الوحيد المجدي «حبيتك خلف الصيف وخلف الشتا»، ويملأه، فلا يصير هباء، إلّا أن غيابه يضخّم مرارة الوقت، وتصبح الرمادية التي يمضي بها مضاعفة: «صار الشتي ينزل عليّ وإجا الصيف وإنت ما اجيت».
 
يقول القديس أوغسطين: «إنّي لا أعرف الزمن حين أسأل عنه، وعندما يتعلق الأمر بتفسيره فإنّني هنا لا أعرفه أبداً!». هذه إشكالية ماثلة حتى اليوم، يغرق فيها علماء الفيزياء أنفسهم، لكنّنا كأناس يبدأون أيامهم بالتذمر، لا نُعنى قط بهذه الإشكالية. إشكاليتنا هي «شو بيبقى يا حبيبي؟»، وفي كل مرة أقع في ذلك المأزق وأرتد إلى حقيقة أنّي «لن أعبر النهر ذاته مرتين»، ولن يرتجف قلبي لمرأى حاجبيه المعقودين مرتين، وأشعر بالدهشة ذاتها مرتين، وإن كان لديّ أمل كاذب في غدٍ مليء بالمفاجأة تقتله رغبة «إذا هني كبروا ونحنا بقينا زغار»، وأقرر أن أدهش بفكرة العود الأبدي.. لكنّ الحقيقة هي أنّ الزمن بالنسبة لنا هو ما نعرفه وما نعيه في أذهاننا من تتابع الأحداث من حولنا. إنّنا نكبر، ويصبح هذا كافياً لنعرف ونعرّف الزمن، نحب وننفصل، ونُنسى «كأننا لم نكن»، ونسمع الأغاني، ثم نتذكر أول مرة استمعنا إليها، والشعور الذي تركتنا فيه. كل هذا الثراء «الكتابي» والسمعي للرحابنة لا يمكن أن يمر بدون رهبة الزمن، فكرة العطاء المستمر والقبض على لحظات الدهشة والنجاح والتي كانت حياتهما مليئة بها، والاستعارات المكانية في أغانيهما هي إعجاز تماماً كما صوت فيروز.. تلخيص لحيوات ومشاعر ومواقف، يستمع إليها العرب كل صباح كتقليد جمالي يمنح السعادة والهدوء، لكن بالنسبة للموبوئين بالزمن يصبح هذا التقليد رهاباً آخر.
 
يهطل الآن المطر على العلية التي أعيش فيها ولا تخطر ببالي غير «يا ريت الدنيا بتزغر وبتوقف الأيام»، وأتخيل أحدهما يكتبها بينما في ذهنه صورة دافئة عن غرفة شبه مضاءة بـ «بقناديل الياسمين». أغانٍ بدون حنين تغادر «شبابيك التنهيد». عاشقان لديهما «قصص حلوين» فلا يملّان بعضهما ولا يعرفان عمّا عدا محيط الغرفة المنسية، ووقت ساكن في الداخل لا علاقة له بالفيزياء ولا بالفلسفة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات