عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Feb-2018

الحلم المقيم بإقامة "دولة إسلامية"

 الغد-ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أزادة موافيني - (نيويورك تايمز) 12/1/2018
 
كان من المحتم، كما قال لي محام شاب في تونس، أن تتعثر أولى المحاولات لإقامة دولة إسلامية عصرية. فقد نشأ الشباب المسلمون في ظل عقائد القومية، والعنصرية الأوروبية، والدول البوليسية القاسية، كما قال. ولذلك، حمل الشباب هذه السلوكيات الموروثة إلى داخل الخلافة التي أقامها تنظيم "داعش"، وهي مكان كان يُفترض أن يكون عادلا ومتنوع الألوان، لكنه ضحى بدلا عن ذلك بالعنف وامتلأ بجيوب الكولونيلية الجديدة، حيث أصبح باكستانيون بريطانيون سادة على السوريين المحليين، وساد السعوديون على كل الآخرين. وقال إن الأمر سوف يستغرق جيلا أو جيلين للتخلص من هذه الاتجاهات وهدم ما بني على خطأ. لكنه ظل وفيا للفكرة -في جزء منه لأن البديل الذي يعيش راهنا في كنفه أسوأ. وقال: "عندما تصبح الشرطة هي الدولة نفسها فهذا شيء مرعب حقا".
قبل سبعة أعوام، عندما انتشر الربيع العربي في عموم المنطقة، كان ثمة أمل حقيقي في احتمال أن تهب الأمة العربية من تونس إلى البحرين لإعادة تأطير أنفسها استجابة لدعوات من جماهيرها من أجل حكم لائق، وحد أدنى للعيش وحكم القانون. لكن الأنظمة القديمة أثبتت تشبثها وعنادها. وأفرزت الفترة اللاحقة دولا منهارة ونزاعات مفتوحة -وحتى قمعا أكثر حدة فحسب. وكانت هذه الحقيقة المروعة -عدم قابلية الدولة القومية العربية للإصلاح من الناحية الفعلية، وفقدانها الشعبية إلى الأبد، وإنما حمايتها من جانب الغرب- كانت جزءا من النداء الذي وجهه "داعش" وأكسبه القبول. وما تزال هذه الحقيقة غير مهتزة اليوم.
أعلن العالم هزيمة الخلافة المعلنة ذاتيا، والتي تم تقليصها من السيطرة على مناطق شاسعة مأهولة في العراق وسورية إلى مجرد جيب صغير في الصحراء. وقد ترافق الانهيار مع نقاش مستفيض حول ما الذي سيأتي تاليا: ما العمل مع المقاتلين الفارين؟ ومن الذي سيسود في المعارك التي ستدور بين الجهاديين أنفسهم؟
لكن أيا من هذا النقاش لم يتطرق إلى بحث أثر "الدولة الإسلامية" على الحلم بتكوين شكل ما من وطن إسلامي، والذي سبق خلافة المتشددين. وإذا كان ثمة شيء، فهو أنه بُعث من جديد بسبب التجربة الفاشلة في الحكم الإسلامي، بين الجميع من المحترفين الشباب المحرومين والناشطين في العالم العربي، إلى جيلين اثنين على الأقل من المسلمين الأوروبيين من الطبقة الوسطى والمهمشين، الذين يشعرون بازدياد بأنهم مهمشون في المجتمعات التي ولدوا في أحضانها.
انفجرت كلمة "خلافة" في مناقشات الاتجاه السائد الغربي في العام 2014، عندما أعلن أبو بكر البغدادي عن إنشاءِ أرض الله، داعياً المسلمين في كل مكان: "إهرعوا أيها المسلمون إلى دولتكم"، ومذكراً بأن فكرة الدولة/ الأمة غير متطابقة مع الإسلام، وبأن "سورية ليست للسوريين" وبأن الأرض كلها لله. وفي الغرب، جعل الصوت المغبر القديم لكلمة "خلافة"، سوية مع العنف الوهمي للدولة الإسلامية، جعلا ذلك الإعلان يبدو واهمياً بدوره، وانعكاساً لرؤية البغدادي النبوئية.
لكنها لم تكن كذلك: وحتى في ذلك الحين، كانت هذه فكرة لقيت من القبول أكثر مما أراد الكثيرون في الغرب أن يقروا به. وربما أصبح لديها قبولا أكثر اليوم أيضا. فقد شهدت التي تخللت ذلك تبني اتجاه سائد عريض لهوية جماعية إسلامية تكون عالمية وسياسية سرا، وقد حفز ذلك الشباب المسلم إلى رؤية أنفسهم كمجتمع جامع، والذي سيقدم له وجود وطن حلولا للظروف العسيرة.
في أوروبا، يبدو هذا محسوسا في كل مكان: حيث تجعل العنصرية الهيكلية المسلمين عاطلين عن العمل ومحاصرين بشكل غير متكافئ، وحيث تصدر الحكومات بازدياد وصمات لهوية المسلمين وتحظر الحجاب وتقوم باخضاع القضايا المسلمة، مثل العمل الخيري لفلسطين وسورية، لمراقبة سلطة مكافحة الإرهاب. وبالنسبة للعديدين، يساهم هذا الإقصاء في تغذية فكرة دولة مسلمة مستقبلية تتمتع بقبول روحي ومادي: مكان يوفر الوصول إلى الوظائف والفرص، وحيث لن يتطلب الدمج العلمنة.
في عموم الشرق الأوسط، ينتمي الشباب المسلمون إلى جيل يعيش في بلدان جردت فكرة المواطنة نفسها من أي معنى. ليس هناك عمل، ولا يستطيع غالبية الشباب الزواج قبل بلوغ 40 سنة من العمر، وحيث ترهب الشرطة الشباب من أجل الرشاوى، وعندما يسعون إلى نوع من التعويض من خلال نشاط يستند إلى الإسلام، يعاقبهم أمن الدولة. لذلك، لا غرابة في أن عمد العديد من الأشخاص إلى تعريف أنفسهم بأنهم مواطنون مسلمون بدلا من تعريف أنفسهم طبقا للبلد الذين يحملون جواز سفره.
يتفاوت أنصار فكرة الوطن المسلم في مرحلة ما بعد الدولة الإسلامية بين ناشطين قست قلوبهم النتيجة المغلقة لانتفاضات الربيع العربي، وبين مجموعة أخوية من الذين يحنون إلى الخلافة على "تويتر"، والذين يتفاوتون هم أنفسهم بين إسلاميين أشداء وبين هواة التاريخ الذين يفتقدون المجد الغابر والأمن اللذين يعتقدون بأن الخلافة وفرتهما ذات مرة. وعلى سبيل المثال، يدافع أحد مستخدمي "تويتر" الذي يسمي نفسه "الدمشقي"، عن قيام "دولة مستنيرة وأخلاقية" تعرض على المسلمين "الوئام الاجتماعي" – "نظام حكم يخلق ثقافة عالية على أساس اللغة العربية ويضع جماليات عسكرية أموية جديدة في الطليعة".
ويتطلع آخرون إلى الكيفية التي يمكن عمل الأشياء بها بطريقة مختلفة في المستقبل. ويشير أحدهم إلى أن تجربة "الدولة الإسلامية" أوضحت أنه "لا يمكن الإعلان عن قيام دولة في غمرة ضباب الحرب وحالة عدم اليقين". وكان البغدادي قد طالب بهجرة الملايين إلى "دولته"، لكنه لم يستطع أن يوفر لهم الأمن والوظائف. وفي المرة التالية، سوف يحتاج أي قائد يريد الإعلان عن إقامة دولة إلى السيطرة على أرض تتوافر على مرافق صناعية وبحث علمي؛ سوف يحتاج إلى سياسة اقتصادية والقدرة على الاتجار والتبادل التجاري، والسيطرة على شبكة كهربائية. وقد كانت خلافة البغدادي "نقمة"، لكنها "ولدت لدينا شعوراً متجدداً بالأمل والتوق"، كما أنها أظهرت أن أي دولة إسلامية قابلة للحياة ستتطلب الاستيلاء على دولة موجودة. "ربما، وربما فقط، يتلقى جنرال مسلم الإلهام في مكان ما"، كما يقول الناشط.
لكن هذه الـ"ربما" يجب أن تكون متوقعة؛ فالالتزام العاطفي بالخلافة مترسخ بقوة لدى أولئك الذين انضموا إلى "الدولة الإسلامية" فقط لينصعقوا بالنتيجة. وقالت لي امرأة تونسية كنت قد قابلتها في مخيم للجوء خارج الرقة في الصيف الماضي بعد أن هربت مع أبنائها واعتقلتها لاحقا قوات الدفاع السورية: "لو كانت الدولة الإسلامية حقيقية لما كنت قد تركتها. ولكنت قد فضلت الموت هناك على تركها". وقالت إنها تبينت أنها عصابة من الأشرار العازمين على جمع السيارات وسبي النساء. وقد أرادت المرأة التونسية العودة إلى الوطن، لكن معظم النساء في "الدولة الإسلامية" من اللواتي اعتقلن معها لا يردن العودة، وإنما أردن العيش في تركيا، التي يشعرن بأنها أقرب شيء إلى "دولة إسلامية".
يبدو مفكرو الخلافة متحدين في انتقاد تنظيم "الدولة الإسلامية"، لكن تصوراتهم المستقبلية بخلاف ذلك تتفاوت إلى حد بعيد. هل يكون المجتمع المسلم المثالي دولة تقليدية، وإنما تُحكم بقانون الشريعة؟ هل سيكون اتحاداً فيدرالياً لبلدان ذات أغلبية مسلمة تحت راية الإسلام، تكتلا إسلاميا مثل الاتحاد الأوروبي؟ هل يكون خلافة بالمفهوم الكلاسيكي التاريخي، نوعا من إمبراطورية باسم الله مع التزام حديث بالصيرفة الإسلامية؟ هل سوف يكون طائفيا؟ ليست هناك محددات متماسكة بعد لأي شكل ستتخذه هذه الأشواق الناقصة، لكن المشاعر موجودة هناك، كجزء حقيقي لا يمكن الهروب منه من المشهد الإسلامي المعاصر، مثلما هم الأئمة المشاعر والحجاب من ماركة "نايكي".
بينما نمسح قشور المدن التي سيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية" ونتأمل في المستقبل، من الجدير تذكر: أن خلافة "الدولة الإسلامية" خرجت من رحم الحرب الأهلية السورية، لكنها أصبحت ممكنة أيضاً بوجود آلاف المسلمين عبر العالم -ليس في العالم العربي فقط، وإنما أيضاً في أوروبا والولايات المتحدة وأندونيسيا وروسيا- الذين ركبوا الطائرات تاركين بلدانهم وراءهم في السعي نحو تحقيق حلم الوطن المسلم.
يبدو النقاش عن عالم ما بعد الدولة الإسلامية وكأنه يتحدث عن الأمن، لكنه يهمل من الناحية الأساسية حقيقة أن ما أدعت "الدولة الإسلامية" تمثيله -فكرة الخلافة- يظل موجوداً في عقول المسلمين، حتى لو تآمرت العديد من القوى على إبعاد تلك الأحاسيس عن المشهد العام. ولا يغيب عن البال أن الأغلبية ممن يتوقون إلى قيام دولة إسلامية ليسوا من أصحاب العقلية الجهادية ولا يدافعون عن قتل المدنيين. لكن وجهات النظر هذه محظورة من النشر في الفضاء العام في معظم الشرق الأوسط العربي؛ وهذه الأفكار غير مسموح بها في المجتمع المدني أو في منصات إعلام الاتجاه السائد. وسوف يكون من الأرجح بكثير أن يشاهد المرء مهرجا محافظا على شاشة التلفاز (مثل المصري الذي دعا مؤخرا إلى اغتصاب النساء اللواتي يرتدين بناطيل الجينز الضيقة كواجب قومي) أكثر من مشاهدة محام إسلامي متوقد الذهن في تونس.
كان السؤال الذي أسر الجمهور الغربي عندما كسبت "الدولة الإسلامية" الأرضية، هو: إلى أي مدى كانت الدولة إسلامية. وربما كان السؤال الأفضل هو: لماذا راق ما ادعت أنها تمثله للكثيرين. وبينما نكافح من أجل صياغة أسئلة أفضل بالنظر إلى المستقبل، يجب علينا أن نتساءل: لماذا تتفاعل فكرة الوطن الإسلامي كما يلزم -الفكرة القديمة لم يكن لها، في الذاكرة الحية، مثل هذه الأعماق تحتها.
 
*صحفية أميركية-إيرانية، زميلة في "مستقبل الحرب" في مشروع "نيو أميركا"، ومؤلفة الكتاب المقبل "عرائس داعش".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Lingering Dream of an Islamic State
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات