عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2018

«هايدغر» عربيا *المهدي مستقيم

 القدس العربي-ما زالت مسألة تلقي الفكر الهايدغري في الثقافة العربية محل نقاشٍ مستمر، خاصة بعد مرور المرحلة التي كان يُنظر إلى فيلسوف الكينونة والزمان نظرة سلبية، باعتباره أحد رموز الفكر النازي، والمضاد للنزعة الإنسانية والداعية إلى نهاية الفلسفة، وحصر أطروحاته الأنطولوجية في نطاق ضيق داخل الفلسفة الوجودية المعاصرة في صيغتها الألمانية.

لكن هناك مجموعة من الأسماء بدأت تنظر إلى مارتن هايدغر نظرة جديدة، ومع إعادة النظر في كثير من الآراء والأفكار السلبية انطلاقا من قراءةٍ جديدةٍ لنصوصهِ وإعادة ترجمتها. وقد بدأ في الشرق هذه العملية محمود رجب، وفؤاد كامل، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الغفار مكاوي، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، وبسام حجار، وفؤاد رفقة، ومشير باسيل عون. كما أن الكوكبة المغاربية لعبت وتلعبُ دورا كبيرا في استئناف التفكير في القضايا التي طرحها مارتن هايدغر من منطلق الانفتاح على الكوني، بدون إهمال الخصوصي، نذكر من بين تلك الأسماء على سبيل المثال وليس الحصر: فتحي المسكيني، وعلي الفريوي، ومحمد المزوغي، ومحمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، ومحمد الشيخ، وإسماعيل المصدق، وعبدالهادي مفتاح، وأحمد العلمي، ومحمد الشيكر، ومحمد طواع، ومحمد مزيان.. وقد أثمرت هذا الورش ترجمة سبعة عشر عملا لهايدغر إلى لغة الى العربية. 
نخصص هذا المقال إلى أحد الأقلام التي خاضت في الدروب الهايدغرية وتميزت بالدقة والتفكير الرصين بعيدا عن الخطابات التبجيلية. يتعلق الأمر بالمفكر اللبناني مشير باسيل عون، صاحب كتاب: «هايدغر والفكر العربي» الصادر باللغة الفرنسية عن دار لامارتان الفرنسية، الذي عرف مؤخرا طريقه إلى لغة الضاد عن طريق إيلي أنيس نجم، عن المركز العربي للأبحاث والدراسات .
يبسِط مشير باسيل عون مجموع الفوائد التي يمكن أن تنجر عن انفتاح الفكر العربي على المشروع الهايدغري، انطلاقا من كونه مشروعا قد يتيح لنا إمكانات التفكر في كينونتنا بشكل يضمن حيوية نقدية استثنائية، وذلك بوقوفنا بأنفسنا على إمكانات محتملة تمكننا من بلوغ الاختبار الخاص بثقافتنا العربية، في عمق مسعاها التاريخي الخصوصي. ومن أجل ذلك يتوجب علينا الشروع في أقلَمَة المنهج الفينومينولوجي في الفضاء الثقافي العائد إلى العالم العربي الحالي. كما يؤكد مؤلف الكتاب على ضرورة أن يتخذ هذا الانفتاح شكل المساءلة النقدية المتيقظة بدون الإسراف في المديح والتملق لما خطه فيلسوف الكينونة.
إن الالتزام بالمساءلة الأنطولوجية الهايدغرية وما تتيحه من إمكانات مساءلة الذات على ضوء مسألة الكينونة تعتبر، حسب مشير عون، استمرارا للجهود التي بذلتها النخب الثقافية العربية، سواء تلك التي أخذت لبوسا ماركسيا اشتراكيا، أو التي أخدت لبوسا وجوديا شخصانيا. فالهدف واحد وهو تحرير المجتمع العربي من الظلم الذي ارتكب بحق الوجود التاريخي للبشرِ، بدون الوقوع في المقابل في فخ الأيديولوجيا، وتخليص النفس العربية من الانحرافات والأمراض التي ابتليت بها على نحو مريرٍ بدون الانعزال بالمقابل في الأنا الآسرة، الأنا الجوانية الهانئة.
قبل الشروع في تحليل إمكانات انفتاح الفكر العربي على الفكر الهايدغري واستنطاقه وبيان المزايا التي يمكن أن تنجر عن انفتاح كهذا، آثر مشير باسيل عون الوقوف عند خصائصِ كل فكر على حدة، مع رصد نقاط الانفصال والتلاقي بين الفكرين. ذلك أن دراسة استقبال الفكر العربي للفكر الهايدغري حسبه، تفترض بالضرورة دراسة مقومات الفكرين معا، واستنطاق طبيعة العالم الذي نشأ فيه كل منهما. يختلف العالم الذي ظهر فيه هايدغر عن العالم الذي نشأ فيه الفكر العربي، وهذا يعني أن المشكلات التي واجهها العالم والفكر الغربيان والتي استدعت قيام الفكر الهايدغري، تختلف جوهريا عن المشكلات التي واجهها الفكر والعالم العربيان، والتي تحكم الفكر العربي المعاصر في نشأته وتكونه. فمن جهة الغرب حداثة مفرطة، ومن جهة العرب حداثة معطلة، وفيما تثير الحداثة المفرطة في الغرب ردة فعلٍ تتمثل في الحنين إلى الأصول والعودة إليها، تساهم الفاقة والركود القائمان في العالم العربي في شحذ الإرادات شحذا راديكاليا، ودفعها تجاه التحرر والإصلاح.
إذا كان الفكر الهايدغري ذا طابع أنطولوجي ملغز تتصارع حوله التأويلات، ويحركه حصرا الكشف عن حقيقة الكون والكائن، بموجب الإقبال الخاص بالوجود الأصلي غير الميتافيزيقي، وهو الوجود الذي يمتنع هايدغر عن تسميته، فإن الفكر العربي يفتقر إلى منظومة متجانسة ومتناسقة ذات قاسم مشترك قابل لإدارة مجمل تجليات هذا الفكر لإنجازاته، وذلك راجع لتعدد مصادر الفكر العربي، وتغلغل نزعاته الأيديولوجية، بالإضافة إلى العامل اللاهوتي أو الكلامي، فالقضية الإلهية تسكن الفكر العربي وتخترقه جدلية العقل والنقل، إذ يظل الإسلام في قلب المسألة العربية، إسلاما يطبع المجتمع العربي في العمق بطابعه الخاص، ويشغل كل الأبعاد الروحية والزمنية الملازمة للحياة البشرية الفردية والجماعية. لو تم تجاوز هذا الوضع لظهر الفكر العربي للعيان في شكل صورة متناسقة تُطرح فيها بإحكام متماسك ومنطقي، المشكلات الفعلية التي يواجهها العالم العربي، وأنماط الاستدلال والتحليل التي تلائم بالضبط طبيعة هذه المشكلات الفعلية التي يواجهها العالم العربي، والحلول النظرية والعملية القادرة على تفادي النواقص الخطيرة التي تحول دون تفتح الكائن البشري في مختلف المجتمعات التي تكون النسيج الحي لهذا العالم. رغم التجريد المفهومي الهايدغري المفرط والعصي على الفهم، وما يلحقه من التباسات دلالية راجعة إلى الاختلافات المفهومية والاصطلاحية الموجودة داخل الفكرين، إلا أنه لا يلغي إمكانات الانفتاح والتكيف، في ظل انبجاس مجهود مستمر يسعى إلى التجديد والتكييف ويعيد النظر في:
• فتور استقبال الفكر الهايدغري.
• هزال الترجمات.
•غياب مجموعات عمل تُأقلم الجهاز المفهومي الهايدغري مع المجال التداولي العربي.
تُقابل نقاط الاختلاف والانفصال القائمة بين الفكر العربي والفكر الهايدغري، نقاط التقاءٍ واتصالٍ يمكن أن نجملها في ما يلي:
كلا الفكرين افتتن بالغرب وأثار استنكارهما (انحلال، أفول/نهضة، أصالة)، وعليه يعتزم كل من الفكرين أن يكشف على طريقته الخاصة، عن إشارات الخلاص التي تظهر في الضلال الملازم للذاتية العائدة إلى الأزمنة الحديثة، وهي الذاتية التي اقتلعت من جذورها وأطلق لها العنان. وتوصيف فرص الاستفاقَة التي ترتسم ملامحها في أفق النفور التقني الحديث، وإجراء العلاجات التي تصون الفكر البشري وتعيد احتماءه بهدف تصحيح مساره. يتناول الفكر الهايدغري حركة الفكر الغربي الإجمالية على أنها انبساط شبه محتم للودائع الأولى التي آلت إلينا من الفلاسفة الذين سبقوا سقراط، والتي أملتها عليهم الدينامية الموسومة بسمة اللعب، والخاصة بحقيقة الكون (الكشف والحجب). يرسم كل استذكار للحقب الزمانية العائدة إلى هذا البدء التدشيني شكلا من أشكال تكشف هذه الحقيقة عينها. ومن ثمة فليس بإمكان الفكر البشري أن يتمثل ذاته، إلا بما كان استذكارا يتملك بموجبه الانفراجات التي تتبدى لنظر الإنسان المتبصر. بالموازاة مع ذلك يظهر الفكر العربي مسكونا بهم الاستمرارية، فالعودة إلى الماضي وتملكه هما بالنسبة إلى الفكر العربي مرادفان للوفاء الخلاق والأصالة الخلاصية.
تركز المقاربة الهايدغرية في كشف المكانة العالمية للسان في كل مقاربة تتناول حقيقة الكون. باعتباره يتضمن غنى وطاقة يجعلانه وعاء الكون أو بيئته. فبإمكان الإنسان أن يشعر في لسانه بقربه الملحوظ من حقيقة الكون، لما كان الإنسان يحمل معنى في كيانه الخاص، فإنه يستطيع إذن أن يدرك معاني الأشياء والوجود. وبالموازاة مع ذلك يرى الفكر العربي في لسانه الوديعةَ الرئيسة للعقل والهوية العربييْن. إذ يستند اللسان العربي إلى العبارات والدلالات المدونة في النص القرآني، ويعتبرها المرجع التأويلي لهذا النص. وبالتالي يغدو اللسان العربي عنصرا مكونا للرؤية العربية الدينية والثقافية للعالم. إلى الحد الذي يبجل فيه بعض العرب لسانهم حتى يصبح غاية في ذاتها، فيأتون بأنفسهم إلى العالم الفعلي ويجهدون في إحلال الكلمات محل الأشياء. 
كلا الفكرين يركز على أهمية مفهوم الأمة.
 
٭ كاتب من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات