عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Mar-2017

ادوارد سعيد ونقد خطاب الاستشراق

الدستور-الدكتور مجد الدين خمش 
 
يبين ادوارد سعيد في كتابه المشهور الاستشراق الصادر في نيويورك عام 1978م أن هذا الاستشراق الذي غيّر مسار البحث العلمي حول العرب والمسلمين كان جزءاً من مؤسسة سياسية غربية لتخيل الآخر، وتمثيله، واختزاله بهدف السيطرة عليه. فالاستشراق مدرسة للتفسير مادتها الشرق، بحضارته، وشعوبه، وأقاليمة؛ وهو سلطة أيضاً، ذلك أن تحليل خصائص السلطة يبين أن هذه الخصائص تنطبق أيضاً على الاستشراق. فالسلطة تُكتسب، وتتراكم، وتنتشر، وتُحول الى أداة لصناعة المعايير والتوجهات، والأذواق، والمصالح، والقيم. وهذه الخصائص لدى سعيد تميز الاستشراق أيضاً؛ فهو بالتالي سلطة معرفية و سياسية-كما يؤكد في كتابه المشار اليه.
 
ففي الفصل الأول من كتابه (الاستشراق) الطبعة الرابعة المنشورة بالانجليزية عام 1994 المعنون «اتساع مدى الاستشراق»، يتحدث بلغة عاطفية قوية منتقدا موقف بلفور من أمم الشرق، وقوله «ان بريطانيا تقدم أفضل ما لديها لهذه الأمم، وفي المقابل تحصل على عدم الامتنان « ( ص 32)، مؤكدا (ص ص 35-36): «لو كان نجاح بريطانيا في مصر شيئا غير اعتيادي، كما يقول بلفور، فهو لم يكن نجاحا غير منطقي، أو من غير الممكن تطبيقه. وكانت مصر تضبط من خلال نظرية عامة عبّر عنها كل من بلفور من خلال نظرته للشرق وحضارته، وكرومر من خلال اشاراته الى ادارة الشئون اليومية لمصر.  جوهر هذه النظرية أن هناك غربيين، وهناك شرقيون، الغربيون يسودون، والشرقيون يخضعون.» 
 
وأدى الخطاب الاستشراقي العام وظيفة تعبوية وسياسية خدمت السياسات الامبرياليه، وشكلت مكوناً أساسياً في مناخات صعود الهيمنة الغربية على البلدان العربية- يؤكد سعيد. فتحولت الثقافة الغربية باستخدام وسائل الادراح والادماج، وخطاب الاستشراق الى الثقافة المسيطرة التي طبعت الثقافات الأخرى الى حد ما، وفي أحيان أخرى الى حد كبير، بطابعها التكنولوجي، العقلاني والاستعلائي. هذا التوسع الامبراطوري الغربي وما رافقه من هيمنة غربية جعل الثقافات تتلاقى، وتندمج، بحيث لم يعد بالوسع الحديث عن ثقافة نقّية،أحادية ، فجميع الثقافات هجينة ، تعددية، وغير وحدانية - كما يؤكد سعيد.وبالاستناد الى هذه التحليلات يوجه سعيد انتقاداته لطروحات صاموئيل هانتنجتون حول الحضارة الاسلامية، وحول حتمية صراع الحضارات داعيا الى ابراز، وتعظيم ماهو مشترك بين الحضارات، حيث يؤكد في مقدمة كتابه ( الثقافة والامبريالية ) ( ص 10)  : 
 
« وأنه لذو أهمية خاصة بالنسبة لي، كعربيّ وغربي أن فكرة التعددية الثقافية، أو الهُجنة - التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم - لا تؤدي دائما الى السيطرة والعداوة، بل تؤدي الى المشاركة، وتجاوز الحدود، والى التواريخ المشتركة والمتقاطعة. وانه لعلى قدر كبير من الأهمية أن نتذكر ذلك في وقت يحاول فيه متطرفون مثل صاموئيل هانتنجتن أن يقنعوا العالم بان «صدام الحضارات « أمر محتوم لا مفر منه.»
 
ويوجه سعيد نقده للخطاب الاستشراقي الذي سيطر على العلاقات بين الشرق والغرب على مدى القرنيين الماضيين فهو يرى أن هذا الخطا يظل عاجزاً عن التطور بسبب تمسكه بخرافة مركزية حول الثقافة الشرقية وهي أنها ثقافة الجمود، وعدم التطور. بينما تتميز الثقافة الغربية بالمرونة والعقلانية والتطور المستمر. وكانت هذه المركزية في رأيه وما يرتبط بها من مقارنات وتصنيفات أيديولوجية احدى أدوات انبثاق الهويتين الشرقية والغربية، كما كانت أحد عوامل قدرة الغرب على الهيمنة وفرض ارادته على الشرق. ويوضّح سعيد (ص ص 108-109): «بمعنى من المعاني فان محددات الاستشراق هي، كما قلت سابقا، المحددات التي تدور حول عدم الاحترام، وعدم الاعتراف، وانكار ثقافة انسانية، أو حضارة أخرى مغايرة، بما في ذلك شعوبها، وأقاليمها الجغرافية. ولكن الاستشراق اقترف مستوى آخر من السوء حين يتم النظر من خلاله الى الشرق على أنه يعكس للغرب الجمود في المكان والزمان. وكانت الكتابات الوصفية والأدبية للاستشراق ذات سطوة ملحوظة لدرجة أن مراحل كاملة من حضارة الشرق، وتاريخه السياسي، والاجتماعي أعتبرت مجرد ردود فعل على الغرب. هو الفاعل، والشرق السلبي صاحب ردود الفعل. الغرب هو المشاهد، والحكم، وهيئة المحلفين لكل مظهر من مظاهر السلوك الشرقي.»
 
يتسم كتاب ادوارد سعيد (الاستشراق) بشكل عام بطروحات فكرية جديدة جريئة تستند الى ثقافة ثرية متنوعة، وقدرات لغوية راقية- كما يتبين من الاقتباسين المترجمين عن سعيد أعلاه -  من الصعب تملكها الا لدى القلة من الكتاب والمفكرين الأفذاذ، كما يتسم أسلوب سعيد بميل الى الابهار اللغوي الذي يغلّف القارئ، ويجعله أسيراً لتحليلات الكاتب وأدلته المتنوعة من الفكر والأدب والتاريخ. وقد أعيد طبع الكتاب أكثر من عشر مرات حتى الآن، كما ترجم الى عشرات اللغات المختلفة. وفي العربية قدمت الترجمة الأولى للكتاب مبكراً عام 1981 من قبل الشاعر والناقد السوري كمال أبو ديب (الذي يحظى بمديح سعيد / ص 330 ) التزم فيها بلغة النص الأصلي لسعيد. فجاءت هذه الترجمة ذات لغة يصعب فهمها من قبل القارئ العربي فيها اطراءات، وقدر من التمجيد للكتاب ومؤلفه. أما الترجمة الثانية المشهورة فجاءت متأخرة عام 2006 وبعد أن قام سعيد بمراجعته للنص الأصلي للكتاب مضيفاً اليه فصلاً جديداً ختامياً، بعنوان (كلمة ختامية)  في رده على بعض منتقديه، وبعد تأليف كتابه الآخر (الثقافة والامبريالية) عام 1993 للرد على منتقديه أيضا، واستكمال مشروعه الفكري النقدي للاستشراق. وقام بهذه الترجمة محمد العناني الذي اعتمد في ترجمته أسلوب التعريب بدل التغريب - كما يقول - أي تقديم الفكره بلغة عربية معاصرة دون الالتزام  الكامل بالنص الحرفي للفكرة في كتاب سعيد.
 
تعرض الكتاب لعديد من الانتقادات وجهت  لموقف سعيد من الثقافة والهوية، في الشرق الاسلامي ودور الاستشراق في ذلك، واتجاه العلاقة بين الاستشراق والاستعمارلا سيما  من قبل برنارد لويس، وألبرت حوراني، وصادق العظم ركزت على تبيان أن سعيد اتسم في مؤلفه الاستشراق بنزعة واضحه للمبالغة في استخدام الصور النمطية، والتعميم المسطّح فيما يتعلق بفئات المستشرقين.  فقد أغفل سعيد وجود استشراق ألماني وآخر مجرّي لم يكن له ارتباط بالسياسات الاستعمارية في الشرق الأوسط. كما أغفل سعيد حقيقة تاريخية وهي أن الفترة الممتدة من 1800 م وحتى 1911 كانت فترة هيمنة للدولة العثمانية على الشرق الأوسط المسلم، وأجزاء من أوروبا. وهي - أي الدولة العثمانية - التي هددت أوروبا وليس العكس. كما أتهم ايضاً بأنه معاد للغرب والثقافة الغربية المنفتحة والمتسامحة، ويأخذ الغرب كله وحدة واحدة ولا يمييز بين مكوناته المختلفة في مواقفها من العرب والاسلام.
 
كما انُتقد الكتاب من قبل صادق جلال العظم في كتابه ( الاستشراق والاستشراق معكوسا) حيث  يركز العظم على اتجاه العلاقة التي يؤكدها سعيد بين الاستشراق والاستعمار الغربي حيث يرى سعيد أن الاستشراق قاد الى حدوث الاستعمار الغربي للبلدان العربية وعدد من البلدان الاسلامية الأخرى. بيمنا يرى العظم أن التوسع الاستعماري، وما أوجده من مصالح سياسية واقتصادية هو الذي صنع الاستشراق لتعظيم مكاسبه، وتسهيل الحصول عليها. وهو ينطلق في ذلك من مسلمات الماركسية الكلاسيكية حول العلاقة بين البنية التحتية المادية والبنية الفوقية الفكرية، فالبنية التحتية هي التي تنتج البنية الفوقية وليس العكس بحسب هذا التحليل الماركسي. ويؤكد العظم أن المصالح المادية الحيوية هي محرك التاريخ، وهي بالتالي التي تنتج خطابها الاستشراقي. ولم يعطي العظم اهتماما لامكانية وجود علاقة تبادلية بين الاستعمار والاستشراق، فكل منهما يعضد الآخر، ويقويه كما تشير الأدلة التاريخية والمعاصرة.
 
ومع ذلك، يعترف العظم أن سعيد حقق انجازا ملحوظا في  تمكنّه من تعرية طروحات المركزية الغربية التي تصوّر الشرق وثقافته على أنه أرخبيل الخنوع والسلبية والتأخر السرمدي، لكنه يرى أن ذلك أدى - ربما بشكل غير مقصود - الى تطور استشراق معكوس في الفكر العربي المعاصر تقوده بعض التيارات الدينية التي ترفض واقع بعض المجتمعات العربية والاسلامية، وتعمل على محاربة هذه المجتمعات، ومحاربة التيارات الفكرية الأخري فيها، لا سيّما التحديثية والليبرالية منها . 
 
وفي تعليق سعيد على هذه الانتقادات وغيرها أشار الى أن بعضها كان شديد اللهجة، عدائيا، وبعضها شابه قدر من عدم الفهم لمضمون الكتاب ؛ لكن بعضها الآخر كان مشجعا، وبناء ( ص 320). ويمكن النظر الى هذه الانتقادات التي قدمها لويس، وحوراني، والعظم  على أنها تشكل وجهات نظر تستحق الاحترام، لكنها لا تقلل بأي حال من مكانة ادوارد سعيد فكريا وأكاديميا عربيا وعالميا سيّما وأنه نتاج للأكاديميا الغربية الأمريكية التي تشتهر بالتنافس الشديد والعادل، وتحقيق اختراقات علمية وفكرية متواصلة تؤثر في العلماء والمفكرين في مختلف البلدان.
 
 المراجع: 
 
ادوارد سعيد، الاستشراق : المعرفة، السلطة، الانشاء، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1،1981.
 
وهناك ترجمة أخرى مشهورة بالعربية لكتاب الاستشراق، أنظر : ادوارد سعيد، الاسشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد العناني، القاهرة، دار رؤية للنشر، 2006. 
 
 ادوارد سعيد، الثقافة والامبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، ط4، بيروت، دار الآداب، 2014.
 
وهناك عشرات المواقع على الانترنت بالعربية والانجليزية تسمح يتنزيل كتب ادوارد سعيد مجانا، أو مقابل شروط مالية، يمكن للقارىء المهتم الدخول اليها بسهولة.
 
صادق جلال العظم، الاستشراق والاستشراق معكوسا، بيروت، دار الحداثة، 1981.
 
مجد الدين خمش، العولمة وتأثيراتها في المجتمع العربي، عمان، دار مجدلاوي للنشر، 2011.
 
Bernard Lewis , « The Question of Orientalism « , Islam and the West , London , 1993.pp.91-119
 
Edward W. Said , Orientalism, Western Conceptions of the Orient, 4th Ed., New York and London , Penguin Books,1994 ( 1978)

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات