عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jul-2018

عن الحظيرة والمثقفين

 القدس العربي-إبراهيم عبد المجيد

بعد أن تولى الفنان فاروق حسني وزارة الثقافة المصرية في أواخر الثمانينيات جرى حوار بينه وبين أحد الصحافيين. فيما أذكر كانت الأستاذة ماجدة الجندي تحدثت فيه عن الأمل في أن تحتوي الوزارة كل المثقفين على اختلاف اتجاهاتهم. وجاءت منه كلمة الحظيرة. أحسست أنه قد غاب عنه المعنى الشائع وهو أن الحظيرة تحتوي الحيوانات خاصة أن أي عاقل يقرأ الحوار كان لابد أن يسأل نفسه هل يمكن لوزير جديد أن يصف المثقفين بالحيوانات في أول عهده بالوزارة.
كان واضحا جدا إنه يقصد أنها ستكون مكانا للجميع. لكن جرت الكلمة علي الألسن وصارت مدعاة للتهكم ليس على الكلمة ومن قالها ولكن على كل من يقترب من وزارة الثقافة حتى الآن. ورغم ذلك اقترب الكثيرون جدا من الوزارة . لماذا ؟ عمليا حدث تطور كبير في مؤسساتها فأصدرت هيئة الكتاب مثلا سلاسل جديدة مهمة مثل «كتابات جديدة» ومثل «الألف كتاب الثاني» وتطور المجلس الأعلى للثقافة وشهد حركة كبيرة في المؤتمرات الأدبية التي لا أعرف سبب تأخر انعقادها الآن. صار للمجلس كل عام مؤتمر للرواية ومؤتمر للشعر وجائزة سنوية مصرية مرة وعربية مرة، فضلا عن حركة مطبوعات كبيرة في المجلس. ثم ظهر المركز القومي للترجمة بما قدمه ويقدمه من أعمال مهمة ودخلت هيئة قصورالثقافة عالم النشر بسلاسل كثيرة وظهرت في الأقاليم سلاسل أدبية غير القاهرة وإن كان ظهور السلاسل الأدبية في الثقافة الجماهيرية له قصة ملخصها محاولة منافسة هيئة الكتاب وإرضاء عدد من الكتاب والصحافيين عنادا في هيئة الكتاب. أقول ذلك بلا تفاصيل حيث كنت شاهدا علي الوقائع كلها لكن المهم إنه ظهرت سلاسل انتجت كتبا جيدة ذات أهميتها مع الوقت وتولاها كتاب أو صحافيون. باختصاراتسعت مساحة النشر جدا ومساحة المؤتمرات فصار إلى جوار مؤتمرات المجلس الأعلي للثقافة مؤتمر سنوي لأدباء الأقاليم تم تغيير اسمه إلى مؤتمر أدباء مصر حتى لا تقلل كلمة الأقاليم من شأن الكتاب. وهكذا صارت الحركة الثقافية نشطة جدا. طبعا لابد أن تكون هناك مآخذ لبعض الأدباء على ناتج هذا كله وهذا طبيعي لكن المحصلة أن أنشطة ثقافية كبيرة ومطبوعات كبيرة وجميلة عرفت الطريق إلى القارئ. ناهيك طبعا عن مشروع مكتبة الأسرة الذي كانت سوزان مبارك وراءه وقامت به الوزارة ووصلت بعض المطبوعات إلى عشرة آلاف وعشرين ألف للكتاب وطبعا هذا لم يكن لكل الكتب. طبيعي جدا أن تكون هناك مآخذ على بعض الكتب خاصة التي تخص بعض رؤساء تحرير الصحف. كتابان أو ثلاثة وسط العشرات. ويوما سألت المرحوم الدكتور سمير سرحان عن ذلك وكان جوابه «تابع الجرنال تاني يوم ما ينزل كتاب رئيس التحرير وشوف اهتمامه قد إيه بالمشروع وازاي شتيمته أو بعض صحفييه في الهيئة حتنتهي» طبعا أنا لا أبرر له ذلك لكن هكذا كانت تجري الأمور بالنسبة لهذا العدد القليل من الكتاب. ولقد تكرر اختيار هيئة الكتاب لأصحاب هذه الكتب باعتبار أن كتابهم أحسن كتاب في العام في معرض الكتاب للسبب نفسه أيضا. لكن طبعا كان إلى جوارهم كتاب وكتب مهمة بل ومهمة جدا. مشروع التفرغ الذي كان قديما للكتاب زادت قيمته المالية وتضاعفت مرات. المجلس الأعلى صارت له لجان في القصة والشعر والمسرح والسينما وغيره. ظهرت هيئات أو مراكزجديدة مثل المركز القومي للسينما والمركز القومي للفنون التشكيلية التي أخذت بدورها جانبا مهما من الوزارة. كل هذه الأنشطة وغيرها كثير يديرها المئات من المثقفين وظلت كلمة الحظيرة تتردد سخرية من الوزارة والمثقفين ولا تزال. ولأني عملت في الثقافة الجماهيرية وعملت أيضا رئيسا لتحرير سلسلة كتابات جديدة أول ظهورها واستقلت منها احتجاجا علي مصادرة الوزارة للروايات الثلاث الشهيرة. وكانت هذه السلسلة – أعني كتابات جديدة – تصدر من هيئة الكتاب رأيت ما لا أحب أن أقوله وأختصره في أن كثيرا ممن كانوا يشتمون الوزارة صباحا يتوقفون حين يصيرون أعضاء في لجنة أو بعثة سفر أو نشر كتاب وتقاضي مبالغ أكثر من غيرهم فيه. هناك صحافي كان موظفا في الوزارة كتب كتابا في ذلك وذكر كثيرا من الأسماء لكنه مات بعد عام تقريبا من نشر الكتاب لذلك أتشاءم من الحديث في الأمر. آه وربنا. أنا لا أريد أن أدين أحدا لكن فقط أقف عند التعميم الذي لا أحبه. لم تكن الوزارة حظيرة إنما هو تعبير خان الوزير وليس الكتاب بالحيوانات أبدا. حتى الذين كانوا يشتمون صباجا ويدخلون الوزارة مساء لا أستطيع أن أصفهم بذلك لكن هكذا كثير من الكتاب في الدنيا كلها نظرهم يقف عند مصلحتهم فقط لا غير. وهم عادة أقل عددا. وانتقل إلى المعركة السنوية عن الجوائز المصرية، جوائز الدولة التشجيعية والتفوق والتقديرية وجائزة النيل. هذه حكاية تدور كل عام ويدهشني التعميم في القول بأن من يفوزون بها هم من دخلوا الحظيرة. وخاصة إنه يمكن أن يكون بين الفائزين من لا يستحق. لا أحد ينظر في أسماء الفائزين لكن يتم التعميم بسرعة شديدة جدا. ويمكن لأي شخص أن يأتي بأسماء الفائزين أيام فاروق حسني أو حتى هذه الأيام لكني أخص فاروق حسني لأنه صاحب كلمة الحظيرة التي مشت مع الكتاب. أي شخص يمكن أن يأتي بأسماء الفائزين ويرى نسبة من لا يستحق منهم سيجدها لا تزيد عن شخص كل عام أو عامين. خاصة أن من تفوته الفرصة عاما قد تأتي له في العام التالي بعد أن زاد عدد الجوائز وصار ثلاث جوائز في التفوق وثلاث جوائز في التقديرية . لكن طبعا يظل الكثيرن لم يفوزوا بها خاصة من هم بعيدون عن القاهرة وهؤلاء عادة لا يعلقون علي المسألة ولا يهتمون. أذكرمنهم فنانين مثل فاروق عبد الوهاب وعصمت داوستاشي ومترجم وكاتب كبير جدا في الموسيقى حسام زكريا صاحب الموسوعة الفريدة في الموسيقى العالمية وغيرها. وكثيرا ما كتبت مناديا لهم بالجوائز. كانت طريقة اختيار اللجنة العليا للجوائز في المجلس تجعل عددا كبيرا من اللجنة وأصواته لرؤساء الهيئات الثقافية. انتهت هذه الطريقة أخيرا ولم يعد لرؤساء الهيئات صوت لكن لايزال الاتهام ساريا بالحظيرة ومن يفوز بالجائزة يكون دخلها. والسؤال الذي أسأله لنفسي هل هناك حظيرة حقا تتحمل كل هذه الأعداد من الكتاب والمثقفين؟ والله تنفجر. على المقهى نكون أحيانا عشرة أفراد لا نتحمل بعضنا فما بالك بالمئات. تعبير خان الوزير لغويا صار علامة ووزير خرج من الوزارة منذ سبع سنوات ولايزال الحديث عن الحظيرة. والمدهش أن اللجان في المجلس تعمل والسلاسل الأدبية تصدر والندوات تستمر والمهرجانات. 
أقول قولي هذا أنا الذي لم أستمر في أي منصب ودائما كنت أستقيل بعد سنوات قليلة ومنذ ثورة يناير/كانون الثاني أعلنت أني خارج نشاط أي لجنة دائمة أو سلسلة في الوزراة فهناك أجيال أخرى أولى بها ولا أقول أولى بالحظيرة أبدا.
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات