عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Jun-2018

يوم العار

 الغد-أوري أفنيري – (كاونتربنتش) 21/5/2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
هناك كانوا، هذه العصبة من النكرات المختالين المعجبين بأنفسهم، إسرائيليين، وأميركيين، وأولئك الذين بَين بَين، يقيمون مهرجانهم الصغير بينما تتدفق أنهاء الدم في غزة. ثمة بَشرٌ كانوا يُقتلون بالعشرات، ويصابون بالآلاف. وقد بدأ الاحتفال كاجتماع قاتم، سرعان ما أصبح بشعاً، وانتهي بكونه شريراً. نيرون يعبث بينما روما تحترق. وعندما تم تبادل آخر عناق  وقيلت آخر عبارات المجاملة (خاصة لإيفانكا الجميلة)، كانت غزة ما كانته دائماً -مركز اعتقال هائل بمستشفيات شديدة الاكتظاظ، مفتقرة إلى الأدوية والمواد الغذائية، والمياه الصالحة للشرب والكهرباء.
*   *   *
في يوم الاثنين الدامي، 14 أيار (مايو)، عندما كان عدد الفلسطينيين الذين يُقتلون ويُجرحون في تصاعد كل ساعة، سألتُ نفسي: ماذا كنتُ لأفعل لو أنني فتى بعمر 15 في قطاع غزة؟
وكان جوابي، وبلا تردد: كنتُ سأقف عند السياج الحدودي وأتظاهر، وأغامر بحياتي وأطرافي في كل دقيقة.
لماذا أنا متأكد جداً؟
بسيطة: لقد فعلت الشيء نفسه عندما كان عمري 15 عاماً.
كنتُ عضواً في المنظمة العسكرية الوطنية (الإرغون)، وهي مجموعة مسلحة سرية صُنفت كمنظمة "إرهابية".
كانت فلسطين في ذلك الوقت تحت الاحتلال البريطاني (أو ما يدعى "الانتداب"). وفي أيار (مايو) 1939، أصدر البريطانيون قانوناً يقيد حق اليهود في حيازة الأرض. وتلقيت أمراً بأن أتواجد في وقت معين في بقعة معينة بالقرب من شاطئ البحر في تل أبيب لكي أشارك في مظاهرة. وكان علي أن أنتظر هناك إشارة بالبوق.
انطلق صوت البوق وشرعنا في المسيرة في شارع ألينبي الذي كان الشارع الرئيسي في المدينة في ذلك الوقت. وقرب الكنيس الرئيسي، صعد أحدهم الأدراج وألقى خطبة نارية. ثم واصلنا المسير، حتى نهاية الشارع، حيث تقع مكاتب الإدارة البريطانية. وهناك غنينا النشيد الوطني، "هاتيكفاه"، في حين أشعل بعض الراشدين النار في المقر.
فجأة، وصلت مجموعة من الشاحنات العسكرية التي تحمل جنوداً بريطانياً وزعقت عجلاتها بينما تتوقف على عجل، وتردد في الفضاء صوت زخة من الرصاص. أطلق البريطانيون النار فوق رؤوسنا، ونحن درنا على الأعقاب وركضنا هاربين.
بينما أتذكر هذه الحادثة بعد 79 عاماً، خطر لي أن فتيان غزة هم أبطال أعظم مما كنا نحن في ذلك الحين. لم يهربوا، وإنما وقفوا وثبوا في أماكنهم لساعات، في حين ارتفعت حصيلة القتلى إلى 61، ووصل عدد الذي أصيبوا بالذخيرة الحية إلى نحو 1500، بالإضافة إلى 1000 آخرين ممن تأثروا بالغاز.
في ذلك اليوم، قسمت محطات التلفزة في إسرائيل وفي الخارج شاشاتها إلى قسمين. واحد على اليمين، يعرض الأحداث في غزة، وآخر على اليسار، يعرض افتتاح السفارة الأميركية في القدس.
في السنة 136 للحرب الصهيونية-الفلسطينية، جسَّدت تلك الشاشة المقسومة صورة للواقع: الاحتفال في القدس؛ وحمام الدم في غزة. ولم يحدث ذلك على كوكبين مختلفين؛ ليس في قارتين مختلفتين، وإنما كانت تفصلهما بالكاد مسيرة ساعة واحدة بالسيارة.
بدأ الاحتفال في القدس كحدث سخيف. حفنة من الرجال الذين يرتدون البدلات، المنتفخون بإحساس زائف بالأهمية الذاتية، يحتفلون -بماذا، بالضبط؟ بالنقل الرمزي لمكتب من مدينة إلى أخرى.
القدس مفصل رئيسي في النزاع. والكل يعرف أنه لن يكون هناك سلام، لا الآن، ولا في أي وقت آخر، ما لم يتم التوصل إلى تسوية هناك. وبالنسبة لكل فلسطيني، لكل عربي، وكل مسلم في العالم، ليس التخلي عن القدس وارداً ولا يمكن حتى تصوره. إنه هناك، وفقاً للتراث الإسلامي، حيث صعد النبي محمد إلى السماء، بعد أن ربط حصانه بالصخرة التي هي الآن مركز الأماكن المقدسة. وبعد مكة والمدينة، تشكل القدس ثالث أقدس مكان للإسلام.
وبالنسبة لليهود، بطبيعة الحال، تعني القدس المكان حيث كان هناك، قبل نحو 2000 عام، معبد بناه الملك هيرودس، وهو حاكِم نصف يهودي قاسٍ. وما تزال بقية من جدار خارجي للمعبد تقف هناك وتعامل بالتبجيل باعتبارها "الجدار الغربي". وكانت تسمى "حائط المبكى"، وهي أقدس مكان بالنسبة لليهود.
حاول رجال السياسة تربيع الدائرة والعثور على حل. واقترحت لجنة الأمم المتحدة للعام 1947، التي قضت بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية -وهو حل أقرته القيادة اليهودية بحماس- فصل القدس عن كلتا الدولتين وجعلها وحدة منفصلة في داخل ما كان يفترض أن يكون في الحقيقة نوعاً من الكونفدرالية.
أسفرت حرب العام 1948 عن مدينة مقسمة، الجزء الشرقي تحت سيطرة العرب (المملكة الأردنية) والقسم الغربي أصبح عاصمة إسرائيل. (كان دوري المتواضع هو القتال في المعركة من أجل السيطرة على الطريق).
لم يحبّ أحد تقسيم المدينة. لذلك ابتكرت أنا وأصدقائي حلاً ثالثاً، والذي أصبح الآن موضع إجماع عالميا: إبقاء المدينة موحدة على المستوى البلدي، وتقسيمها سياسياً: الغرب عاصمة لدولة إسرائيل؛ والشرق عاصمة لدولة فلسطين. وفيصل الحسيني، قائد الفلسطينيين المحليين، وسليل واحدة من أعرق العائلات الفلسطينية المحلية وابن بطل وطني قتل في مكان ليس ببعيد في معركتي المذكورة نفسها، قبل بهذه الصيغة علناً. كما أعطاني ياسر عرفات موافقته الضمنية.
لو كان الرئيس دونالد ترامب قد أعلن القدس الغربية عاصمة لإسرائيل ونقل سفارته إلى هناك، لكان الجميع تقريباً سيبتهجون. ولكن، بحذ كلمة "غرب"، أشعل ترامب ناراً -ربما من دون أن يكون مدركاً لما يفعله، أو ربما لا يهتم، ببساطة.
بالنسبة لي، لا يعني نقل السفارة الأميركية أي شيء. إنه عمل رمزي لا يغير الواقع. وإذا، وعندما يأتي السلام فعلاً، فإن أحداً لن يلقي بالاً إلى عمل أحمق ما قام به رئيس أميركي نصف منسي. إن شاء الله.
وهكذا، هناك كانوا، هذه العصبة من النكرات المختالين المعجبين بأنفسهم، إسرائيليين، وأميركيين، وأولئك الذين بَين بَين، يقيمون مهرجانهم الصغير بينما تتدفق أنهاء الدم في غزة. ثمة بَشرٌ كانوا يُقتلون بالعشرات، ويصابون بالآلاف.
بدأ الاحتفال كاجتماع قاتم، والذي سرعان ما أصبح بشعاً، وانتهي بكونه شريراً. نيرون يعبث بينما روما تحترق.
عندما تم تبادل آخر عناق  وقيلت آخر عبارات المجاملة (خاصة لإيفانكا الجميلة)، ظلت غزة ما كانته دائماً -مركز اعتقال هائل بمستشفيات شديدة الاكتظاظ، مفتقرة إلى الأدوية والمواد الغذائية، والمياه الصالحة للشرب والكهرباء.
على الأثر، تم إطلاق حملة دعاية سخيفة على مستوى العالم لمواجهة الإدانة العالمية. مثلاً: قصة أن حماس الإرهابية أجبرت الغزيين على الذهاب والتظاهر –كما لو أنه يمكن إجبار أي أحد على المخاطرة بحياته في مظاهرة.
أو: قصة أن حماس دفعت لكل متظاهر 50 دولاراً. هل يمكن أن تخاطر بحياتك من أجل 50 دولاراً؟ وهل يفعل ذلك أحد؟
أو: لم يكن أمام الجنود أي خيار سوى قتلهم، لأنهم كانوا يجتاحون السياج الحدودي. وفي الحقيقة، لم يفعل ذلك أحد -كان التركز الهائل لكتائب الجيش الإسرائيلي ليحول دون ذلك بكل سهولة، ومن دون إطلاق الرصاص.
ثمة خبر صغير من الأيام السابقة ظل شبه منسي تقريباً في هذا الزحام: كانت حماس قد عرضت بتكتم عقد هدنة لمدة عشر سنوات. والهدنة التزام مقدس، والذي لا يجب انتهاكه أبداً. كان الصليبيون، أسلافنا البعيدون، قد عقدوا الكثير من معاهدات الهدنة مع أعدائهم العرب خلال المائتي عام التي قضوها هنا.
لكن القادة الإسرائيليين رفضوا ذلك العرض على الفور.
وإذن، لماذا صدرت الأوامر إلى الجنود بالقتل؟ إنه المنطق نفسه الذي دأب على تحريك أنظمة احتلال لا تعد ولا تحصى عبر التاريخ: اجعل "السكان الأصليين" خائفين جداً بحيث يستسلمون. وللأسف، كانت النتائج دائماً تقريباً هي العكس: أصبح المضطَهدون أكثر صلابة، وأكثر تصميماً. وهو ما يحدث الآن.
يغلب أن يُنظر إلى يوم الاثنين الدامي هذا في المستقبل على أنه اليوم الذي استعاد فيه الفلسطينيون فخرهم الوطني، وإرادتهم للوقوف والقتال من أجل استقلالهم.
بطريقة غريبة، في اليوم التالي -اليوم الرئيسي للاحتجاج المخطط له، يوم النكبة- قُتل اثنان فقط من المتظاهرين الفلسطينيين. ربما أرسل الدبلوماسيون الإسرائيليون في الخارج، بينما يواجهون سيلاً من السخط على اتساع العالم، ربما أرسلوا إلى الوطن رسائل تحمل إشارات الخطر. ومن الواضح أن الجيش الإسرائيلي غير أوامره. استخدم الوسائل غير العنيفة، وكانت كافية.
لا يسمح لي ضمير بأن أختم هذا من دون بعض النقد الذاتي.
كنت لأتوقع أن ينشر كل الكتاب الإسرائيليين البارزين إدانة مشتركة مدوية بينما كان إطلاق النار ما يزال مستمراً. لكن ذلك لم يحدث.
وكان حال "المعارضة" السياسية مزرياً. لم تصدر ولو كلمة واحدة عن حزب العمل. لا كلمة من يائير لابيد. الزعيمة الجديدة لحزب ميرتس، إستير ساندبيرغ، قاطعت احتفال القدس على الأقل. لكن، لا حزب العمل ولا لابيد فعلوا حتى ذلك.
كنت لأتوقع أن تتوحد العشرات من منظمات السلام الشجاعة لدينا في عمل درامي من التعبير عن الإدانة، عمل يثير انتباه العالم. لكن ذلك لم يحدث. ربما كانوا في حالة صدمة.
في اليوم التالي، تظاهر الفتيان والفتيات الممتازون من مجموعات السلام مقابل مكاتب الليكود في تل أبيب. شارك نحو 500. وهو عدد أقل بكثير من مئات الآلاف الذين تظاهروا قبل بضع سنوات احتجاجاً على رفع سعر الجُبن.
باختصار: لم نقم بواجبنا. وأنا أتهم نفسي بقدر ما أتهم كل أحد آخر.
الآن، يجب أن نستعد للقيام بعمل على الفور عند حدوث الفظاعة التالية. يجب أن نتنظم لعمل جماهيري جماعي منذ الآن!
لكن الشيء الذي ساد فوق كل شيء آخر كان الماكينة الهائلة لغسل الدماغ التي تم تشغيلها. لم أشاهد مثل ذلك منذ الكثير من السنوات.
عمل كل أولئك الذين يُدعَون "مراسلون عسكريون" مثل وكلاء دعاية للجيش. ويوماً بعد يوم، ساعدوا الجيش في نشر الأكاذيب والزيف. ولم يكن لدى الجمهور بديل سوى تصديق كل كلمة. ولم يطلب منهم أحد القيام بخلاف ذلك.
ينطبق الشيء نفسه على كل وسائل الاتصال الأخرى تقريباً، ومعدي البرامج، والمذيعين والمراسلين. أصبح كل هؤلاء كذابين للحكومة طوعاً وعن طيب خاطر. ربما تلقى العديد منهم أوامر بعمل ذلك من رؤسائهم. ولم يكن هذا فصلاً مجيداً.
بعد يوم الدم، عندما ووجه الجيش بإدانة العالم واضطر إلى وقف إطلاق النار (قَتلَ اثنين "فقط" من المتظاهرين العزل)، توحد الإعلام الإسرائيلي كله في إعلان أن هذا كان انتصاراً إسرائيلياً عظيماً.
اضطرت إسرائيل إلى فتح المعابر وإرسال المواد الغذائية والأدوية لغزة. واضطرت مصر إلى فتح معبرها مع غزة وقبول مئات عدة من الجرحى لإجراء عمليات وتلقي غيرها من العلاجات.
يوم العار مر. حتى المرة المقبلة.
 
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Day of Shame
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات