عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

حقول دلالية لحب الوطن في ديوان «ساعة من ليل» لسامي أبوبدر

الدستور-د. محمد عباس عرابي 
 
سيطر حب الشاعر سامي أبوبدر لوطنه (مصر) على معظم قصائد ديوانه (ساعة من ليل). 
 
يتضح ذلك عند رصد دلالات حب الوطن في مقاطع وقصائد هذا الديوان، وفي ضوء ذلك يمكن تصنيف ذلك تصنيفا يضم حقولا دلالية لحب الوطن أدت غرضها المنشود على أكمل وجه حيث يتجاوز مدلول الكلمة اللغوي أو البياني إلى مدى بعيد، ويتمثل هذا التصنيف في:
 
 الألفاظ الدالة على حب الوطن:
 
تعد عاطفة الحب والحنين للوطن دلالة طبيعية في ديوان (ساعة من ليل)؛ فحب أبوبدر لوطنه وعشقه له هو حياته، ومهر للخلد؛ إنه العشق الباقي في حنايا الفؤاد، وفي هذا يقول في قصيدة (حنين): (وطيف الحبيب يغازل فيها الحياة/ يمد إليها ذراعًا/ وشدت على قلبها في هيام رباطًا من العشق/ في موكب للعلا)، وفي قوله في القصيدة نفسها (ويزداد وجه الصبح اتساعًا وتمسك أطراف ثوب الزفاف/ ملائكة الحب/ والمهرجان تداعت له/ السابقات بأرواحهن مهورًا إلى الخلد/ حين تراءت /ولحن الوفاء يغني)/ وقوله في ختام القصيدة نفسها: «فهل من دليل؟ وهل من بقايا ؟/ ... تميمة عشق عليها نقوش/ لمن لم يزل في حنايا الفؤاد/ أميرًا مطاعًا»، وقوله في قصيدة (حُلْم): «وتناست أني من شادت بالحب أنامله/ وطنا للعشق بلا ثمن»
 
كما سيطر حب الوطن على كيان أبو بدر في قصيدة (سأحيا أغني ) حيث يقول: «وتبقين رغم الحوادث/ جنة قلبي/ يسابقني الشوق/ يهمس/ يصدع حبًّا/ لأجلك تحلو حياتي ويحيا مماتي )، وفي قوله: (لأجلك/ أبرأ من عشق نفسي/ ومن حب ذاتي)
 
وعن حنينه إلى وطنه يقول في قصيدة (نشيد النهر): (تراهم وقد أنشدوا/ فوق هذا الثرى/ وسط تلك المروج/ أهازيج عشق/ لتلك القرى والمدائن/ والنهر يعزف لحن الحنين)
 
فكل هذه المقاطع تدل دلالة قاطعة على حب أبوبدر لوطنه، وقد اختار ألفاظًا مؤثرة قوية توحي بحرارة الحب، كما أن الصور مع الألفاظ تنساب في تناسق جميل لتظهر هذه العاطفة مثل (يغازل فيها الحياة - يسابقني الشوق – يهمس/ يصدع حبًّا - أبرأ من عشق نفسي - شادت بالحب أنامله - والنهر يعزف لحن الحنين)
 
 الألفاظ الدالة على الحزن:
 
فقد استخدم أبوبدر الألفاظ الدالة على الحزن والألم ليعبر بها عن حبه لوطنه حيث يخاطب بلده ووطنه مصر فيقول في قصيدة (أنين ): (يا ذكريات طفولتي وبراءتي/ أمسيتِ في الأعماق جُرحًا غائرًا/ وغدوتِ في الأحشاء داء)
 
وقوله في القصيدة نفسها: (لا تستغيثي واكتمي الآلام إني عاجز/ أنا لا أجيد سوى البكاء/ هذا زمانٌ لا يقارن بالزمان/ ولا تعاتبه الجراح/ وحلمنا الوردي بات مهلهلا في زحمة الأشواك والآهات، والدرب الذي غامرت في أرجائه معكِ/ ابتهاجا بالصبا/ هجرته أحلامي التي كانت تحلق في الفضاء)
 
وقوله في نفس القصيدة أيضا: (أكذوبة/ تلك الحكايات/ التي كنا نسافر في معانيها/ لتبهرني وتوهمني/ بأنكِ رهن أحلام تسلقها الفؤاد/ اليوم يسقط عن قساوتكِ القناع/ الآن تعصف بي حقيقتكِ/ التي باتت تجاهر بالشقاق وبالجفاء ) وقوله (إني سئمت تألمي/ منْ لي يُهوِّن من جراحاتي/ التي باتت تؤرقني ) وقوله (أصداء آهاتي يغالبها الهوى/ ويملها قلبٌ يفتش في دهاليز الظلام عن الصباح) وقوله في قصيدة (نشيد النهر): (برغم الجراح التي تنزف الآهَ/ حين يحل ظلام العشيةْ/ برغم انكسار العيون البريئةِ حين استحلت براءتها طعنة بربريةْ)
 
وقوله في قصيدة (ريح عقيم ): (الريح عقيم يا ولدي/ والأرض بوار من حولي/ تروى بحطام الأمل في غده/ لن تشدو أرضك ثانية ألحانًا...)
 
فأبوبدر يستخدم الألفاظ الدالة على الحزن والألم، ويدخلها في تراكيب توحي بالتألم والجراح والشقاق والجفاء الهجر والآهات، فهو يكتم الآلام، عاجز، لا يجيد سوى البكاء، وكل هذا جعل الجو مشحونًا بالحزن، فالقناع تسقط، والحقيقة تجاهر بالشقاق وبالجفاء، والحلم يتهلهل في زحمة الأشواك والآهات، والجراحات تؤرق، والآهات تغالب الهوى، والجراح تنزف الآه، والعيون البريئة منكسرة، والأرض لن تنشد ألحانا.
 
 الألفاظ الدالة على الارتباط بالمكان:
 
منها ما يدل على الطبيعة أو مكان محدد، ففي قصيدة (الوعد) يقول أبو بدر: (أفتش فيك يا سمراء عن ذاتي/ وعن أحلى حكاياتي/ تداعبني/ وتلهب نبض أوردتي وتحملني إلى الجنات/ في أرجائك الحسناء/ بين رياضك الغناء، والشطآن)
 
وقوله في قصيدة تراتيل (آمنت أنك يا حبيبة باقية، وغدًا ستلتئم الجراح، بشاطئيك)
 
وقوله في قصيدة (نشيد النهر ): (فوق هذا الثرى/ وسط تلك المروج/ أهازيج عشق لتلك القرى والمدائن). 
 
فلقد برهن أبوبدر عن شدة حبه لوطنه من خلال الأماكن المحددة والدالة على الطبيعة من القرى والمدائن والنهر، والأرجاء الحسناء، والرياض الغناء، والشطآن.
 
 الألفاظ الدالة على الزمن:
 
فلقد استخدم أبوبدر الألفاظ الدالة على الزمن في سياقات وتراكيب دلالية تحمل حبه لوطنه، وحزنه وتألمه بسبب اغترابه عنه، يقول في قصيدة: (ريح عقيم ): (أمضيت الأيام الأولى تنشدها طربًا/ فنشيدك بات مؤامرة/ ومزاج الصبح استعذب ما نعق الغربان/ ولدي/ الليل أقام بلا سفر وتراقص فوق رفات الصبح)، وها هي بلده تخاطبه: (قالت وسكون الليل يحاورني: قم مزق ما سطرت بصدرك) وقوله: (اليوم يسقط عن قساوتكِ القناع)، وقوله: (أمسيت في الأعماق جُرحًا غائرًا وغدوت في الأحشاء داء)، وقوله: (يفتش في دهاليز الظلام عن الصباح/ وقد بدا متعثر الخطوات في ليل طويل/ موحش يا أيها الصبح الكسيح/ ألم يحن أن تستفيق من السبات) وقوله: (وكيف أن الصبح أشرق/ من حطام الذكريات الخالية) وقوله: (يمتطي ظهر الغروب مهاجرا في موكب)، وقوله: (الفجر قد ثقلت به رحم الظلام/ وراح ليلكَ يكتسي منه ترانيم الرحيل)، وقوله: (وتخطو بعزم/ يبدد ظلمة ليل طويل/ ليشرق فجرُ الرجالِ الهزيلُ).
 
وفي الختام يمكن القول: إن الشاعر سامي أبوبدر في أشعاره الوطنية وحبه لوطنه تخطى بألفاظه دلالتها المعجمية إلى جو الإيحاء؛ فالكلمة المبدعة هي أساس تكوين الصورة الفنية، واللغة بتراكيبها المتنوعة تبلغ أعلى مراتب القدرة على الإثارة حين يخرجها الشاعر من مدلولها المباشر باعثًا الإيحاء بتعدد الدلالات وتنوعها في مخيلة المتلقي.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات