عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jun-2018

«آخر شرائط كراب» لبيكيت: أي مصير لتلك الكينونة المتأرجحة ؟ *ابراهيم العريس

 الحياة-في الخامس من كانون الثاني (يناير) 1953 كان صمويل بيكيت أحدث ثورة في عالم المسرح، مع العرض الأول في مسرح «بابيلون» الباريسي لمسرحيته التي ستصبح فائقة الشهرة وتأسيسية لاحقاً، «في انتظار غودو». فمنذ ذلك العرض لم يعد المسرح في العالم كما كان سابقاً، بل أن جزءاً أساسياً من حياة الفن والكتابة تبدل. وخلال فترة قصيرة من الزمن صار اسم بيكيت (ومعه غودو) على كل شفة ولسان وراحت التفسيرات تتوالى توالي نصوص راحت تقدَّم منتمية إلى نوع جديد من المسرح أطلق عليه اسم «مسرح العبث» أو مسرح «اللامعقول». وطبعاً، وكما يحدث في كل مرة ينشأ فيها فن جديد، أو تجديد في فن ما، راح السجال، بل الصراع أحياناً، يقوم من حول تلك المسرحية، ولكن كذلك من حول أسماء كتّاب آخرين، أبرزهم آرثر آداموف (الروسي الأصل) ويوجين يونسكو (الروماني الأصل)، كتبوا في اتجاه بدا هو نفسه، وإن كانت كتابة آداموف بدت أكثر سياسية، وكتابة يونسكو أكثر عبثية وتهكماً، ثم أكثر اشتغالاً على اللغة.

 
 
> واللافت أن هؤلاء الكتّاب الثلاثة، الذين أتوا من آفاق جغرافية ولغوية وثقافية مختلفة، كتبوا بالفرنسية وانطلقوا معاً من باريس. نالوا جميعاً شهرة كبيرة كما نعرف، لكن بيكيت ظل حتى النهاية، أشهرهم وكذلك أكثرهم غموضاً وعمقاً. وأقربهم إلى سمة ميّزت بعض ذلك المسرح: الصمت. إذ نعرف أن مفهوم الصمت لدى بيكيت ظل مسألة تدرس وتحلل، وتعتبر مؤشّراً على وجودية هذا المسرح وكذلك ارتباطه بفقدان التواصل بين البشر. ونعرف طبعاً كذلك أن شهرة أي واحد من الثلاثة لم تتوقف مع عمله الأول... وهي أي الشهرة، رافقت، على الأقل، مسار صمويل بيكيت الكتابي حتى رحيله. ومن هنا صارت مسرحياته التي راح يكتبها ببطء، إنما بثقة، علامات في تاريخ المسرح الحديث. ولئن ظلت «في انتظار غودو» عمل بيكيت الأشهر والأكثر شعبية، فإن أعماله التالية كان لها مجدها وسجالاتها ومعجبوها وخصومها. ومن بين هذه الأعمال، مسرحية «آخر شرائط كراب» التي كتبها بيكيت بالإنكليزية ثم ترجمها إلى الفرنسية بنفسه، كما كان دأبه بالنسبة إلى بعض أعماله، فيما نعرف أن هذا الكاتب الإيرلندي، الذي اختار، باكراً، فرنسا وطناً له، كان كذلك يكتب أعمالاً أخرى بالفرنسية ثم يترجمها إلى الإنكليزية بنفسه أيضاً.
 
> إذاً، كانت مسرحية «آخر شرائط كراب» واحدة من المسرحيات القليلة التي كتبها بيكيت بلغته الأم. وهو أنجز كتابتها سنة 1958، لتقدّم في العام نفسه في عرض أول في لندن، ويعاد تقديمها، في الفرنسية، في باريس في العام التالي. ولعل من المفيد هنا أن نذكر انه على عكس ما هو شائع، لم تكن باريس المكان الذي قدم فيه بيكيت، أولاً، معظم مسرحياته، بل لندن كانت ذلك المكان... على الضد من «في انتظار غودو».
 
> مسرحية «آخر شرائط كراب» هي مسرحية متوسطة الطول تتألف من فصل واحد. وهي عبارة عن جلسة «حوار» متواصل بين رجل تحوّل حيواناً من جهة، وآلة من جهة أخرى. ولا بأس أن نشير منذ البداية هنا إلى أن الحوار حوار مرعب صارخ، مملوء بالألم... وذلك لأن بيكيت اختار أن يعبّر هنا، عن الغياب التام لأي وجود حي، إلى درجة أن الذين كانوا رأوا اليأس والسوداوية الصارخين يطغيان على ثالث مسرحيات بيكيت «نهاية اللعبة» سيقولون ما أن ينتهي العرض الأول للمسرحية الجديدة، إن «نهاية اللعبة» تبدو متفائلة مقارنة بـ «آخر شرائط كراب». بطل هذه المسرحية، وشخصيتها الوحيدة هو السيد كراب الذي نفهم منذ البداية أنه يعاني من قصر النظر. إنه الآن جالس وسط هالة من الضوء تركّز عليه، فيما يحيط بالمكان كله ظلام أو هذا ما يحسّه كراب على الأقل ويبدو له مريحاً. أما كل ما يفعله- وهو في جلسته تلك- فإنما هو الاستماع إلى شريط مسجل، كان سجّله قبل ثلاثين سنة. أي حين كان، كما سنفهم بسرعة، في التاسعة والثلاثين من عمره.
 
> إن كراب الآن في التاسعة والستين. وإذا كان الاستماع إلى الشريط يرعبنا كما يرعب كراب، فإن التناقض لا ينبع من تلك المقارنة التي تبدو حتمية هنا، بين كراب العجوز، وبين الآخر: كراب الشاب الذي كان سجّل هذا الشريط قبل ثلاثة عقود. وذلك، في كل بساطة، لأن ليس ثمة في الحقيقة أي فارق في المزاج والرؤية بين الاثنين. ومعنى هذا أن لا شيء حدث ولا تبدّل طرأ على كراب منذ سجّل الشريط. وها هنا يكمن الرعب. إذاً، فإن المأساة الكبرى التي أراد بيكيت أن يعبّر عنها هنا، لا تكمن في أننا نحن الآن ما صرنا عليه تحت وطأة مرور الزمن، بل تكمن في أننا كنا ولا نزال، ونحن الآن، نحن أنفسنا من دون أن يطاولنا أدنى تبديل. ليس السوء في ما أصبحناه... السوء في ما كناه ونبقى عليه دائماً. إن هذا الحيوان البشري، كراب، يفعل دائماً ومنذ البداية، الشيء نفسه. إنه يشرب الكحول ويقتات بالموز، الذي ها هو الآن، وفي كل لحظة، يرمي قشوره على الجمهور. إضافة إلى أنه، كما يروي لنا، يمضي لياليه دائماً مع بنات الهوى. إذاً، في حياة كراب، ومنذ ذلك الزمن البعيد، لم يتبدل شيء، اللهم إلا الأمل والعقل الواعي اللذين غابا عنه تماماً ناهيك بتوقه إلى كل ما ليس جسدياً. لم يعد يرغب في أي شيء من هذا. والأدهى من هذا كله أنه بات عليه اليوم، وخصوصاً وهو يصغي إلى الشريط الذي سجل بصوته، أن يلجأ إلى القاموس كي يبحث فيه عن معاني الكلمات، الكلمات نفسها التي كان يستخدمها في الماضي. الكلمات التي كان يحسن استخدامها وفهمها وها هي تملأ الشريط. وفي المقابل سنلاحظ بسرعة أيضاً أن ما ازداد لديه الآن، إنما هو انهياره الجسدي. فنظره اليوم صار ضعيفاً، وسمعه ينهار. وها هو يسعل في شكل متواصل... وإنْ مشى فإنه بالكاد قادر على إكمال خطوات قليلة قبل أن ينهار. في هذا المجال صار كراب شيئاً آخر مختلفاً عما كانه في الماضي. وهو واع تماماً بهذا كله. ولكن هل حقاً ليس ثمة ما يلذه الآن؟ بلى... هناك على الأفل كلمة بكرة (في النص الفرنسي الذي هو الأكثر شيوعاً الآن)، والتي يقولها بين الحين والآخر متلذذاً، لا سيما حين يمط الحروف فيها، ويسهب لنا، نحن المشاهدين، في شرح مبلغ اللذة التي تثيرها هذه الكلمة لديه... والحال أن هذا ما يشكل جوهر هذه المسرحية، وجوهر «الحوار» الذي يقيمه كراب فيها قبل أن تصل إلى خاتمتها حيث يبقى جالساً في مكانه، جامداً، ينظر بعينيه في ثبات إلى الفراغ الهائل المحيط به، في الوقت الذي تواصل بكْرة الشريط الدوران إلى ما لا نهاية، ولكن في صمت هذه المرة، بعد أن انتهى الكلام الذي سجله كراب الشاب. انتهى الكلام، لان هذا الـ «كراب» الأخير، لم يعد لديه، كما هو واضح، أي شيء يقوله. ولكن هل كان لديه حق في ما يقوله حين كان يتكلم؟ بالكاد كانت لديه رسالة ما. وهذا يعني أن صمته وكلامه كانا وجهين لميدالية واحدة.
 
> عندما كتب صمويل بيكيت هذه المسرحية كان تجاوز الخمسين من عمره. فهو الذي ولد سنة 1906، كان على أي حال ظهر في عالم الكتابة المسرحية متأخراً، إذ كان في السابعة والأربعين حين انطلق معه مسرح العبث (أو اللامعقول) كالعاصفة في فضاء المسرح والفكر الأوروبيين، طارحاً على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعالم الحرب الباردة والخطر النووي والأسئلة الصعبة، قلقاً بشرياً لم يكن للعالم من عهد به من قبل. ولعل اللافت حقاً، في مسيرة صمويل بيكيت الكتابية، أنها سرعان ما تبين مدى شبهها العميق بحياة هذا الكاتب، من ناحية طغيان الصمت والألم على حياته ووجوده، الذي ظل باريسياً حتى النهاية (رحل صمويل بيكيت عن عالمنا سنة 1989)، كما طغى على مسرحياته وعلى رواياته وقصصه، وكذلك على الفيلم السينمائي الوحيد الذي حققه وأعطاه عنواناً مختصراً هو «فيلم»!. ومن أشهر أعمال بيكيت، إلى ما ذكرنا، «يا للأيام السعيدة» و «مسرحية» و «ذهاباً وإياباً» و «كل ما يسقط» و «فصل من دون كلام».
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات