عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Sep-2017

«شكل الماء» للمكسيكي غييرمو دل تورو: قصة حب تأسر القلب

 «القدس العربي» نسرين سيد أحمد: في فيلمه «شكل الماء»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا في دورته الرابعة والسبعين، يقدم المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو قصة حب ساحرة رهيفة تحلق بنا في عالم من الخيال المبهر الذي أنجزه مخرج في أوج تمكنه من صنعته. إنه فيلم يصطحبنا في رحلة إلى عالم من الحسية والعشق، يدور حول ذلك الحب الذي جمع بين قلب حسناء رقيقة خرساء وذلك المخلوق السحري القادم من أعماق الماء. يخلق دل تورو عالما نحلق فيه بأجنحة العشق ونرقص على أنغام الموسيقى، ونشغف حبا بذلك المخلوق المخيف شكلا، الحنون قلبا وإلسا، تلك الفتاة الصامتة صوتا التي تجيش بالعاطفة قلبا.

أنجز دل تورو فيلما ثريا بصريا وأسلوبا وموضوعا يصعب اختزاله في كلمات قليلة، ولكن لعلّ إحدى القضايا التي يناقشها هي الاحتفاء بالاختلاف والبحث عن حقيقة البشر. ذلك المخلوق المائي المجلوب إلى أمريكا قسرا وعنوة من أقاصي الأمازون، يبدو كوحش ضخم مخيف، ولكنه في الواقع ذو قلب طيب ويسعى إلى الحب والصداقة. إن كانت أمريكا الستينيات ترى أن الشخص العادي الطبيعي هو الأبيض الأمريكي غير المثلي، فإن الفيلم يفند هذا الزعم بتقديم شخصيات سوداء ومثلية وروسية، هم أكثر إنسانية وحبا ورحمة عن غيرهم، ذلك الأبيض المتجهم العنيف الكاره للكثيرين.
نبدأ رحلتنا في الفيلم مع صوت الراوي (ريتشارد جينكينز) الذي يحدثنا عن قصة حب بين أميرة بلا صوت ووحش، وشر محدق يتهدد الحبيبين. يأتينا صوته بينما نشاهد منزلا سحريا غمرته المياه فغدا كبلورة سحرية من زمن قديم. ثم على أنغام موسيقى الفيلم الحالمة، التي وضعها ألكسندر ديسبلا، ننفذ إلى عالم الفيلم وإلى قلب الأسطورة السحرية التي تدور على أرض الواقع، ذلك البيت السحري هو شقة متواضعة تعود إلى بدايات الستينيات من القرن العشرين في مدينة بالتيمور الأمريكية. تقطن الشقة إلسا (سالي هوكينز في أداء متميز ودور يسحق القلب) الفتاة اليتيمة الحالمة دوما، التي ولدت بلا صوت ولكنها تسمع جيدا. تكسب إلسا قوت يومها بالعمل في التنظيف في مؤسسة أمريكية ذات طابع علمي عسكري تهدف إلى التغلب على روسيا عسكريا وعلميا. عالم إلسا بسيط صغير، فلديها روتينها اليومي الذي تسعد به على بساطته، وهي تعتني بجارها الرسام المسن، ذلك الذي يعيش بمفرده ويتعرض للكثير من التعسف لميله الجنسي المثلي الذي يخفيه. الشخص الآخر في حياة إلسا هو صديقتها السوداء زيلدا (أوكتافيا سبنسر)، زميلتها في العمل. يتوق قلب إلسا للحب، فنحن نرى نظراتها الشغوفة لمشاهد الحب في الأفلام التي تشاهدها مع جارها المسن.
يشهد عالم إلسا الصغير تغييرا كبيرا ونشوة سحرية غامرة عندما يدخله ذلك الوحش المائي المخيف. يجلبه علماء إلى المنشأة السرية، حيث تعمل إلسا، مكبلا بالأغلال، آملين أن يمنح فهم قدراته الجسدية الفائقة أمريكا التفوق في مجال غزو الفضاء على روسيا. يجمع دل تورو في الفيلم عناصر من أفلام الجاسوسية وعناصر من أفلام الخيال العلمي مع عناصر من أفلام الفانتازيا الأفلام الرومانسية ليخلق عالما فريدا فيه من السحر والخيال الكثير.
عندما تشاهد إلسا ذلك المخلوق الذي قيل لها إنه سر الأسرار وأهم «مقتنيات» المؤسسة السرية حيث تعمل، لا ترى فيه الوحش المخيف بل قلبا طيبا وجسدا حبيسا يرنو إلى الحرية. تراه غريبا بلا صاحب، انتزع من عالمه ليسام التعذيب والأسر، فيرنو قلبها إليه. هي بلا صوت ولكن لها قلب يشغف ويعشق ويحب، وهو بصوت لا يفهم مغزاه غيرها. يبدأ الحب بينهما رويدا رويدا، وتداوي بحبها جراح انتزاعه من بيئته وجراح التعذيب التي يلقاها من مسؤولي المؤسسة، بينما يمد هو قلبها بالدفء والحنان اللذين تحتاجهما.
لعلّ قدرا كبيرا من إيماننا بقصة الحب ينبعث من الأداء المرهف لسالي هوكينز التي تنطق كل لفتة من لفتاتها وكل نظرة وكل اختلاجة وجه بفيض من العذوبة والرومانسية والحسية، ولكنها أيضا تبدي من الغضب والعزم الكثير في مواجهة الطغيان والظلم. تعم أجواء من الحسية والاحتفاء بالجسد الفيلم، منذ اللحظات الأولى للفيلم التي نشهد فيها استعداد إلسا لحمامها الصباحي قبل الذهاب إلى العمل، وصولا إلى تواصلها الجسدي مع المخلوق المائي. لا يخشى دل تورو من الجسد ولا من تصوير علاقة جنسية بين امرأة وكائن غير بشري، حيث يحتفي الفيلم بتلك العواطف التي تقرب بين الكائنات جميعا ومن بينها التواصل الجسدي، الذي يعد أحد أكثر السبل تعبيرا عن الحب.
يخلق الفيلم أيضا أجواء مفعمة بالشعر والشاعرية والعذوبة. يكفينا أن نذكر مشهدا واحدا تستند فيه إلسا إلى زجاج نافذة حافلة بينما يتساقط المطر على الجانب الخارجي للزجاج. تنبعث موسيقى ديسبلا بينما تركز الكاميرا على قطرتي مطر تتمايلان في خفة وتناغم معا ثم تلتحمان لتصبحا قطرة واحدة. إنه العشق مصورا في قطرتي مطر. تعم هذه الشاعرية الفيلم بأسره من اختيار الألوان، من الأخضر الزمردي إلى الأزرق الفيروزي إلى الأحمر القاني. ألوان وأجواء يخلقها دل تورو في تمكن تام لينسج عالما من الحلم والعشق.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات