عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-May-2017

شهرزاد الجديدة: تطفئ النار لتستضيء

القدس العربي-منصف الوهايبي
 
■ نتحدّث، كلّما تعلّق الأمر بأدب المرأة العربيّة الكاتبة، وتحديدا كتابتها الشعريّة الغراميّة، عن أنّها كتابة مدارها على ذات هي المركز والمحور، لا تني عن ارتداء رداء اللّغة أو قناعها، أو النّظر إلى الذات والآخر بعين اللّغة. ومن الصّعوبة بمكان، أن نردّ هذه الكتابة إلى الواقع عند كلّ كاتباتنا، فنحن مجتمعات غير متجانسة؛ وبعض مدننا مثل بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق… اضطلعت حتى السبعينيات من القرن الماضي بدور ريادي في مسار الحداثة الأدبيّة، قبل أن تخليه لمدن الأطراف مثل عمّان أو بلاد المغرب العربي أو بلدان الخليج.
والحداثة إنّما نشأت استجابة لروح المدينة وردّا عليها في الآن ذاته أو هي، خاصّة في مجتمعات مثل مجتمعاتنا، إقرار بقوانين المدينة أو سلطتها، ومحاولة خرقها أو تقويضها في مسعى لخلق «حالة الحريّة» المنفلتة من كلّ قانون. على أنّ بعض مدننا اليوم، تكاد في الظاهر لا تختلف عن المدن الغربيّة المحكومة بنظام خفي يكاد يكون أسطوريّا، فهي مدن المؤسّسات الوحدانيّة الكبرى التي تنتزع قدرة الفرد حتى في أمور تلوح بسيطة، فساكن المدينة كما كتب حنّا عبّود، مرتبط بإرادة الآخرين، وبمقدور شركة الكهرباء مثلا، أو شركة المياه أن تتركه من دون إنارة، أو أن تقطع عنه الماء، وما إلى ذلك من أمور وأمثلة أخرى سياسيّة وحضاريّة واقتصاديّة أعمق وأدلّ، تتظافر كلّها لا في تأكيد حالة الاستلاب وفقدان القدرة أو الاغتراب وحسب؛ وإنّما في ظهور هذه الكتابة «النسويّة الغراميّة»، التي تمثل فيها الذات كيانا بسيكولوجيّا محوريّا، بما ينافي الحداثة، كما عاشها ويعيشها الغرب، حيث من أظهر سماتها التعدّديّة والتجاوز، والتجريب ورفض الوحدانيّة، بل الدعوة إلى رفض كلّ الأنظمة. والحداثة بهذا المعنى، صورة من المنزع «الديونيزوسي» النيتشوي منزع العشوائيّة والمصادفة والغرائبيّة والشهوانيّة الجامحة المنفلتة، وليس «الأبولوني» الذي لا يقدّم لنا إلاّ عزاء باردا، وهو اللائذ برقابة العقل والمنطق، وسلطة الضبط والتناسب والقياس. وقد يتعجّل القارئ، ويستنتج ممّا تقدّم، أنْ لا أيديولوجيا للحداثة الأدبيّة، أو أنّها في عمومها فوضويّة نهلستيّة [عدميّة]؛ وليس الأمر بهذه البساطة، فأشهر أعلام الحداثة انتموا في مرحلة ما، إلى أيديولوجيا ما، وقد كان تزارا «ستالينيّا»، وبروتون «تروتسكيّا» وإليوت «كاثوليكيّا»، وإلوار وأراغون «ماركسيّين شيوعيّين»، وقبلهم انضمّ رامبو إلى كومونة باريس، وبودلير إلى ثورة 1948. وكانت حجّة بروتون أنّ السرياليّة ـ وأثرها في آدابنا العربيّة الحديثة لا يخفى ـ تعضد كلّ عمل ثوريّ، حتى لو كان أساسه النضال الطبقي؛ شريطة أن يذهب بعيدا، ولا يقف مدفوعا مصدودا عند حدّ أو غاية.
فالحداثة حتى وهي تنضوي إلى أيديولوجيا وحدانيّة، فعل تجاوز وتجريب دائبيْن أو لنقل هي «طرائقيّة». وهنا قد لا نملك سوى أن نشاطر الماركسيّين رأيهم في أنّ أيّ طريقة تنطوي على أيديولوجيّتها. والحداثة الأدبيّة، حتى وهي استثناء وقطيعة وخرق، لا تُستثنى من هذه القاعدة.
على أنّ الكتابة الشعريّة الغراميّة «النسويّة» عندنا إنّما يتحوّل فيها الشعر إلى خطاب في الشعر ينفلت أو يكاد من كلّ شرط تاريخي؛ وكأنّ الحريّة ليست أكثر من فعل لغوي أو أنّنا نتحرّر باللغة وفي اللغة؛ ونغفل عن أنّ اللغة ذات طابع «فاشستي»، أو هي كما يقول بارت تصنيف، وكلّ تصنيف إنّما هو ضرب من ضروب القمع. والحقّ لابدّ من تنسيب هذا الحكم، ومدار الشعر «النسوي» الذي نحن بصدده، على خبرة الحبّ، وهي خبرة تظلّ في أصلها خبرة فرديّة؛ فمثلما يبدع أيّ منّا وحده، ويموت وحده، فأنّه يحبّ وحده. فلعلّ هذه»الذاتيّة» بأنساقها الإطلاقيّة، راجعة في جانب منها، إلى مقتضيات الخطاب الفنّيّ الذي يتمثّلها، أي إلى قواعد لعبة الكتابة الغراميّة. وقد لا يتعلّق الأمر في هذا السياق بالمعيش الغراميّ الخبريّ لدى المرأة، وإنّما بجماليّة الحبّ؛ ونحن لا نسائل صاحبة النصّ، فبيننا وبينها حجب كثيفة، خاصّة في مجتمعاتنا المحافظة؛ وإنّما النص الماثل للعيان. وهو نصّ يضعنا إزاء رؤية من رؤى العالم؛ لعلّها «دينيّة» في جانب منها، وقد تكون «اجتماعيّة» أو «نفسيّة» في جانب آخر، وقد تكون «شعريّة» في جانبها الأغنى. وكلّ نصّ من هذه النصوص؛ لا يمكن أن يؤخذ من حيث هو وثيقة أو تاريخ حياة وعصر وجيل، أو حتى تاريخ حالة أو اعتراف. إنّما هو شكل فنّي ينضوي إلى القول الشعري بالمعنى الواسع للكلمة، دون أن يسوق ذلك إلى القول إنّ صلته بالحياة منقطعة أو تكاد، أو هي مفصولة عن المجتمع أو الإيديولوجيا. وهذا أدب، والأدب يظلّ ـ مهما يكن الموقف منه ـ تخيّرا نوعيّا من الحياة، على قدر ما يظلّ عملا تخييليّا. وهذه مدوّنة تنشئ عالما وقد لا تعالج قضيّة. ومن هذا المنظور، نقرّر أنّ «التذاوت» في هذا الأدب؛ ليس تداخلا بالمطابقة، إذ ليس ثمّة مشابهة أو مماثلة، وإنّما مجاورة أو إرداف.
وهي نصوص تتمثّل تجارب غراميّة يحلّق بها خيال مجنّح سعيا إلى الظّفر بحقيقة الحبّ، إن كان حالة للقلب أو اقتضاء للعقل. وإذا كانت مقايسة كاتباتنا بمثيلاتهنّ في هذا المضمار ليست في الحسبان هاهنا؛ فإنّ ذلك لا يمنع من القول إنّ العرب قد عنوا بالحبّ في تراثهم، عناية فائقة تعكسه أغراض الشّعر العربيّ، من نسيب وغزل، وتعكسه شعبيّةُ كثير من قصص الحبّ يتوارثون روايتها بالاستزادة والاستنقاص، في خطابهم الشّفويّ كما في خطابهم المكتوب.
ولعلّ هذا ما يستدعي الوقوف على هذه العلاقة الطّريفة بين التراث وهذا الشعر «النسوي» المتناسل منه، فضلا عن العلاقة بين الحبّ والشّعر، حيث العود إلى النصّ الشّعريّ للاستدلال به على هذا المعنى أو ذاك المغزى، يكفّ عن مطلب الاستدلال ويستغرق مرّة أخرى في لذّة النصّ الشّعريّ نفسه. ونصوص الحبّ عند كاتباتنا «الشاعرات» ليست فقط مجرّد سرد لوقائع غراميّة أو مجرّد عرض لأخبار المحبّين وما يلاقونه من عذاب في سبيل حبّهم، أو ما يتجشّمونه من عناء ليظفروا بلقاء المحبوب، أو ما يتدبّرونه من حيل ليختلسوا النّظر إليه؛ وإنّما تستحيل في مناسبات عديدة إلى خطاب في الشعر نفسه كما أسلفنا؛ حيث ينطوي نظام اللغة القديم على نفسه، وتكفّ اللغة أو تكاد عن الارتباط بالعالم، في تحابك أنطولوجي، بل تفقد وظيفتها الأبستيمولوجيّة، وطريقتها في تمثّل التمثّلات نفسها. وهذا ما يدفع إلى إمكان تأويل هذه المدوّنة الغراميّة على أنّها ضرب من ضروب جماليّة التّلقّي، تتولاّها في هذه المرّة المرأة العربيّة. وإذا انتبهنا إلى أنّ الشّعر من جهة كونه فنّا ينشد الجمال انتبهنا إلى مشاركته الحبّ في الغاية نفسها، من جهة أنّ الحبّ رغبة في الجميل؛ وهذا ما يسوّغ البحث في إنشائيّة الفنّ وجماليّة الجسد عند كاتباتنا.
هو جسد استعارة قد لا يكون في نماذج من هذه المدوّنة أكثر من «لعبة شعريّة « تضع المرأة «شهرزاد الجديدة» قواعدها المحدّدة التي لا ينبغي الحياد عنها، فإذا حيد عنها أو استبدلت قواعدها بقواعد أخرى، كان القارئ بازاء حكمين: إماّ أن يعتبرها «لامألوفة» أو أنّ صاحبتها خارجة على النّموذج عابثة بأصوله. وإماّ أن يعتبرها محدثة ويعتبر صاحبتها مجدّدة للأصول. ذلك أنّ اللّعب بما هو لعب، يقتضي مشاركة المتلقّي، وتواصله عنصر لا غنى عنه. ويفترض فيه أن يضع نفسه في الصّميم من هذا»اللّعب» حتّى يتسنّى لـه أن يقف على لعبة المرأة الكاتبة، ويدرك الطّريقة التي تلعب بها. وفي هذا السّياق يتواشج «اللّعب» و»الرّمز» ومن الصّعوبة بمكان أن نفصل بينهما في هذه المدوّنة.
من أهمّ هذه القواعد قواعد اللّعب قديما أنّ الرّجل هو الذي ينسب بالمرأة ويتغزّل بها، أو هو الذي يبادر بإعلان حبّه، وينبغي على المرأة أن لا تشبّب بالرّجل؛ فالعادة عند العرب أنّ الرّجل هو «المتغزّل المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطّالبة و الرّاغبة المخاطبة، وهنا دليل كرم النّحيزة [الطبيعة] عند العرب وغيرتها على الحرم»، كما ينقل ابن رشيق عن استاذه النهشلي.
على أنّنا اليوم نلاحظ دون عنت كيف تجدّد المرأة الكاتبة نصّ الحبّ، وكأنّها تذكي تلك الحكايات والقصائد القديمة، حيث تشبـّب المرأة بالرّجل أو تتغزّل به، أو تفصح عن رغائبها، وإن كانت من النّدرة، بحيث لا يعتدّ بها ولا يحتجّ في نفي القاعدة السّائدة، والمرأة في أكثر هذه النصوص القديمة موضوع وليست ذاتا. وعلى هذه القاعدة كانت تتحدّد صورتها وتقاس مهارة الشاعر الفنيّة ووفاؤه للنّموذج، على نحو ما كانت تقاس مهارة القصّاص في مدوّنة الحبّ.
كانت امرأة الماضي تتعلّم كيف تشعل النار لتستضيء، فيما امرأتنا اليوم تتعلّم كيف تطفئ النار لتستضيء.
 
٭ كاتب تونسي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات